| 

الرئيسية

 

الفصل الأول: تمهيـد صاحب المذكرات

 

كثيرًا ما فكرت في احتراف الكتابة، وهي رغبة كانت تراودني منذ الطفولة. وخلال سنوات الحرب العالمية الثانية وبعدها، كنت أتنافس مع أخي الأكبر علي على كتابة صحيفتين بيتيتين لا يقرأهما إلا أنا وهو والوالد أحيانًا، لمجرد حب الإطلاع. وكنا لا زلنا في مرحلة الدراسة الابتدائية، إلا أن تعليمنا اللغوي كان متقدمًا بفضل الدروس الخصوصية اللغوية والدينية التي كنا نتلقاها أثناء سنوات الحرب. وكان كل واحد منا يحاول مناقشة وانتقاد الآخر في ما ينشره من آراء في صحيفته. وقد ساعدنا على ذلك كون والدنا مدرسًا في ذلك الوقت، وكنا نشاركه هواية القراءة، وخاصة المجلات المصرية كالرسالة والمصور وآخر ساعة والصباح وروايات جورجي زيدان والمجلات والكتب الأدبية التي كانت متوفرة في ذلك الوقت في حانوت السيد محمد جميل في مدينة مصراته، التي كان عدد المتعلمين فيها قليلاً. وقد ساعدتنا قراءة هذه المطبوعات على تحرير صحيفتينا، ومتابعة الحركات الأدبية والأنشطة السياسية في العالم العربي والعالم الخارجي.

كان خالنا السيد عبدالله بلقاسم عمر باشا المنتصر، الذى عاش معنا لفترة طويلة في فترة الحرب، زادًا غزيرًا من المعلومات عن أوروبا والعالم، وخاصة تطورات أحداث الحرب. وكان قد درس في جامعة تيفولي الإيطالية، وكان يقرأ الجرائد والمجلات الإيطالية ويتابع أحداث الحرب عن طريق الراديو، ويشرح لنا ما يجري في العالم، ويناقشنا بمشاركة والدنا فى ما نقرأ وفي أحداث الساعة، وقد تعلمنا منه الكثير. وكان يعرف الكثير عن تاريخ ليبيا في العهد العثماني وتاريخ عائلة المنتصر وشجرة العائلة حتى مؤسسها المنتصر، وهذا يرجع إلى أنه كان قد عاش مع جده عمر باشا المنتصر بعد وفاة والده وهو طفل، وكان عمر باشا المنتصر قائمقامًا على سرت وله أملاك كثيرة فيها.

يقال حسب رواية خالي أن جد العائلة المنتصر جاء من الكوفة بالعراق مع مجموعة من المهاجرين العرب، ونزلوا في مصراته وأطلق عليهم قبيلة الكوافي. وتولى المنتصر وأولاده وأحفاده منصب الشيخ لقبائل الأهالي في مصراته، وقائمقام ومتصرف في مصراته والخمس وسرت، وحصل بعضهم على لقب بك أو باشا في العهد التركي. وهناك رأي يقول أن المنتصر الأول جاء من المغرب ونزل في مصراته، ورحبت به قبيلة الكوافي واختير شيخًا عليها، ثم عينت الحكومة العثمانية ابنه الشيخ بلقاسم شيخًا على قبائل الأهالي.

ويقطن في مصراته ثلاث مجموعات من القبائل: أهالي وكراغلة وأولاد شيخ. ويقال إن الأهالي أصلهم من سكان ليبيا القدامى (البربر) ثم استعربوا بمرور الزمن تحت الحكم العربي. والكراغلة أصلهم من الأتراك والأعاجم الذين جاءوا من كل أنحاء الإمبراطورية العثمانية إلى مصراته ثم استعربوا، أما أولاد الشيخ فهم القبائل العربية التي جاءت وسكنت مصراته بعد الفتح العربي لليبيا والله أعلم.

 

الطفـولة

ولدت يوم 4 أبريل 1932 في مدينة مصراته وكنت الابن الثاني بعد أخي الأكبر علي لأبوين من عائلة المنتصر. كان والدي لا زال يدرس ويعيش مع جدي أحمد السني مصطفى المنتصر، الذي كان ميسورًا ويملك أراض شاسعة في مصراته وتاورغاء ومسلاتة وبنغازي، وكان له ثمان بنات وابن واحد هو والدي. لم يعمل جدي في الحكومة أو التجارة، بل كان يعيش على دخل أراضيه. وكان يعامل الفلاحين معاملة حسنة عملاً بنظام المغارسة، حيث جرى العرف على إعطاء النصف من الناتج للمالك في المحاصيل المطرية والربع في المحاصيل المروية، ويصبح الفلاح مالكًا لنصف الأرض بعد إتمام غرس عدد معين من الأشجار المثمرة في فترة محددة تمتد لعشرين سنة، وهذا جعل معظم الفلاحين ملاكًا لأراضيهم بعد فترة زمنية معينة.

ahmed sunni9.jpg - 18.93 Kb

1932 - جدي أحمد السني المنتصر مع حفيده الأكبر علي

 

بعد مولد أختي فاطمة، وهي ثالثنا، اضطر والدي إلى مغادرة بيت والده دون رضاه ليعيش مستقلاً، فقد كان من الصعب على والدتي العيش مع عماتي في بيت واحد، رغم اتساعه، وخاصة بعد أن تزايد عدد أفراد أسرتها، وقد اضطر والدي للبحت عن وظيفة. وكانت الحكومة الإيطالية لا توظف الليبيين إلا في وظائف تدريس اللغة العربية أو الوظائف الإدارية البسيطة أو المؤقتة، وعين في وظيفة في جهاز الإحصاء، ثم أصبح مدرسًا بعد نجاحه في امتحان التدريس سنة 1936م ضمن 26 مدرسًا منهم الأساتذة: مصطفى السراج ومحمد بن زيتون ومحمد خليل القماطي وأحمد نبيه ومراد بك درنة وبشير البدري وعبد الخالق الطبيب وعمر فخري الحمداني وغيرهم، وقد ساعده والده بإعطائه منزلاً قريبًا منه.

ورغم مساعدة والده وخالتيه في طرابلس، إلا أن ظروف معيشة العائلة أصبحت صعبة بعد حياة مريحة في بيت والده. وهكذا ترعرت أنا وإخوتي في جو عائلي متواضع ومحافظ جدًا. وعندما كنا أطفلاً، وحتى نتمكن أنا وأخي من الحصول على تغذية صحية، كان أخي الأكبر علي يقيم في طرابلس مع خالة والديه، أما أنا فكنت أتناول طعامي باستمرار مع جدي في بيته القريب من بيتنا.


suni family2.jpg - 93.81 Kb

بشير المنتصر مع والده وإخوته الهادي (على شمال الوالد) وأمامه المرحوم أحمد ثم الأخ الأصغر عبدالعظيم

 

كانت عائلة المنتصر تتمتع بمركز اجتماعي وسياسي متميز ولها تاريخ طويل في خدمة الناس. وكانت تتمتع بمكانة لدى الحكومة العثمانية، حيث تولى بعض أفراد العائلة وظائف إدارية عالية، وحصلوا على ألقاب تركية كثيرة منها الشيخ والبكوية والباشوية. وقد فرضت علينا هذه الظروف العائلية قيودًا والتزامات منذ الطفولة، فقد كان ممنوعًا علينا اللعب والمرح في الشارع دون رقابة، وكنا نذهب إلى المدرسة مع مرافق لنا باستمرار.

وكان الناس يعرفون العائلة باسم عائلة البي (بك التركية) وينادون أفرادها بلقب بي حتى الأطفال منهم. وكانت العائلة محسودة على مكانتها الاجتماعية من طرف المتطلعين إلى النفوذ والسيطرة، ومع هذا فقد كان احترام الناس العاديين والفلاحين، ووجودهم حولنا دائمًا، وتقديم خدماتهم لنا عن طيب خاطر وطواعية، يبعث فينا رضًا وتعلقًا بهم وتقديم كل ما نستطيع من خدمات لهم، ومشاركتهم مشاكلهم وأفراحهم وأحزانهم. كانت بيوتنا مفتوحة أمامهم وتعج بالزوار وخاصة في أيام السوق، حيث يتوافد الفلاحون على السوق في مصراته لبيع محاصيلهم وشراء حاجياتهم، وكانوا يحضرون لنا بعض منتوجهم من الخضار والفواكة باستمرار، وكنا نقدم لهم ما نستطيع من ضيافة متواضعة. وأذكر أن بيتنا الذي كان مواجهًا للسوق الرئيسي، كان دائمًا مفتوح الباب لا يغلق خلال الأربع والعشرين ساعة، دون خوف من سارق أو معتد. 

 misurata1941.jpg - 24.33 Kb

أحد الشوارع الرئيسية بمدينة مصراته (1941)

مرحلة الدراسة الابتدائية

بدأت التعليم في المدرسة مبكرًا، فوالدي كان مدرسًا في زاوية المحجوب. وأذكر أول يوم ذهبت فيه إلى المدرسة وعمري كان حوالي الخامسة مع والدي وأخي علي، وقد أعطيت كراسة وقلم حبر يستعمل مع المحبرة، فأرقت الحبر على الكراسة وملابسي، وقرر بعدها والدي إرجاء التحاقي بالمدرسة إلى السنة التالية. وفي السنة التالية دخلت مدرسة مصراته الابتدائية المركزية بعد أن نقل والدي إليها. وكان التعليم بها بالإيطالية مع تدريس الدين واللغة العربية كمواد غير أساسية، وكان مديرها الإيطالي آنذاك السنيور (دي ساباتو) كريمًا معنا، وكثيرًا ما كان يحمل معه الحلوى (كرميلة) يعطيها لنا كلما أجدنا وحفظنا عن ظهر قلب ما كان يكلفنا به. ولا زلت أتذكر بعض المقاطع من النشيد الفاشيستي الشهير "Giovinezza" (شبابًا):

يا شبابًا يا شبابًا ..  يا ربيعًا مستطابا

إننا أبناء روما ..  جندها نحن القدامى

قد مضينا ألف عامًا  .. ثم عدنا إلى العهود

لا رجوع لا هوينا  ..  في طريق قد بنينا..             

كما كنا نتغنى بأغنية العلم الإيطالي ذي الثلاثة ألوان وأسماء ملوك إيطاليا وزعمائها وجبالها وأنهارها، كنهر "البو" أكبر نهر في إيطاليا. وهكذا كانت إيطاليا تعد أبناء ليبيا كجزء من الشعب الإيطالي، ولكن الله أنقذ الشعب الليبي من هذا المصير، وانتهى حكم إيطاليا لليبيا بعد خسارة إيطاليا الحرب مع الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.

كانت الحياة بسيطة في متطلباتها في تلك الفترة، وكان مستوى المعيشة لعائلتي متوسطًا، إذا قورن بحياة الغالبية الفقيرة للشعب، وكان دخل والدي محدودًا. وبعد فترة ولد أخي الهادي قبل الحرب العالمية الثانية وكان رابعنا. ذهب والدي إلى الحج في سنة 1938 وأخبرنا بأحوال العالم العربي الذي لا نسمع عنه كثيرًا تحت حكم إيطاليا. وكان العرف أن يحتفل بمناسبة حج أحد أفراد العائلة ويدعى الأقارب والأصدقاء والمعارف إلى مآدب الأكل، وتحتفل النساء وتعم الحي زغاريد النساء وتقام الولائم. وأذكر أن الوالد أخبرنا بما يجري في فلسطين وقيام بريطانيا بالسماح للمهاجرين اليهود بالمجئ إلى فلسطين، وكان الناس متحمسين لما يجري في فلسطين.

كان يوجد عدد كبير من اليهود يعيشون بيننا وكانت علاقتنا معهم علاقات ودية وكنا نتزاور ونحتفل معهم بأعيادهم ويحتفلون معنا بأعيادنا. كنا نسكن قريبًا من حارة اليهود وكنت أسمع صوت الزمور  من المعبد اليهودي في الفجر مناديًا للصلاة وكثيرًا ما يتجاوب مع أذان الفجر في الجوامع المجاورة ونواقيس الكنيسة المسيحية في وسط المدينة. وقد أحضر والدي معه من الحج قصيدة مكتوبة باليد عن فلسطين حفظتها عن ظهر قلب ولا زلت أتذكر معظم أبياتها إذ تقول:

فلسطين فلسطين نفوس العرب تفديك

أيدنو منك صهيون ورب العرش يحميك

أسود نحن لا نخضع وعرب نحن لا نخنع

فيا صهيون لا تطمع فلسنا نرهب المدفع

وتنتهي بهذا البيت: فخلي الجهل في لندن فنصر العرب قد شع.

السيد إبراهيم السني المنتصر

كان والدي الحاج إبراهيم السني المنتصر رائدًا ومن الرعيل الأول في مجال التعليم. امتهن التعليم منذ أن عين مدرسًا بزاوية المحجوب بمصراته سنة 1936م وظل مدرسًا وإداريًا في هذا المجال حتى تقاعده سنة 1970م ووفاته سنة 1978م. ولد إبراهيم السني المنتصر في مصراته سنة 1911م من أبوين من عائلة المنتصر. وقد تعلم في المدارس الإيطالية والمعاهد الدينية في مصراته، التي كانت تزخر بكثير من العلماء الأجلاء، الذين خدموا العلم والدين الإسلامي في وقت أغلقت فيه أبواب التعليم العربي على أبناء ليبيا تحت الحكم الإيطالي، وشب إبراهيم السني المنتصر في عائلة معروفة بالورع والعلم وخدمة الناس.

 ibrahim sunni1.jpg - 3.30 Kb

السيد الوالد إبراهيم السني المنتصر (1954)

 

لقد احتفظت فروع عائلة المنتصر باسم جدها الأول المنتصر. والعائلة تنقسم إلى فروع رئيسية هي عمر المنتصر والسنوسي المنتصر وحسن المنتصر وعبدالمجيد المنتصر ومحمود المنتصر ومصطفى المنتصر، وقد تفرعت هذه الفروع بدورها إلى فروع كثيرة. وزاد تقارب أفراد العائلة بالزواج من بعضهم البعض وهي عادة عربية غير حميدة حافظ عليها العرب خلال القرون الطويلة الماضية. اشتهر فرع مصطفى المنتصر بالتجارة والعلم، فقد سافر جدهم مصطفى المنتصر إلى بنغازي وبقى فيها فترة طويلة تملك فيها أملاكًا كثيرة، وقد اضطر إلى العودة إلى مصراته لزواج ابنة عمه. أما فروع عائلة المنتصر الأخرى فيجمعها جد واحد هو الشيخ بلقاسم المنتصر الذي عينته الإمبراطورية العثمانية شيخًا، وهو لقب تركي يعطى  للحكام العرب في مناطقهم.

هذا ويلاحظ أن أحد فروع عائلة المنتصر لقب بالسنوسي تبركًا بزيارة الشيخ محمد بن علي السنوسي أثناء قدومه من مكة سنة 1841م (1257 هجري) وإقامته في بيت أحمد باشا المنتصر (جد السيد محمود المنتصر رئيس الوزراء) بطرابلس قبل إقامته ببرقة. وكان السيد محمد بن علي السنوسي قد مر على مصراته في طريقه إلى الحجاز سنة 1823م (1238 هجري)،  وأكرم من طرف الشيخ بلقاسم المنتصر عميد العائلة ووالد أحمد باشا المنتصر. وفرعنا لقب بالسني تبركًا بزيارة الشيخ أحمد السني إلى مصراته، وهو من الإخوان السنوسيين بمزدة. وكانت عائلة المنتصر تحترم وتكرم الأشراف وأهل البيت والمرابطين وأولاد الشيخ ورجال الطرق الصوفية، وكانت منازلهم في مصراته تعج بعشرات الطلاب لقراءة القرآن في مناسبات وفاة أحد منهم أو في إحياء ذكراهم في شهر رمضان والمناسبات الدينية وقراءة البغدادي في المولد النبوي. 

السيد إبراهيم السني المنتصر من فرع مصطفى المنتصر، تزوج السيدة خديجة بلقاسم عمر باشا المنتصر وأنجب منها خمسة أولاد وبنت هم علي (السفير السابق) وتزوج ابنة السيد محمود عبدالمجيد المنتصر، وبشير صاحب هذه الذكريات، وفاطمة وتزوجت الأستاذ أحمد بن لامين المستشار القانوني والقاضي في الاستئناف وأنجبت منه ابنًا هو الدكتور هشام بن لامين وبنتين، والهادي (محرر العقود) وتزوج ابنة السيد محمود القلالي، وأحمد السني الثاني (توفي في برلين سنة 1984 إثر مرض عضال وهو في ريعان الشباب) والمهندس عبدالعظيم وتزوج ابنة الشيخ أحمد المقهور.

بعد الحرب العالمية الثانية وتعريب المدارس في ليبيا قام والدي السيد إبراهيم السني المنتصر بالتعاون مع الأستاذ محمد مسعود فشيكة، الذي رجع من مصر حاملاً شهادة التدريس من كلية العلوم، بحملة توعية بأهمية المدارس الحديثة بعد تعريبها. وكان الوالد يحث الناس على إرسال أولادهم وبناتهم إلى المدارس بالخطب في المساجد والاتصال المباشر في وجه حملة شعواء ضد المدارس الحديثة شنها فقهاء وأئمة المساجد ومشايخ الدين الذين كانوا يعتبرون المدارس غير القرآنية من أدوات الاستعمار التي تهدف إلى القضاء على الدين الإسلامي واللغة العربية كما كانت عليه في عهد إيطاليا. وكان على رأس هذه الحملة الشيخ علي أحمد حسن المنتصر إمام وفقيه زاوية المنتصر الشهيرة بمصراته التي خرّجت المئات من حفظة القرآن الكريم، وسافر بعضهم إلى مصر للالتحاق بالأزهر الشريف ودار العلوم، وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر، الشيخ مصطفى عبدالسلام التريكي والشيخ الدكتور عمر التومي الشيباني والشيخ كمال علي المنتصر والشيخ إبراهيم ارفيدة وغيرهم كثيرين لم تسعفني الذاكرة بتذكرهم.

shiek ali muntasser4.jpg - 3.29 Kb                    dr shebani3.jpg - 2.53 Kb

                                      الشيخ على أحمد حسن المنتصر          الدكتور عمر التومي الشيباني

وقد انضم إلى السيد إبراهيم السني في حملته للدعوة إلى الالتحاق بالمدارس الرسمية في مصراته الأساتذة محمد مسعود فشيكة وعبدالله الترجمان ومحمد الطبولي ومختار معافة وإبراهيم الفلاح وغيرهم. وقد تولى والدي إبراهيم السني مهام مدير المدرسة الابتدائية بمصراته بعد نقل مديرها الأستاذ محمد مسعود فشيكة إلى طرابلس. ثم عين الوالد مديرًا للتعليم في منطقة مصراته، وكان له الفضل الكبير في إنشاء كثير من المدارس في ضواحي ومناطق مصراته آنذاك. وقد تتلمذ على يديه مئات التلاميذ وشاع نشاطه في طرابلس وفي المقاطعات الأخرى.

وتوافد على مصراته للزيارة كبار رجال التعليم آنذاك من مدراء التعليم والمفتشون، وأذكر منهم المستر ستيل كريج المدير الإنجليزي لإدارة التعليم في ولاية طرابلس في عهد الإدارة البريطانية، وكذلك مدراء التعليم العربي كمال حافظ (فلسطيني)، وعبدالحكيم جميل (سوداني)، والمفتشون العرب الأستاذ عبدالله الشريف، والأستاذ إسماعيل السويح وغيرهم.

بدأ الأستاذ إسماعيل السويح رحلتة الطويلة مع التدريس سنة 1932 وعين في مزدة وعمل في زليطن ومصراته والقرابولي ثم مفتشاً عاماً للتعليم في "المقاطعة الشرقية" أثناء فترة الإدارة البريطانية (1945-1951). تولى عدة وظائف هامة في التعليم بعد الاستقلال وعين مستشاراً ثقافيًا لليبيا في تونس والمغرب العربي من سنة 1964 حتى 1967. تقاعد سنة 1968 وعين عضواً في المجلس البلدي حتى عام 1973 وتوفي في طرابلس سنة 1992. له ابن واحد هو الدكتور سعدون إسماعيل السويح، أكاديمي وأديب معروف، يعمل حاليًا مع الأمم المتحدة في نيويورك.

swieh2.jpg - 3.76 Kb

الأستاذ إسماعيل أحمد السويح

 

وقد عرف والدي إبراهيم السني بالكرم النادر، وكان بيتنا لا يخلو يومًا من زوار. ولا زلت أتذكر الزائر الدائم الشيخ علي جبرين، الذي كان كبير السن وفاقدًا للبصر، ولكنه كان على قدر كبير من خفة الظل والفكاهة. وكان يحكي لنا ونحن أطفلاً قصصًا طريفة عن دراسته في المغرب والحياة الاجتماعية فيها ومغامراته ونكته الجميلة التي لا زلت أتذكرها حتى اليوم. كما كان الوالد يرحب بالزوار من رجال التعليم، ونظرًا لعدم توفر الفنادق في مصراته آنذاك، كان يدعوهم إلى الطعام باستمرار وأحيانًا للإقامة في بيتنا الكبير طوال زيارتهم لمصراته. ولن أنسى بعثة المدرسين التي مرت بمصراته في طريقها إلى مصر التي ضمت أكثر من 34 مدرسًا ومفتشًا من مدرسي ولاية طرابلس في سنة 1945، على ما أذكر، وقد أقام لهم الوالد مأدبة غذاء كبيرة للقاء مدرسي منطقة مصراته والاحتفاء بهم.

انتقل بعد ذلك والدي إبراهيم السني إلى طرابلس بعد تعيينه مديرًا للتعليم في منطقة طرابلس، ثم مديرًا للتعليم الابتدائي، ونقل بعدها إلى وظيفة وكيل كلية العلوم بجامعة طرابلس وبقى فيها حتى أحيل إلى التقاعد سنة 1970. وقد لعب دورًا هامًا في نشر التعليم والإشراف على المدارس في جميع أنحاء ولاية طرابلس بالتعاون مع الأساتذة محمد توفيق حموده، الذي تولى منصب مدير التعليم بعد تلييب الوظيفة وعبدالله الشريف ومحمد الأمين الحافي ومصطفى المبروك وإبراهيم الفلاح وعبدالغني البشتي، وسكرتير إدارة المعارف الدائم الأستاذ بشير عبدالله البدري وغيرهم كثيرين.

 

bashir badri4.jpg - 2.91 Kb

             الأستاذ بشير عبدالله البدري (1969)      

 

وقد اشترك والدي إبراهيم السني في البعثة التدريبية للفيف من رجال التعليم إلى أمريكا للإطلاع على نظم التعليم والتربية فيها. وخلال النشاط الوطني قبل الاستقلال وتأليف الأحزاب السياسية رفض والدي إبراهيم السني الانضمام إلى الأحزاب السياسية التي قامت قبل الاستقلال لخوض النشاط السياسي والحزبي، كما رفض الترشيح في انتخابات مجلس النواب المتتالية. ورغم محاولات بعض زعماء الأحزاب، مثل حزب الاستقلال، للاستفادة من تعليمه وخبرته ومكانته في مجال التعليم، إلا أنه رفض كل الإغراءات وبقي في مجال التعليم الإداري إلى النهاية، وتوفي سنة 1978 عن عمر يناهز 67 عامًا.

 

الحـرب العالمـية الثانـية تمـتد إلى ليـبـيا

قامت الحرب سنة 1939 وأنا في السنة الثانية الابتدائية، فأغلقت المدارس الرسمية ولجأنا إلى المدارس القرآنية في المساجد، وكانت الدراسة التقليدية بها تتمتع باحترام الناس، فهي توفر للطالب حفظ القرآن الكريم وكذلك دراسة العلوم الدينية واللغة العربية. هذا كما خصص لنا الوالد دروسًا خصوصية في النحو والصرف على أيدي بعض كبار المشايخ الذين درسونا النحو من كتاب الكفراوي وحفظت الأجرومية وبعض ألفية ابن مالك وحوالي ربع القرآن الكريم عن ظهر قلب.

عندما أصبحت ليبيا كلها ميدانًا للحرب انتقلنا إلى الريف، وعشنا مع عائلة السيد الطاهر الماني من سكان الأرياف الذي كان يرعى مزارع لجدي في مكان يعرف بعباد، وكان ميسور الحال بالنسبة لغيره من الفلاحين، ورجل متدين ومتزوج من امرأة من عائلة معروفة في مصراته. بالإضافة إلى عمله في الزراعة كان يشتغل أيام السوق في تجارة الصوف، وكانت تضحيته كبيرة. وقد ساعده والدي، كما ساعد عددًا كبيرًا من المواطنين الليبيين، في التوسط لدى الطبيب الإيطالي، الذي كان صديقًا للوالد ومسئولاً عن الكشف الطبي للمجندين الليبيين للحرب مع إيطاليا، بأن يعفيهم من التجنيد بحجة عدم صلاحيتهم صحيًا. وقد بلغ من كرم وحسن ضيافة السيد الطاهر الماني أن ترك بيته لنا ولجدي وبناته، وانتقل هو وأطفاله إلى زريبة من جريد النخيل حيث بنى دارًا حولها.

كانت ليبيا مسرحًا للحرب العالمية الثانية، وقد جرت على الليبيين مشاكل المآسي والفاقة. وكانت طائرات الحلفاء في أول الحرب، ثم المحور بعد الاحتلال، تقذف بقنابلها المدن الليبية ومنها مصراته وتقتل المئات في تلك المدينة. وأذكر يوم السبت الأسود في مصراته حين قذفت الطائرات البريطانية السكان البدو، الذين جاءوا إلى المدينة بالآلاف لأخذ التموين المخصص لهم، واعتقد الطيارون أنهم جمعًا من الجنود الإيطاليين، وقد مات منهم العشرات وجرح المئات ولم يبق بيت في مصراته إلا وفقد أو جرح له عزيز لهم، وكان من بين الجرحى زوج إحدى عماتي السيد محمد بن احميدة من قبيلة المقاوبة.

كانت الطائرات كثيرًا ما تخطئ وتضرب أحياء ومزارع المدنيين، وفعلاً سقطت قريبًا من البيت الذي كنا نعيش فيه كثير من القنابل، ومع هذا كان والدي يذهب للعمل حيث كلف المدرسون بأعمال إدارية في فترة غلق المدارس. وكنا نذهب لزاوية المنتصر أو كما تعارف أهل مصراته على تسميتها بـ"زاوية البي" في مركز المدينة لحفظ القرآن. وخصصت لأطفال العائلات الميسورة بعد ذلك مدرسة في الريف مجاورة لسكنانا انتسبنا إليها، وكنا عندما تبتعد المعارك عن مصراته نرجع إلى بيوتنا في المدينة. وقد اضطر جدي وبناته الانتقال إلى بيت آخر في إحدى المزارع القريبة منا نظرًا لضيق البيت الذي كنا نسكنه معًا.

نهايـة الحرب وبداية العمل الوطني

بعد احتلال البريطانيين لمصراته أواخر 1942، وانسحاب الإيطاليين والألمان منها، عدنا إلى بيوتنا في مصراته المدينة، لكن الحرب استمرت في ليبيا بعيدًا عنا، وكانت تؤثر في حياتنا. وقد تفتحت مداركنا في هذا الجو الخانق، ومشاكل الحرب وحالة الفقر التي يعيشها الناس. وكانت حياتنا في البيت بإشراف والد متعلم وخال مثقف مكنتنا من الاستفادة منهما، فقد كانا على جانب كبير من الثقافة والمعرفة وتجارب في الحياة. وأذكر أني كنت رغم صغري أناقشهما في ما يجري في الحرب بين المحور والحلفاء.

كنت متحمسًا للألمان وللقائد العسكري رومل، كمعظم الليبيين، وكنت مبهورًا بهم وبشجاعتهم التي كانت أساطير تروى بين الناس، بينما كان الناس يكرهون إيطاليا بسبب استعمارها لهم. وكان جدي أحمد السني المنتصر يكره إيطاليا لأسباب كثيرة، أهمها أنها في حربها ضد الليبيين بعد الحرب العالمية الأولى اعتقلته في مصراته، وقدم للمحاكمة بتهمة مساعدة المجاهدين (الفلاقة كما كانت تسميهم إيطاليا) لدخول مصراته، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، ثم خفف الحكم إلى عشر سنوات بعد أن ذكر محاموه للمحكمة أنه أب لثماني بنات صغيرات لا عائل لهن. وقد قضى منها سنتين ونصف في سجن قلعة طرابلس ثم أفرج عنه بعد صلح إيطاليا مع حكومة مصراته بزعامة المجاهد رمضان الشتيوي السويحلي.

 swehli3.jpg - 2.95 Kb

              المجاهد رمضان السويحلي             

وكان جدي قد ألقي القبض عليه مع مجموعة من وجهاء مصراته بعد واقعة القرضابية، وعصيان المجاهد رمضان السويحلي مع غيره من المجندين الليبيين في الجيش الإيطالي، وانضمامهم إلى المجاهدين بقيادة السيد صفي الدين السنوسي. وكان من بين الذين اعتقلوا مع جدي شقيقي رمضان السويحلي، أحمد وسعدون، اللذين كانا مع جدي أيضًا في سجن طرابلس، وذلك بحجة التآمر مع رمضان السويحلي والتخطيط لهذا العصيان مقدمًا. وقد ساعده ذلك على أن يحظى بمعاملة خاصة من حكومة رمضان السويحلي وإقامته في مصراته، رغم العداء الذي كان قائمًا بين رمضان السويحلي وبين أبناء عمر باشا المنتصر منذ العهد العثماني، والذي وصل إلى درجة الاقتتال لأسباب عائلية.

وبدأ هذا الخلاف بقيام رمضان السويحلي وإخوته بقتل بلقاسم المنتصر ابن عمر باشا المنتصر، عندما كان مسافرًا في طريقه من مصراته إلى طرابلس، عند موقع وادي عين كعام قرب مدينة زليتن في العهد العثماني إنتقامًا لإعتدائه على بعض أفراد عائلة السويحلي، ولم يكن معه سوى حارس واحد اسمه أحمد درم، تخلف عنه في زليتن لشراء بعض الطعام، ولما لحقه وجده مقتولاً. (والحادثة يرويها الأستاذ محمد بن مسعود فشيكة في كتابه تاريخ ليبيا العام).

safieldean1.jpg - 2.62 Kb

المجاهد صفي الدين السنوسي

 

وقد قامت الحكومة العثمانية بإلقاء القبض على رمضان السويحلي وإخوته وأخذتهم إلى قبرص للمحاكمة بعيدًا عن جو الصراع الذي نتج عنه قيام عبدالقادر عمر المنتصر، أخ بلقاسم، بإثارة قبائل الأهالي في مصراته، مطالبًا بأخذ الثأر لأخيه، بينما قام أخوه الثاني أحمد ضياء الدين عمر المنتصر بمتابعة محاكمة أبناء الشتيوي السويحلي في قبرص التي أخذت وقتًا طويلاً من الحكومة العثمانية، وكلفته أمولاً باهظة اضطرته إلى بيع أراض للعائلة لتغطية التكاليف. وبعد أن تخلت تركيا عن ليبيا لإيطاليا أواخر 1912م أوقفت المحاكمة، وأطلق سراح رمضان الشتيوي وإخوته ورجعوا إلى مصراته، التي كانت إيطاليا قد احتلتها من ضمن المدن الساحلية الليبية.

abdulgader_omar_al_muntasser2.jpg - 15.31 Kb              ahmed dia eldeen2.jpg - 17.40 Kb

                            السيد عبدالقادر عمر المنتصر                         السيد أحمد ضياء الدين عمر المنتصر

 

بعد احتلال إيطاليا للمدن الليبية الساحلية الرئيسية، قامت بتأليف جيش من الطرابلسيين لمحاربة السنوسية في برقة. وعرضت إيطاليا أمر قيادة المجندين الطرابلسيين على عمر باشا المنتصر وأبنائه، وكانوا يتولون مناصب قائممقام في مصراته وسرت في العهد العثماني، ولكنهم رفضوا لأنهم من أتباع طريقة الإخوان السنوسيين الدينية، منذ قدوم السيد محمد علي السنوسي الكبير من الجزائر ونزوله عند عائلة المنتصر في مصراته وهو في طريقه إلي المشرق للحج وإقامته بعد رجوعه من الحج في برقة. وقيل أن عمر باشا المنتصر قال للإيطاليين لو أعطيتموني الدنيا وما فيها فلن أحارب الأشراف السنوسيين، وكان معروفًا عن عمر باشا أنه يحترم ويخاف من الأشراف و(المرابطين).

بعد ذلك لجأ الإيطاليون إلى رمضان السويحلي خصم عمر باشا المنتصر وأولاده، وعرضوا عليه قيادة المجندين الليبيين، فاستغل الفرصة وقبلها للتخلص من مضايقة خصومه، إلا أنه انقلب على الجيش الإيطالي مع غيره من المجندين الطرابلسيين في معركة القرضابية المشهورة (28-29 أبريل 1915)، حيث هزم الجيش الإيطالي بقيادة العقيد أنطونيو مياني هزيمة نكراء. رفض المجاهد رمضان السويحلي مع غيره من الليبيين المجندين إجباريًا في الجيش الإيطالي إطلاق الرصاص على إخوانهم  المجاهدين الليبيين، ووجهوا بنادقهم إلى الجيش الإيطالي وانضموا، بتدبير مخطط مسبقًا، إلى إخوانهم المجاهدين من قبائل برقة وقبائل سرت وفزان بقيادة السيد صفي الدين السنوسي، وهزموا الجيش الإيطالي في هذه المعركة الشهيرة. رجع السيد رمضان السويحلي منتصرًا إلى مصراته مع السيد صفي الدين السنوسي ثم اختلف معه وقتل بعض مرافقيه من برقة وبعض أنصاره في مصراته بتهم شتى، مما اضطر السيد صفي الدين إلى الهرب سرًا إلى برقة هو ورفاقه خوفًا من نفس المصير، تاركين مصراته في أيدي رمضان السويحلي الذي أعلن نفسه رئيسًا للجمهورية.  

miani5.jpg - 2.95 Kb

العقيد أنطونيو مياني

 

وقام الجيش الإيطالي قبل انسحابه من مصراته تحت ضغط المجاهدين بنقل أعيان مصراته كسجناء، كما قام بتسفير عمر باشا المنتصر وأولاده إلى طرابلس التي كانت تحت الحكم الإيطالي. وقد بقي بعض أفراد عائلة المنتصر في مصراته وتعاونوا مع رمضان السويحلي، وحصل نزاع بينهم وأبناء عمر باشا المنتصر وصل الى درجة القطيعة والتآمر. وذهب بعضهم مع رمضان الشتيوي في حملته ضد ورفلة وعبد النبي بلخير التي قتل فيها رمضان، بينما كان عبدالقادر المنتصر وعبدالعظيم المنتصر يحاربان مع عبد النبي بلخير ضد جيش رمضان الشتيوي. أدت وفاة رمضان الشتيوي إلى خلاف كبير بين زعماء طرابلس من المجاهدين وانقسام استغلته إيطاليا، التي كانت تشجع أحدهما على الآخر وتمدهم بالمال والسلاح وتخصص لهم المرتبات والمساعدات.

كان جدي أحمد السني المنتصر، كما ذكرت أعلاه، يكره إيطاليا ويتمنى أن يخسر المحور الحرب وانتهاء حكم إيطاليا ومجئ بريطانيا، التي كانت في رأيه تحب وتعرف العرب وستعمل على تحرير ليبيا وتحقيق استقلالها، وهو الأمل الذي كان يراود الليبيين في ذلك الوقت. كانت إيطاليا تسعى لضم ليبيا وجعلها جزءًا من إيطاليا، وقد هجّرت إليها فعلاً قبل بداية الحرب العالمية الثانية عشرات الآلاف من الإيطاليين، وأجبرت بعض الليبيين من الموظفين والتجار على التجنس بالجنسية الإيطالية. وأذكر أن جدي كان فرحًا يوم قتل المرشال بالبو نتيجة سقوط طائرته قرب طبرق، وكان والدي قد سمع الخبر على الراديو وطلب مني أن أجري وأخبر جدي، وكان بيته قريبًا منا.

وأذكر أن جدي كان فرحًا أيضًا يوم احتلال البريطانيين لمصراته، ونظرًا لفقدان بصره، الذي كان يعزيه إلى ما قاساه في سجن إيطاليا والنوم على الأرض والبلاط البارد مدة طويلة، فقد كان يصر على والدي أن يذهب إلى المتصرف البريطاني ويهنئه باسمه، ويقدم نفسه له بهدف إعداده للمشاركة في النشاط السياسي، الذي كان متوقعًا بعد انتهاء الحرب. إلا أن والدي كان يختلف عن جدي وكان مخلصًا لمهنة التدريس التي اختارها لنفسه، وليست لديه أحلام سياسية رغم المغريات والفرص المتاحة لأمثاله من المتعلمين، خاصة من العائلات المعروفة ذوات النفوذ بين المواطنين، وقد بقى طوال حياته بعيدًا عن السياسة مدرسًا ثم إداريًا في التعليم حتى بعد الاستقلال، الذي أتاح الفرصة للمتعلمين من أمثاله لاستلام مناصب هامة، وواصل مهامه في التعليم حتى تقاعده سنة 1970م من منصبه كوكيل لكلية العلوم بالجامعة الليبية. وقد توفي جدي أحمد السني بعد الاحتلال البريطاني بفترة وجيزة وانتقلنا بعد ذلك إلى بيت العائلة الكبير للعيش مع عماتنا.

بعد انتهاء الحرب عدت وأخي علي إلى المدرسة الابتدائية بمصراته، وقد أصبحت الدراسة فيها باللغة العربية، بعد أن كانت بالإيطالية في العهد الإيطالي مع تدريس العربية كلغة ثانية والدين فقط. كان مستوى الدراسة في مدرسة مصراته الابتدائية بعد الحرب فوق المستوى الابتدائي العادي، بعدما أمضى الطلاب عدة سنوات في التعليم خارج المدرسة. كما كان أساتذتنا من الليبيين المثقفين يعلموننا ما يعرفون من العلوم الدينية واللغوية، فقد كنا ندرس النحو والصرف والأدب والشعر والمنطق والحساب والجبر والهندسة والطبيعة.

ولازلت أذكر بعض أساتذتنا الذين درسونا ومنهم الأستاذ محمد مسعود فشيكة ووالدي إبراهيم السني المنتصر والأستاذ عبدالله الترجمان والأستاذ محمد الطبولي. وبدأنا بعد الحرب في الصف الثالث، وكان عددنا محدودًا. وكان بعض فقهاء الجوامع يعارضون وينصحون الناس بعدم إرسال أولادهم إلى المدرسة ويقولون إنها حرام ضد الدين، كما كان الحال في العهد الإيطالي عندما تبنى فقهاء الجوامع ورجال الدين حملة ضد التجنس بالجنسية الإيطالية والتعليم الإيطالي خوفًا من القضاء على الهوية العربية والإسلامية لليبيين.

كانت ليبيا بعد الحرب تختلف عن عهد إيطاليا حيث تمتع الناس بالحرية وإظهار شعورهم الوطني، وبدأوا في تأسيس النوادي الرياضية والأدبية وجمع التبرعات لفلسطين، كما بدأ التطوع للجهاد في فلسطين. وأذكر يوم ذهاب متطوعي مصراته للجهاد في فلسطين سنة 1948م حال إعلان دولة إسرائيل، وقد كان احتفالاً عظيمًا لم تشهد المدينة له مثيلاً. وكانت الحياة الاقتصادية صعبة ومرت سنوات جفاف في غرب ليبيا، وقل المعروض من الحبوب، كما كانت المواصلات صعبة بين غرب ليبيا وشرقها حيث تتوفر المحاصيل الزراعية.

تطور الأمور في فلسطين شجع اليهود الفقراء على الهجرة إلى فلسطين. وكانت الإدارة البريطانية قد سمحت لرسل الصهيونية دخول ليبيا لإعداد اليهود للهجرة، وأتوا بالأطباء الإخصائيين لمعالجة فقراء اليهود وخاصة مرض التراخوما، قبل شحنهم إلى إسرائيل. وقد تعكر الجو بين اليهود والعرب بشكل ملحوظ أدى إلى أحداث دموية أحيانًا، إلا أن وضع اليهود قد تحسن في عهد الإدارة البريطانية، وأصبح منهم موظفون وضباط ورجال البوليس، كما قوي مركزهم التجاري، واستولوا على السوق وحلوا محل الإيطاليين في تمثيل الشركات الأجنبية، وشراء الأراضي من الإيطاليين الذين بدأوا في الهجرة إلى إيطاليا بعد الاحتلال البريطاني تحسبًا للمستقبل. كانت الهجرة الإيطالية جماعية وكلية في برقة، أما في طرابلس فقد بقي بضعة آلاف منهم انتظارًا لتقرير مصير ليبيا بعد الحرب، وبقوا بعد الاستقلال حتى الفاتح من سبتمبر 1969م.

كان أخي علي يسبقني في الدراسة بسنة وعندما تخرج من الابتدائية لم تكن هناك فرصة لدخوله مدرسة ثانوية لعدم وجود تعليم ثانوي في كل إقليم طرابلس، ولم تكن الحالة المالية لوالدي تسمح بإرساله إلى مصر أو أي بلاد أخرى خارج ليبيا لمواصلة تعليمه، ولهذا تفرغ لحفظ القرآن ودراسة العلوم اللغوية والدينية، وأعد نفسه للامتحان لنيل شهادة التدريس. وفعلاً نجح في امتحان المعلمين، وتم تعيينه كمدرس ابتدائي في زاوية المحجوب، وكان يقطع المسافة بين البيت ومدرسة زاوية المحجوب (12 كم) بالدراجة، وانتقل بعدها إلى مدرسة مصراته الابتدائية.
 
الدراسـة الثانويـة

بعد إتمامي للدراسة الابتدائية في صيف 1946م، علمنا بافتتاح أول مدرسة ثانوية في طرابلس، فقرر بعض زملائي الميسورين الالتحاق بها وهم أحمد امحمد بن لامين وعبدالله إسماعيل بن لامين ومحمد سالم القاضي ومحمد العريفي. كان الأولان من أبناء كبار تجار مصراته، والثالث ابنًا لعميد بلدية مصراته، والرابع ابنًا لأكبر موظف إداري في مصراته. قررت المحاولة مع والدي للموافقة على سفري معهم لمواصلة دراستي. ولم يكن الأمر سهلاً، فمصاريف الدراسة في طرابلس كانت باهظة بالنسبة لوالدي الذي كان مدرسًا. كانت الإقامة في القسم الداخلي تكلف 1500 مال (عملة أصدرتها الإدارة البريطانية لتحل محل العملة الإيطالية) شهريًا، ومصاريف المدرسة 1000 مال على قسطين، وهذه مبالغ كبيرة، ولكن تحت إصراري ودعم والدتي، وافق والدي على السماح لي بالسفر مع زملائي للالتحاق بمدرسة طرابلس الثانوية في أول سنة دراسية لها.

school friends.jpg - 101.36 Kb

زملاء الدراسة من مصراته: عن يميني محمد سالم لطفي القاضي وعن شمالي أحمد امحمد بن لامين وأمامنا جالساً عبدالله إسماعيل بن لامين

لم يكن هذا قرارًا سهلاً بالنسبة لوالدي، وكان محرجًا مع أخي علي الذي لم يتمكن من مواصلة دراسته، إلا أن إتمام دراستي الابتدائية صادف افتتاح المدرسة الثانوية في طرابلس، ولم اضطر كما اضطر أخي علي دخول التدريس مبكرًا، لعدم توفر تعليم ثانوي عقب تخرجه من الابتدائية. ولم يكن هذا القرار سهلاً بالنسبة لوالدتي أيضًا، فلم تتعود البعد عن أبنائها، وكان معروفًا أني لن أستطيع زيارة العائلة إلا في مناسبات الأعياد، لأنه رغم أن طرابلس لا تبعد عن مصراته إلا 200 كم، إلا أن المواصلات في تلك الأيام كانت صعبة وتكلف كثيرًا.

وقد خفف من حدة فراقي لوالدتي أن أختها كانت تعيش في طرابلس، وكانت زوجة لإبراهيم سالم عمر باشا المنتصر الذي كان يعيش مع والده عميد عائلة المنتصر ومن كبار الساسة في ولاية إقليم طرابلس، وتولى رئاسة الجبهة الوطنية المتحدة بعد تأسيس الأحزاب السياسية، ثم ترأس حزب الاستقلال. وكان مفروضًا علي أن أزور خالتي أثناء إقامتي في طرابلس وأن تشملني بعنايتها، خاصة أنها لم تنجب أطفالاً، وكانت مشرفة على بيت عمها سالم المنتصر.

وهكذا سافرت إلى طرابلس، وأقمت في القسم الداخلي وبدأنا الدراسة. وافتتحت المدرسة الثانوية رسميًا في احتفال حضره الأعيان وكبار ضباط الإدارة البريطانية. كانت مدة الدراسة خمس سنوات وكان يتولى مهمة مدير المدرسة الأستاذ عبدالحكيم جميل، وهو سوداني، بالإضافة إلى مهامه الأصلية كمدير لإدارة المعارف العربية في ولاية طرابلس. كان أغلب المدرسين ليبيين، وأذكر منهم الأساتذة محمد مسعود فشيكة ومحمود فرحات وفؤاد الكعبازي والمهدي الحجاجي والهادي عرفة ومحمد الأمين الحافي ومظفر فوزي الأمير وعلى جمعة المزوغي ومحمود المسلاتي وعمر الباروني ومدرس الخط أبوبكر ساسي المغربي.

وكان يدرسنا اللغة العربية والأدب الأستاذ نصر الدين الأسد وكان من الأردن، وقد اشتهر بعد ذلك في مجال تدريس اللغة العربية والأدب العربي في جامعات مصر وليبيا، وأصبح مديرًا للجامعة الأردنية ووزيرًا للتعليم العالي في الحكومة الأردنية، وكان له الفضل في تمكننا من تعلم اللغة العربية، إذ كان معروفًا ومشهورًا في مجال تخصصه. هذا وكان بعض موظفي الإدارة البريطانية من العرب يأتون مساءًا لتعليمنا اللغة الإنجليزية، وأذكر منهم الأساتذة موسى إبشوتي ومنير الطيبي، وقد اشتهرا أخيرًا في الإذاعة البريطانية، والأستاذ شكال وكان يعلمنا اللغة الفرنسية. وفي السنة الثانية قام بالتدريس إلى جانب هؤلاء أعضاء بعثة التدريس المصرية وتولى رئيسها مهام مدير المدرسة وكان اسمه مصطفى فهمي.

sec sch teachers1.jpg - 25.19 Kb

الأساتذة الليبيين في أول مدرسة ثانوية تفتتح في ليبيا بطرابلس سنة 1946 وهم  السادة (من الشمال) مظفر الأمير ومحمود فرحات ومحمد مسعود فشيكة وفؤاد الكعبازي ووقف خلفهم قدماء المباشرين في المدرسة

حـياة القسم الداخلـي 

كانت حياة القسم الداخلي شيئًا جديدًا بالنسبة لنا، فلم نتعود الحياة بعيدًا عن أهالينا في الماضي. وكان طلاب القسم الداخلي من مدن الدواخل في إقليم طرابلس، وأذكر منهم الإخوة عبدالله سويسي وعون رحومة اشقيفة ومبروك العجيل ويحيي عمرو سعيد ومسعود المقدمي ومسعود قنان وعمران العزابي ونوري بازيليا وخيري الصغير ومحمد قويدر وسالم عطية، بالإضافة إلى طلاب مصراته السابق ذكرهم. وكان المسئول على القسم الداخلي الأستاذ محمود فرحات يساعده السيد خيري فرحات وبإشراف مدير المدرسة.

sec sch group.jpg - 45.73 Kb

1949- الفوج الأول من طلاب مدرسة طرابلس الثانوية: الجالسون في الصف الأول من اليمين : الأخوة سالم عطية، عبدالحفيظ سليمان، مبروك العجيل، إبراهيم الميت وعبدالله إسماعيل بن لامين وجلس أمامهم من اليمين: مصطفى القريتلي وشعبان عريبي. الواقفون من اليمين: الأستاذ محمد مسعود افشيكة، الإخوة محمد الكريو، بشير السني المنتصر،علي الميلودي وخلفهما أحمد الباروني، الأستاذ مصطفى فهمي مدير المدرسة (مصري) وراءه إبراهيم علي الفقيه حسن، ثم أحمد امحمد بن لامين، محمد سالم لطفي القاضي، وراءه: راشد السراج، ثم خيري الصغير، محمد إسماعيل سيالة، عز الدين المبروك، البدراوي أستاذ (مصري) وخلفهما محمد بن محمود ثم بهجت القرامانلي سكرتير المدرسة. وورائهم جزء من حائط المدرسة المهدم من قنابل الحرب والمبنى سبق وأن كان للمدرسة الإسلامية العليا في العهد الإيطالي وأصبح ثكنة عسكرية بريطانية أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية وخصص جزء من المبنى لمدرسة طرابلس الثانوية بعد الحرب وكانت أول مدرسة ثانوية افتتحت في طرابلس.

 

تكرمت خالتي زوجة إبراهيم سالم المنتصر بدعوتي لتمضية نهاية الأسبوع معهم، والاهتمام بتنظيف ملابسي. وكنت أنام في بيت سالم المنتصر يوم الخميس وأرجع الى القسم الداخلي مساء الجمعة. وكنت أتناول الغذاء والعشاء رغم صغر سني على مائدة سالم المنتصر، وكانت دائمًا تضم كبار رجال البلد والضيوف العرب، وكان بعضهم يلازمونه باستمرار ويتناولون الطعام على مائدته يوميًا، وكان من ضيوفه الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة وغيره الذين لم تسعفني الذاكرة بتذكرهم. وقد استفدت من مشاركتهم المائدة والاستماع الى أحاديثهم، فقد كانوا يتناولون الشئون السياسة الليبية والعربية والعالمية.

وكانت ليبيا في فترة الأربعينات تمر بفترة هامة، وتنتظر البت في مستقبلها من طرف الدول الكبرى المنتصرة في الحرب، ثم من طرف الأمم المتحدة التي أحيلت إليها مسئولية البت في مستقبل المستعمرات الإيطالية. وكانت تصرفات الإدارة البريطانية والنشاط السياسي للأحزاب والشخصيات السياسية دائمًا في طليعة مواضيع التعليق. ولما كان طلاب المدرسة الثانوية في تلك الفترة يشاركون في النشاط السياسي على أوسع نطاق، فقد كان دوري على المائدة إعطاء فكرة عما يجري من مظاهرات وخطب، وخاصة بعد استقالة السيد سالم المنتصر من رئاسة الجبهة الوطنية المتحدة، وعزلته المؤقتة عن المشاركة في النشاط السياسي، وانفراد السيد بشير السعداوي بزعامة الحركة الوطنية والتفاف جماهير الشعب حوله.

السيد سالم عمر المنتصر

كان السيد سالم عمر المنتصر في طليعة زعماء ليبيا الذين شاركوا في النشاط السياسي والحزبي في الفترة التي سبقت الاستقلال وبعده. ولد في مصراته في أواخر القرن التاسع عشر وتعلم في المدارس التركية وعلى أيدي علماء مصراته في مجال اللغة العربية والدين. كان والده عمر باشا المنتصر قائمقامًا على سرت، وتولى هو بدوره قائمقامًا على مصراته حتى الاحتلال الإيطالي. انتقل هو ووالده عمر باشا المنتصر وإخوته أحمد وعبدالقادر إلى طرابلس بعد الاحتلال الإيطالي لأسباب سبق ذكرها. أنجب السيد سالم المنتصر ولدين إبراهيم ومحفوظ وبنتين، إحداهما تزوجت السيد مختار حسن المنتصر، والأخرى تزوجت السيد عبدالله بلقاسم المنتصر. بقي بعد الاحتلال الإيطالي في الوطن كغيره من زعماء البلاد في مدينة طرابلس، الذين تركز دورهم على مساعدة المواطنين الليبيين الذين تعرضوا للسجن والاضطهاد والعسف، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد أن سيطرت إيطاليا على مقاليد البلاد. وقد اكتسب احترام الحكومة الإيطالية كغيره من زعماء البلاد الآخرين الذين نزعوا للسلم في التعامل معها، وعين كمستشار للشئون العربية.

 salem muntasser2.jpg - 2.65 Kb

  السيد سالم عمر المنتصر

بعد زوال الحكم الإيطالي سارع سالم المنتصر إلى المشاركة في النشاط السياسي والحزبي على رأس زعماء البلاد في الداخل، وانضم إليهم بعد ذلك زعماء البلاد في الخارج، والذين رجع بعضهم من المهجر للانضمام إلى إخوانهم الليبيين في الداخل، للمشاركة في المطالبة بوحدة ليبيا واستقلالها والانضمام إلى جامعة الدول العربية التي كانت تضم بعض الدول العربية المستقلة. انت سياسة إيطاليا ترمي إلى ضم ليبيا إلى إيطاليا، وإعطاء الليبيين حق الجنسية الإيطالية مع احتفاظهم بالدين الإسلامي. هذه السياسة لاقت معارضة واستنكار زعماء وعلماء البلاد في الداخل، الذين قادوا الحركة الوطنية الشعبية لرفض هذه السياسة الاستعمارية. وبعد هزيمة إيطاليا في الحرب واحتلال برقة وطرابلس من طرف بريطانيا وفزان من طرف فرنسا، سمحت إدارة الاحتلال البريطانية للمواطنين الليبيين بحرية التعبير والنشاط السياسي، وإصدار الصحف، وإنشاء النوادي الرياضية والأدبية، وأخيرًا إنشاء الأحزاب السياسية التي أجمعت على المناداة باستقلال البلاد ووحدتها والانضمام إلى الجامعة العربية.

ورغبة في توحيد كلمة الشعب والأحزاب السياسية التي تألفت في تللك الفترة، تكونت في مايو 1946م الجبهة الوطنية المتحدة، التي ضمت كبار زعماء الأحزاب والزعماء المستقلين، واختير السيد سالم المنتصر رئيسًا لها. وقد قامت الجبهة الوطنية المتحدة بزعامته برفع مطالب الشعب الليبي المتمثلة في الاستقلال ووحدة الأقاليم الليبية والانضمام إلى الجامعة العربية إلى الدول الأربع الكبرى التي بدأت النظر في مصير المستعمرات الإيطالية، وإلى دول الاحتلال، بريطانيا وفرنسا، وطالبت البدء حالاً في تلييب الإدارة وإعداد البلاد للاستقلال. ولتحقيق وحدة الأقاليم الليبية، التي أخضعت لإدارات منفصلة بعد الاحتلال (رغبة في تقسيم ليبيا بين الدول الاستعمارية المنتصرة في الحرب)، قامت الجبهة الوطنية المتحدة بطرابلس بتأليف وفد كبير برئاسة الشيخ محمد أبوالأسعاد العالم، ومن الأعضاء السادة إبراهيم بن شعبان، عبدالمجيد كعبار، عبدالرحمن القلهود، سالم المريض، عون أحمد سوف، محمد الميت ومختار حسن المنتصر.

سافر وفد الجبهة الوطنية المتحدة إلى بنغازي في يناير 1947م، للاجتماع بأعضاء الجبهة الوطنية البرقاوية، لإقرار وحدة ليبيا واستقلالها، والاتفاق على نظام الحكم بما في ذلك إمارة السيد محمد إدريس السنوسي، التي يعتبرها البرقاويون شرطًا أساسيًا للوحدة الليبية، والحيلولة دون تقسيم ليبيا إلى ولايات أو دول قزمية، خاصة وأن الإدارة البريطانية بدأت تعد برقة للحكم الذاتي تحت إمارة السيد إدريس السنوسي. لم تنجح المباحثات بين زعماء برقة وطرابلس، وقد أدى فشل هذه المباحثات إلى انقسام بين زعماء طرابلس على سياسة واحدة.

في يناير 1948 عاد السيد بشير السعداوي إلى ليبيا على رأس هيئة تحرير ليبيا، واستُقبل استقبالاً شعبيًا ورسميًا. وكانت هيئة تحرير ليبيا تنادي بالاستقلال والوحدة والانضمام إلى الجامعة العربية حسب السياسة التي رسمتها لها الجامعة العربية وأمينها العام آنذاك السيد عبدالرحمن عزام باشا، الذي كان يعارض إمارة السيد إدريس السنوسي لأسباب تاريخية وشخصية.

sadawi[1].jpg - 28.91 Kb

 السيد بشير السعداوي

sadawi[1].jpg - 28.91 Kbوبعد أن وطد السيد بشير السعداوي زعامته في إقليم طرابلس، قام بتأليف المؤتمر الوطني العام (الطرابلسي) في أوائل يوليو 1949م برئاسته، وانضمام عدد كبير من زعماء البلاد إليه بما فيهم عدد كبير من أعضاء الجبهة الوطنية المتحدة. استقال على إثر ذلك السيد سالم المنتصر من رئاسة الجبهة الوطنية المتحدة ولزم العزلة وامتنع عن أي نشاط سياسي رسمي، وأسندت رئاسة الجبهة الوطنية المتحدة إلى الشيخ محمد أبوالأسعاد العالم الذي تولى بدورة منصب نائب رئيس المؤتمر الوطني.

بعد سقوط مشروع بيفن ـ سفورزا في الأمم المتحدة وبداية الإعداد للاستقلال، وسيطرة السيد بشير السعداوي على الرأي العام في طرابلس، شعر السيد سالم المنتصر مع غيره من زعماء إقليم طرابلس التقليديين، وأفراد العائلات ذات النفوذ في دواخل القطر الطرابلسي، بضرورة المشاركة في النشاط السياسي للبلاد، وعدم تركه لزعماء المهجر الذين رجعوا للبلاد بعد الاحتلال البريطاني، وعلى رأسهم الزعيم بشير السعداوي. ولهذا سارعوا بتأليف حزب الاستقلال الذي ضم زعماء الأقاليم التقليديين في ولاية طرابلس، وأذكر منهم السادة علي بن شعبان من زوارة والشيخ أحمد قرزة من مزدة وعبدالمجيد وأحمد راسم كعبار من غريان وعلي تامر من ورفلة وأبوبكر نعامة من ترهونة وبعض أفراد عائلة المنتصر من مصراته وسرت وعبدالله الشريف ونور الدين المسعودي سكرتير حزب الاستقلال من طرابلس وغيرهم كثيرين.

ahmed kabar2.jpg - 3.36 Kb

السيد أحمد راسم كعبار

 

وقد وجدت إيطاليا في حزب الاستقلال فرصة لدعمه ومساندته لخلق مشاكل لبريطانيا، والحيلولة دون انفرادها بالنفوذ على ليبيا المستقلة بعد أن خدعتها بتأييد مشروع بيفن ـ سفورزا في الأمم المتحدة، وعملها في ليبيا على تشجيع الليبيين في كل أنحاء ليبيا لمعارضته، والمطالبة بالاستقلال تحت إمارة حليفها الأمير إدريس السنوسي. كما أن الجامعة العربية وسكرتيرها العام عزام باشا، وبعض الدول العربية، وجدت في اندفاع السيد بشير السعداوي في قبول إمارة السيد محمد إدريس السنوسي غير المشروطة، والسير مع السياسة البريطانية في رسم مستقبل ليبيا، فرصة لتأييد حزب الاستقلال ضد السيد بشير السعداوي، مما حدا بهذا الأخير إلى عقد مؤتمر تاجوراء الشهير لمهاجمة السيد عزام باشا وإدانة تدخله في الشئون الليبية.  

وبعد انشقاق زعماء المؤتمر الوطني وتخلي عدد كبير منهم عن السيد بشير السعداوي بزعامة نائب رئيس المؤتمر الشيخ محمد أبوالأسعاد العالم، وتحالفهم مع زعماء حزب الاستقلال، تمت مشاركتهم في إقرار تأليف الجمعية الوطنية التأسيسية بالتعيين، وقبول النظام الفيدرالي، وإعلان الملك إدريس ملكًا على البلاد، وتأليف الحكومة المؤقتة والحكومة الفيدرالية برئاسة السيد محمود المنتصر، الذي لعب دورًا محايدًا في هذه الخلافات السياسية بين زعماء الأحزاب الطرابلسية. أما السيد سالم المنتصر رئيس حزب الاستقلال، ورغم قبوله بالأوضاع التي قامت بعد الاستقلال، إلا أنه لم يكن راضيًا عن سياسة ابن أخيه السيد محمود المنتصر لأسباب تعرضت لها في غير هذا المكان، وقد توقف عن نشاطه الحزبي واكتفى بعضوية مجلس الشيوخ حتى توفي سنة 1965م.

         شخصية السيد سالم المنتصر موضع خلاف لدى كثيرين من السياسيين والمؤرخين والمواطنين. فرغم أن البعض يرى فيه السياسي المحنك الأقدر على فهم الأوضاع الداخلية والمناورات الخارجية، يتهمه البعض الآخر بالرجعية ومحاباته لإيطاليا. ولا يمكن لأي إنسان أن يعرف السيد سالم المنتصر على حقيقته، إلا إذا كان قد عرفه عن قرب، واجتمع به وشارك في ندواته المستمرة مع زعماء البلاد من أجيال مختلفة. عرفت السيد سالم المنتصر عندما كنت طالبًا في المدرسة الثانوية في طرابلس، وكنت أحظى بالحديث معه، والجلوس على مائدة طعامه، التي كانت تضم دائمًا كبار الزعماء الليبيين والزوار من الزعماء والساسة العرب.

          كان السيد سالم المنتصر ملمًا بشئون المنطقة العربية وتطوراتها منذ العهد العثماني، وكان على ثقافة عربية عالية، ويقرأ كل ما يصل ليبيا من صحف وكتب ومجلات عربية في تلك الفترة. وكان دائما يعطيني بعض الجرائد والمجلات المصرية كلما زرته في نهاية الأسبوع، وكان سعيدًا بأني أعرف العربية ولست كغيري من الشباب الذين لا يتقنون إلا اللغة الإيطالية. وعندما كنت طالبًا في القاهرة في الجامعة كنت أزوره كلما عدت إلى طرابلس في العطلة الصيفية، وكان يستقبلني في نهاية سلم بيته ويودعني حتى باب منزله على رغم صغر سني، مما يدل على تواضعه وأخلاقه العالية. وكنت أقضي معه وقتًا شيقًا في مناقشة ما يجري في مصر ورأيه في عبدالناصر والزعماء العرب الآخرين.                

 
        كان السيد سالم المنتصر من الرعيل الأول للساسة العرب الذين شبوا وتعلموا في العهد العثماني، والذين عايشوا نهاية الإمبراطورية العثمانية وتقاسم الدول العظمي لممالكها الواسعة. كان وطنيًا صادقًا، يحب ليبيا والشعب الليبي، كما كان قوي الحجة في كلامه ونقاشه ويستمع باهتمام إلى من يحاوره. كان من السياسيين الذين يؤمنون بعامل القوة في السياسة الدولية، وهو مبدأ مسلم به في علم السياسة، وعدم النزوع إلى العنف لتحقيق أهداف البلاد. واليوم رغم الاعتراف بالحريات وإعلان حقوق الإنسان، لا زال عامل القوة هو الأساس في حسم القرارات الدولية. كان يرى في سياسة الرئيس عبدالناصر ومهاجمة الدول الكبرى سياسة غير حكيمة، وهو يرى ويؤمن أن الدول العظمى لها المقدرة في انتظار أول فرصة للإنتقام من أعدائها، ويعتقد بأن الرئيس عبدالناصر سينتهي بضربة على أيدي الدول الكبرى أو بتحريض إسرائيل عليه طال الزمن أو قصر، وكان يقول هذا قبل حرب السويس وطبعًا قبل حرب 1967م.

كنت رغم تفهمي لما يقول، أختلف معه في الرأي، فقد كنت متحمسًا ناصريًا قلبًا وقالبًا. كان سالم المنتصر يعزي الخلاف بين زعماء ليبيا إلى المطامع الشخصية، ويرى في السيد بشير السعداوي سياسيًا مندفعًا في مطامعه الشخصية الرامية إلى السيطرة على البلاد، دون الأخذ في الأعتبار أراء غيره من زعماء البلاد. كما كان يستنكر أعمال الإدارة البريطانية، وتدخلها الصريح في النشاط الوطني، ودعمها لخصومه السياسيين في المؤتمر الوطني العام في الفترة الأولى للإعداد للاستقلال.

كان السيد سالم المنتصر يستمع إلى غيره من الزعماء الذين يشاركونه مائدة طعامه باستمرار، مثل السيد عون سوف والسيد العيساوي بوخنجر والسيد الدكتور خيري بن قدارة، وهم من الذين عاشوا في مصر وسوريا وعلى إلمام بالسياسات العربية ومناورات الزعماء العرب، وكذلك ابنه الأكبر إبراهيم الملم بالشئون الدولية والمتابع لما تنشره الصحافة الإيطالية والعالمية. كان السيد سالم المنتصر يتميز بالجدية والمرجعية، وكان استعراض الأحداث في ليبيا على رأس المواضيع التي يتعرض لها في حديثه مع جلسائه، كما أن نقاشه مع الزعماء العرب الذين يزورون ليبيا يتميز بالموضوعية والإلمام بالمشاكل العربية. لم يكن راضيًا عن مجرى الأحداث في ليبيا وعن تسليم مقاليد البلاد لأشخاص غير جديرين بها حسب رأيه. وهو يعرف أن الملك إدريس لا يثق فيه كثيرًا، ولا يدعوه للاستشارة، ويظهر أن مواقفه السابقة عندما كان رئيسًا للجبهة الوطنية المتحدة بشأن عدم إقرار مبدأ الإمارة مقدمًا وضرورة إخضاعها لقيود دستورية هى مصدر هذا الجفاء بين الرجلين الملك إدريس وسالم المنتصر. ومنذ تركه للنشاط السياسي والحزبي في سنة 1952م بعد إعلان الاستقلال لم يشارك بنشاط يذكر في تسيير الأمور في البلاد.

مدرسة طرابلس الثانوية

كانت المدرسة الثانوية بطرابلس في مبنى المدرسة الإسلامية العليا بمنطقة الظهرة، التي أسسها الإيطاليون سنة 1936م، وانتهى نشاطها بعد زوال الحكم الإيطالي. وقد استخدم المبنى أيام الحرب كثكنة عسكرية للقوات البريطانية، وقد خصص قسم منه للمدرسة الثانوية، وبقي معظم المبنى محتلاً من طرف الجنود البريطانيين. وكان الطلبة الليبيين الصغار في القسم الداخلي يشاركون الجنود البريطانيين نفس المبنى. كما كان طلاب القسم الداخلي يساهمون في عملية رفع الأنقاض من بعض أجزاء مبنى المدرسة المهدم نتيجة لتعرضه للقنابل أثناء الحرب.

كانت الدراسة في المدرسة الثانوية حقل تجارب للمناهج الدراسية، فقد استورد البريطانيون المناهج الدراسية من فلسطين ومصر والسودان، التي كانت تحت السيطرة البريطانية، وكذلك كان المدرسون متعددي الجنسيات. وقد كان هذا التعدد في المناهج وفي المدرسين مصدر ضعف وقوة في آن واحد، فكان مستوى التعليم ممتازًا يفوق غيره في البلاد التي استوردت منها هذه المناهج. كانت رغبتنا كطلاب ليبيين في تعلم المزيد كبيرة، وكنا نشعر بحاجة بلادنا إلى متعلمين، فلم يزد عدد المتعلمين الجامعيين في ليبيا في تلك الفترة عن بضعة أفراد، وكانت رغبتنا في مواصلة تعليمنا الجامعي قوية.

وأذكر أنه في السنوات الأخيرة 1949-1951م، كانت الإدارة البريطانية مشغولة بتعيين وتدريب الموظفين الليبيين لتلييب الوظائف الإدارية والفنية الرئيسية، استعدادًا لاستقلال البلاد المقرر له نهاية 1951م. واتجهت أنظار رئيس الإدارة العسكرية البريطانية آنذاك المستر تريفرز بلاكلي إلى طلاب مدرسة طرابلس الثانوية بصفتها أعلى معهد تعليمي في البلاد. وقد زارنا شخصيًا، وعرض علينا وحاول أن يقنعنا بدخول دورة تدريبية وقبول وظائف إدارية عالية، ولكن معظمنا رفض عرضه وأصر كل منا على مواصلة دراسته الجامعية.

وقد نظمت المدرسة لنا رحلة إلى تونس في سنة 1947م، رافقنا فيها بعض أساتذة المدرسة الليبيين. وقد زرنا معظم المدن التونسية، ونزلنا في المعهد الميلوبي، وزرنا المدرسة الصادقية التي كانت قلعة التعليم العربي في تونس، وحضرنا محاضرات لمدير المعهد والأستاذ المسعودي والأستاذ علي البهلوان. وكان استقبال التونسيين لنا ع