| 

الرئيسية

 

 

الفصل الثالث: حكومة السيد محمود المنتصر  

 

السيد محمود المنتصر من الشخصيات الليبية التي لعبت دورًا هامًا في استقلال ليبيا، فقد تركزت عليه الأنظار لوقوفه على الحياد بين الأحزاب والشخصيات السياسية المتصارعة. فرغم أنه كان عضوًا مع السيد بشير السعداوي في هيئة تحرير ليبيا، إلا أنه لم ينضم إلى حزب المؤتمر الوطني الذي ترأسه السعداوي، كما أنه لم ينضم إلى حزب الاستقلال الذي كان يرأسه عمه السيد سالم عمر المنتصر. وقد وجد فيه الملك (الأمير) إدريس والإدارة العسكرية البريطانية والمستر أدريان بيلت المندوب السامي للأمم المتحدة الشخص المناسب الذي يمكنه الحصول على ثقة الأطراف المختلفة، والتي كان التوفيق بينها مستحيلاً.

وبالإضافة إلى مكانته ونفوذ عائلته في طرابلس، كان مقبولاً من ساسة برقة ومن عائلاتها السياسية التقليدية، وحتى من قبائل برقة التي تعرف أن عائلة المنتصر من الإخوان السنوسيين منذ أمد بعيد، عندما حل السيد محمد بن علي السنوسي الكبير ضيفًا على عائلة المنتصر في مصراته وهو في طريقة من الجزائر إلى برقة والأراضي المقدسة وبعد ذلك نشر دعوته وأقام الزوايا السنوسية في جميع أنحاء ليبيا. وكثيرًا ما أشاد مشايخ ومستشارو قبائل برقة بهذه العلاقة التاريخية بين السنوسية وعائلة المنتصر كلما اجتمعت بهم أثناء إقامتي في مدينة البيضاء. ويجمع هذه الفئات السياسية الملتفة حول السيد محمود المنتصر الخوف من البديل، السيد بشير السعداوي، نظرًا لشعبيته الواسعة في إقليم طرابلس والذي قد يتحول في رأيهم إلى حاكم مطلق في ليبيا إذا تولى الحكم.

muntasser1.jpg - 47.60 Kb

السيد محمود أحمد ضياء الدين المنتصر

 

ردود الفعل لتعيينه

 كانت ثقة الملك القوية بمحمود المنتصر موضع حذر في برقة، فإصراره على استقرار الحكومة في طرابلس يساعد على تقوية سلطات الحكومة المركزية الاتحادية وتهميش اختصاصات الولايات، كما حاول أثناء فترة حكومته الأولى، ومحاولاته لنقل الحكومة من البيضاء إلى طرابلس في فترة حكمه الثانية. وكان على علاقة غير ودية مع والي فزان السيد أحمد سيف النصر بحجة علاقه السيد محمود المنتصر السابقة مع إيطاليا. لكن السبب الحقيقي تاريخي يرجع إلى خلاف عائلي قديم بين السيد عمر باشا المنتصر قائمقام سرت في العهد العثماني وعائلة سيف النصر، لأن السيد عمر باشا المنتصر عارض محاولات آل سيف النصر ضم سرت إلى إقليم فزان كميناء بحري للإقليم وساند قبائل البدو ضدهم.

والسيد محمود المنتصر لم يكن موضع ثقة مصر لعلاقته الوطيدة ببريطانيا، إلا أنه كان يحظى بثقة الدول الملكية العربية المحافظة، ولم يكن موضع ثقة الأمريكيين أيضًا لكونه من الساسة التقلديين من أنصار البريطانيين. وهو ليس زعيمًا جماهيريًا، وخاصة في مدينة طرابلس، لهذا ترى فيه أمريكا خطرًا، لأنه لن يستطيع السيطرة على القوى المعارضة ويعرض البلاد لانقلاب شيوعي. وهو غير معروف من كثير من الشباب المثقف ويرون فيه شخصية تقليدية قديمة ومن أسرة محافظة لا تشارك جماهير الشعب مشاعرها ومشاكلها، وغير مقبول من رجال الأعمال، لأنه معروف بنزاهته المتناهية ولا يقبل مساومة أو واسطة لخدمة مصالحهم. وهو أيضا غير محبوب من ولي العهد الأمير الحسن الرضا، لأنه يعتقد أنه غير مخلص له وضد ولايته للعرش، وأنه يساند عائلة السيد أحمد الشريف السنوسي التي تعتقد أنها أحق بالعرش بعد وفاة الملك، وتدعي بأن الملك إدريس عندما استلم رئاسة العائلة والحركة السنوسية من السيد أحمد الشريف وعده بأن تكون خلافته لأبناء هذا الأخير، إلا أن الملك إدريس اعتبر أن ذلك العهد يختص برئاسة الحركة السنوسية وليس بولاية العهد لملك ليبيا.

بالإضافة إلى هذا كله، فإن السيد محمود المنتصر لا ينال رضا بعض أفراد عائلته الذين يعتقدون أنه تولى منصب رئاسة الوزارة بسبب انتمائه إلى العائلة، وخاصة عمه السيد سالم عمر المنتصر، الذي كان رئيسًا للجبهة الوطنية المتحدة، وكانت أكبر تجمع لزعماء طرابلس، ثم رئيسًا لحزب الاستقلال حتى حلت الأحزاب بعد أول انتخابات برلمانية سنة 1952م. وكان السيد سالم المنتصر يعتقد بأن ابن أخيه السيد محمود تولى رئاسة الحكومة بفضل دعم حزب الاستقلال له، وكان عليه اختيار معظم أعضاء وزارته وكبار المسئولين من أعضاء حزب الاستقلال وأنصار عائلة المنتصر بدلاً من تعيين معظم وزرائه وكبار موظفيه من أعضاء حزب المؤتمر المنشقين عن السيد بشير السعداوي.

وأهم من ذلك كله كانت علاقة السيد محمود المنتصر مع الحاشية الملكية وبالأخص إبراهيم الشلحي في وزارته الأولى (1951-1954م) على أسوأ حال، وقد عمل هذا الأخير على التدخل في شئون الحكومة الاتحادية وخلق مشاكل لها عن طريق الإيعاز إلى الملك بتعيين شخصيات معارضة في الولايات. وفعلاً عين الملك في طرابلس بإيعاز من إبراهيم الشلحي، السيد إبراهيم سالم المنتصر وكيلاً للديوان الملكي في طرابلس والسيد الصديق المنتصر واليًا على طرابلس دون موافقة رئيس الوزراء.

ورغم أن السيد الصديق المنتصر ليس ضد السيد محمود المنتصر، إلا أنه كان يعتقد أنه جدير بالولاية، وأصبح يتصرف كأنه رئيس دولة مستقلة في إقليم طرابلس وزعيم شعبي، مما أدى إلى صراعه مع الحكومة الاتحادية في سلسلة من الخلافات الدستورية وصلت إلى تحدي أحكام المحكمة العليا، وقد أدت في النهاية إلى استقالة السيد محمود المنتصر من رئاسة الحكومة. كما أن أنصار عائلة المنتصر في مصراته وأنصار حزب الاستقلال في جميع أنحاء إقليم طرابلس شعروا بخيبة أمل عندما شغلت وظائف الدولة بعد الاستقلال بخصومهم السياسيين من أعضاء المؤتمر الوطني المنشقين عن السعداوي، وكان بعضهم يتولى مناصب هامة في الإدارة البريطانية وأصحاب المصالح التجارية والذين قاسوا على أياديهم الأمرين، الاضطهاد والمضايقة، لمجرد انضمامهم لحزب الاستقلال أو مناصرة عائلة المنتصر ومعارضة المؤتمر الوطني.

mahmud muntasser 1952.jpg - 25.66 Kb

فبراير 1952: السيد محمود المنتصر يلقي خطاب العرش في افتتاح أول دورة برلمانية وبجانبه عمر باشا الكيخيا رئيس مجلس الشيوخ وخلفه من اليمين السادة منصور بن قدارة وزير المالية وعلى الجربي وزير الأشغال وفتحى الكيخيا وزير العدل، والوقوف من اليمين السادة فتحى العابدية سكرتير الملك وعبدالعزيز جبريل

 

السيد محمود المنتصر ينتمي إلى عائلة كان لها نفوذ كبير في مناطق مصراته وسرت منذ العهد العثماني. وهو حفيد عمر باشا المنتصر الذي كان قائمقامًا على سرت في العهد العثماني وله نفوذ كبير في مناطق مصراته من الخمس غربًا وحتى سرت شرقًا بما فيها القبائل البدوية المعروفة، وكانت اتصالاته تتم مع السلطان العثماني في الأستانة أو الوالي التركي في طرابلس. وكان والد السيد محمود المنتصر السيد أحمد ضياء الدين المنتصر يتولى عدة مناصب هامة وله نفوذ في العهدين التركي والإيطالي بالإضافة إلى كونه شاعرًا وأديبًا ومؤرخًا.

omar pasha3.jpg - 3.65 Kb                    ahmed diyaeldeen.jpg - 3.55 Kb

                                         السيد عمر باشا المنتصر              السيد أحمد ضياء الدين المنتصر

 

          السيد محمود المنتصر من مواليد العجيلات سنة 1903 عندما كان والده السيد أحمد ضياء الدين المنتصر قائمقامًا في العجيلات. عاش حياة محافظة وقد درس الجامعة في إيطاليا. كانت نزاهته تمثل دور المحافظين في خدمة المجتمع والطبقة الفقيرة والطبقة المتوسطة والوقوف ضد طبقة كبار التجار التي تحاول بمالها منافسة الطبقة المحافظة بهدف تولي مناصب السلطة التي كانت تحتكرها الطبقة المحافظة. كان السيد محمود المنتصر يساند أبناء العائلات المعروفة، ورغم أنه لم يستعن بأبناء عائلته في الحكومة، إلا أنه كان يستعين ببعض العائلات القديمة مثل عائلات السنوسي والقرامانلي وكعبار والخوجة والمريض ولنقي والكيخيا وميزران، ورغم أنه يرتبط بهذه العائلات برباط المصاهرة، وهو لا يرى في ذلك محسوبية، لأنهم في رأيه مؤهلون لمثل هذه الوظائف والمناصب العامة نظرًا لمراكزهم الاجتماعية والسياسية بين المواطنين، إلا أن هذا الأمر عرضه للانتقاد من خصومه السياسيين.

وهذا الوضع ليس غريباً في عالم السياسة، فالعائلات المحافظة القديمة كانت ترتبط بالمصاهرة حتى في المجتمعات الديمقراطية الغربية. وأذكر أنه لما ألف المستر هارولد ماكميلان وزارته لحزب المحافظين بعد استقالة المستر أنطوني إيدن في يناير 1957 أدخل 35 عضواً من عائلته في حكومته، سبعة منهم أعضاء في مجلس الوزراء. وقد وصف اللورد أندرو كافنديش ( دوق ديفونشاير ) إجراء عمه ماكملان هذا بأنه أكبر محسوبية عرفت في التاريخ. ولما سألت أنا بعض الإنجليز عن سبب ذلك قيل لي إن ذلك ليس غريباً أو مقصوداً، فحزب المحافظين البريطاني يتألف من عائلات محافظة، وهذه العائلات ترتبط بالمصاهرة لأنهم يعيشون في مجتمع واحد ويرتادون نفس النوادي الخاصة. وليس غريبًا أن معظم زعماء ورؤساء حكومات بريطانيا من حزب المحافظين، ومنهم ونستون تشرشل وأنطوني إيدن وهارولد ماكميلان وأليك دوجلاس هيوم،  يرتبطون بعلاقات المصاهرة والانتماء إلى نفس العائلات الأرستقراطية. وكان زعيم المحافظين عندما يستقيل أو يتقاعد يعين خلفه لزعامة الحزب من عائلته أو طبقته الأرستقراطية دون الرجوع إلى أعضاء الحزب. وكان أول زعيم لحزب المحافظين انتخب من طرف أعضاء الحزب هو المستر إدوارد هيث واتبع هذا الأسلوب مع باقي رؤساء الوزارات من حزب المحافظين منذ ذلك الوقت.

سياسة السيد محمود المنتصر

كان السيد محمود المنتصر يعتمد في الحكم على تقديره الشخصي للأمور والتشاور مع زملائه وثقة الملك إدريس فيه، ويحترمه كل السياسيين بما فيهم خصومه. ولم يحاول أن يستغل مركزه في السلطة لبناء شعبية كما يفعل الساسة المحترفين. فلم يقم بزيارات داخلية حتى لمدينته مصراته، أو لقاء جماهير الشعب والاختلاط بهم والسؤال عن أحوالهم والاستماع إلى شكواهم ومطالبهم كما يفعل الساسة. كما أنه يكره المديح والتطبيل له في وسائل الإعلام، ولم يفتح مكتبه أمام زوار الدعم والتأييد كما يفعل من يسعى إلى النفوذ والحظوة الشعبية. وأذكر أن نواب منطقة مصراته الثلاثة قابلوه بعد توليه الحكومة لتهنئته ولما خرجوا سألني عن أسمائهم، فلم يكن يعرف أحدًا منهم بمن فيهم السيد عبداللطيف المنتصر عضو مجلس النواب وهو من عائلته.

كما أنه لم يفتح مكتبه أمام الصحفيين أو يصدر بيانات صحفية دورية عن سياسته ومناقشتها معهم، ولم يخاطب الجماهير الشعبية مباشرة أو عن طريق وسائل الإعلام. كما يكره المناقشة في البرلمان ويتجنبها، ويكتفى بإصدار بيانات مفصلة عما تقوم به حكومته في خطب العرش وفي الردود على الأسئلة التي تثار في جلسات مجلس الأمة، وكان بذلك يخالف أسلوب السياسيين المحترفين الذين يقولون ما لا يفعلون لكسب ثقة المجالس النيابية والشعب. لهذا فهو لم يكن معروفًا لدى جماهير الشعب وصفاته الفريدة لا يقدرها إلا من كان يعرفه عن قرب، كنزاهته إلى حد المبالغة، وحكمته النادرة، وحنكته السياسية الثاقبة، وخبرته الطويلة في الشئون العامة، وإخلاصه الأصيل للوطن، وحبه للناس، وصراحته الصادقة.

كانت نزاهة السيد محمود المنتصر النادرة مضرب الأمثال، فلم تبهره السلطة وحافظ على حياته العادية. فلم يشيد قصرًا لسكناه، كما عمل غيره من رؤساء الحكومات، وبقى في بيته القديم الذي يعيش فيه ولم يغير أثاثه القديم، وهو نفس البيت الذي نزل به الملك محمد إدريس السنوسي (الأمير آنذاك) ضيفًا في أول زيارة له إلى طرابلس في يوليو 1949 وهو في طريقه إلى لندن لإجراء مباحثات مع الحكومة البريطانية حول استقلال برقة، والتي وعد فيها جماهير الشعب في طرابلس بإبلاغ رغباتهم في الاستقلال والوحدة إلى الحكومة البريطانية. وكان زوار السيد محمود المنتصر من الدبلوماسيين وكبار الزوار العرب والأجانب يستغربون من بساطة حياته، فلم يوظف الخدم والحراس ولم يشتر السيارات الفاخرة، رغم أنه كان من أوائل الليبيين الذين اقتنوا سيارة في العهد الإيطالي. كان إنسانًا ذا قلب كبير يحب الخير للناس ويثق في كل الناس. لم يعرف الاستغلال في حياته، ولم يسع إلى اغتنام الفرص لاقتناء المال والثروة. كان الجاه يسعى إليه ولم يكن يسعى هو إلى الجاه.

تعلمت منه أن من يمد يده بغير حق إلى الأشياء الصغيرة لا يتردد إلى مد يده إلى الأشياء الكبيرة. كان يرفض أية مستحقات أو علاوات كان يرى أنه لا يستحقها، مع أنها كانت مقررة واستمرت تصرف لرؤساء الحكومات. كان رئيس الوزراء الوحيد الذي يتحمل مصاريف الضيافة في بيته في البيضاء من جيبه الخاص، بينما غيره من رؤساء الحكومات يرون أنها مصاريف عامة يجب أن تتحملها الدولة، وهذا لا يخالف القانون. كان شهمًا بعيد النظر يعمل بما يؤمن به رغم اختلاف الكثيرين معه. كان يطلب الكمال من الجميع في دولة لم يصل فيها الوعي درجة النضج. وكان خصومه يعرفون فيه هذه الصفات فيهاجمونه ويحترمونه، لأنهم لا يفكرون مثله، فمعظمهم كانوا من أصحاب المصالح الشخصية والقبلية والإقليمية. كان سلوكه الشخصي بعيدًا عن الأقاويل، وكان صادقًا في إبداء رأيه.

لاحظت عليه وسمعت من كثير من الشخصيات السياسية، عربية وأجنبية، عن مزاياه وقدراته واحترام الساسة الأجانب الذين تعامل معهم. وأذكر في إحدى جلسات مجلس الجامعة العربية علق السيد عبد الخالق حسونة باشا أمين عام الجامعة العربية على زيارته للعواصم الأوروبية فذكر السيد محمود المنتصر السفير الليبي في روما آنذاك وقال ما معناه: في روما سفير عربي يجب أن نفتخر به يحتل مكانة في إحدى العواصم الكبرى، وأضاف بأنه أثناء مروره بروما طلب مقابلة رئيس الوزراء الإيطالي عن طريق مكتب الجامعة العربية في روما فذكر له بأن رئيس الوزراء مشغول ويستعد للسفر في اليوم التالي. فلجأ إلى السفراء العرب للمساعدة في تحديد المقابلة، فأجمع السفراء العرب بأن الشخص الوحيد الذي لا يرد له رئيس الوزراء الإيطالي طلبًا هو سفير ليبيا السيد محمود المنتصر.

وأضاف أمين عام الجامعة العربية: "فاتصلت بالسيد محمود المنتصر فوعدني بالمحاولة، وعلمت بعد ذلك من غيره بأنه اتصل شخصيًا برئيس الوزراء الإيطالي، الذي أوضح له هذا الأخير، أنه مسافر إلى الخارج غدًا ومشغول مع الوزراء والبرلمان طوال اليوم، وقد خصص الليلة لقضائها مع عائلته خارج روما التي لم يرها منذ أيام قبل مغادرته إيطاليا في اليوم التالي، ولكن ما دام محمود المنتصر هو الذي طلب هذه المقابلة الهامة فإنه مستعد للإعتذار لعائلته وتناول العشاء مع السفير الليبي في بيته، ودعوة الأمين العام والسفراء العرب للاجتماع بهم جميعًا على العشاء". وأضاف السيد عبد الخالق حسونة: "وهكذا قضينا الليلة حتى ساعة متأخرة أنا والسفراء العرب في حديث مطول مع رئيس وزراء إيطاليا، واستطعنا أن نخرج بنتائج طيبة للقضايا العربية وموقف الحكومة الإيطالية منها، والفضل في ذلك يرجع إلى السيد محمود المنتصر". هذه شهادة سمعتها بأذني وسجلت في محضر اجتماع الجامعة العربية.

group of notables.jpg - 22.94 Kb

طرابلس 1939 - الجلوس في الصف الأمامي من اليمين السادة: عبدالمجيد كعبار، على نورالدين العنيزي، وخلفهما من اليمين: الشارف الغرياني ومحمود المنتصر. الوقوف من اليمين: أحمد راسم كعبار، عمر فخري المحيشي، سليمان القرامانلي، بشير الغويل، خليفة خالد، ومصطفى ميزران.  

أما بالنسبة لنزاهة السيد محمود المنتصر، فأذكر أن أحد الوزراء في حكومته عندما عاد من زيارته إلى القاهرة أحضر لي طردًا صغيرًا وطلب مني تسليمه إلى السيد محمود المنتصر رئيس مجلس الوزراء. وفعلاً أخذت الطرد وسلمته إليه في بيته، فلما فتحه وجد فيه قلادة ذهبية مرصعة بالمجوهرات فظهر عليه الغضب، وقال لي خذ هذا الطرد بما فيه إلى هذا الوزير وقل له إني أشكره لكني لا أستطيع قبول الهدية. وعندما ذكرته بأن هذا فيه إحراج والوزير صديقه القديم ويقصد تقديم هدية لا رشوة فقال: "يا ابنى، الهدايا بين الأصدقاء يجب أن لا تزيد عن بضعة جنيهات مثل مذكرة جيب.. قلم حبر عادي.. كرفاته عادية أو منديل عادي، أما إذا زادت عن ذلك فلابد أن وراء الهدية مصلحة ولهذا فهي رشوة".

وفعلاً أخذت الهدية وذهبت إلى الوزير في بيته في البيضاء وبلغته رسالة رئيس الوزراء فخجل الرجل وأقسم بالأيمان أنه لا يعتبر هذه رشوة بل إنه اشترى لزوجته مثل هذه القلادة فقلت اشتري مثلها لزوجة صديقي محمود المنتصر، ورفض الوزير تسلمها ورفضت أنا أخذها معي مرة ثانية لأني أعرف أن رئيس الوزراء لن يرجع عن قرار اتخذه. فأصر الوزير إلى المجئ معي إلى بيت رئيس الوزراء، فوجدناه قد دخل حجرة نومه ورفض مقابلتنا، فاضطر الوزير إلى أخذ هديته معه. وكانت نتيجة هذه الحادثة أن أخرج محمود المنتصر هذا الوزير في أول تعديل وزاري له.

تزوج السيد محمود أحمد المنتصر من ابنة السيد حسونة باشا القرمانلي وأنجب منها خمسة أولاد وخمس بنات، ولما كان سفيرًا في لندن وروما سمي السفير الأب لعشرة أبناء. كان يحب أولاده حبًا عظيمًا. وأذكر لما كنا في المعتقل في أوائل أيام الثورة لم يكن يفكر في نفسه وهو وراء القضبان بل كان يفكر في ابنه الأكبر الدكتور عمر المنتصر الذي كان سفيرًا في لندن، وقد علمنا ونحن في المعتقل أنه استدعى إلى ليبيا على عجل وعرف والده يوم وصوله فلم يغمض له جفن حتى سمح له بالتحدث إلى بيته وابنه هاتفيًا. ولما علم أن ابنه عمر رجع إلى بيته آمنًا ارتاح ونام راضي البال ولم يعد يهمه شيئًا في ما قد يحصل له هو شخصيًا. والدكتور عمر محمود المنتصر كان وزيرًا وسفيرًا في العهد الملكي، وفي سنة 1978م رشح من طرف ليبيا وعين سفيرًا لمنظمة الوحدة الإفريقية وممثلها لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف وتوفي في سنة 1999م.

وأبناء السيد محمود المنتصر هم الدكتور عمر المذكور تزوج من ابنة الحاج مصطفى ميزران، وأحمد وتزوج من ابنة السيد الطاهر القرامانلي، والمهدي وتزوج من ابنة الأستاذ فؤاد الكعبازي، وبلقاسم وتزوج من ابنة السيد محمود الخوجة، وعبدالسلام وقد تزوج من ابنة السيد محمد المرابط (هو أب لاعب الكرة المحترف المشهور جهاد) وقد توفي عبدالسلام في حادث سيارة في طرابلس. أما بناته الخمس فتزوجن السادة عبداللطيف رشيد الكيخيا وعبدالمولى عوض لنقي وفتحي الخوجة وأحمد محي الدين السنوسي والزبير يوسف لنقي. وقد أشرف السيد محمود المنتصر على تعليم أبنائه تعليمًا عاليًا وعاش رجلاً عائليًا متواضعًا يحب أسرته ويرعاها بالود والحب والعطف وتوفي رحمه الله سنة 1970م.

jehad1.jpg - 3.85 Kb

جهاد عبدالسلام محمود المنتصر

محمود المنتصر والمعاهدة البريطانية

قوبل تعيين السيد محمود المنتصر رئيسًا للوزراء للمرة الثانية في أوائل 1964 بعدم الرضا من معظم طبقات الشعب، واعتبرت الجماهير تعيينه تحديًا لإرادتها من طرف الملك، خاصة أنه جاء بعد حكومة الدكتور محي الدين فكيني الذي وقف في صف الشعب ضد الشرطة وسياسة العنف. كان الاعتقاد أن محمود المنتصر جاء لتجديد المعاهدة البريطانية وإنهاء الانتفاضة الشعبية، بل حتى البريطانيين والأمريكيين لم يلق هذا التعيين ترحيبًا لديهم. ورغم أنهم لم يتوقعوا منه شرًا على مصالحهم في ليبيا، إلا أنهم كانوا يتخوفون بأن يتهموا من طرف الشعب الليبي بأنهم أوصوا به الملك وأتوا به خدمة لمصالحهم وللقضاء على الجو الوطني الذي نشره الدكتور محي الدين فكيني، مما يزيد من نقمة الشعب على البريطانيين والأمريكيين. ولهذا كانوا غير راضين على الملك بإعادة تعيينه رئيسًا للوزراء بعد حكومة الدكتور محي الدين فكيني، الذي كانوا يعتبرونه الرجل المناسب للمرحلة التى تمر بها ليبيا والأوضاع في العالم العربي والتفاعل مع الجماهير الشعبية، وكانوا يؤيدون خطوات الدكتور محي الدين فكيني التي اتخذها في الأزمة التي قامت أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربي الأول لكبح تصرفات الشرطة.

ولهذا عندما استقال الدكتور فكيني كانت بريطانيا وأمريكا تتوقعان تعيين رئيس حكومة بديل من الشباب وشعبي حتى يسير على خطوات الدكتور فكيني ويقوم بإصلاح الوضع الداخلي الذي بدأ يتدهور ويعرض المصالح الغربية للخطر، ووقف الفساد الذي بدأ ينتشر ويهدد مصالحهم التجارية التي أصبحت تنمو بعد ازدياد دخل ليبيا من البترول، خاصة أن بريطانيا لم تعد في حاجة ماسة إلى قواعدها العسكرية في ليبيا بعد حرب السويس وانتهاء سيطرتها السياسية في منطقة الشرق الأوسط وهيمنة أمريكا على المنطقة، وأصبحت قواعدها في ليبيا التزاما ماليًا وعسكريًا لا مقابل منه ولا تخدم مصالحها الاستراتيجية كما كان عليه الحال في سنة 1952م.

كان عدم ترحيب بريطانيا وأمريكا بحكومة السيد محمود المنتصر لا يرجع إلى الشك في حرصه على المحافظة على علاقات الصداقة المتينة بين ليبيا، وبريطانيا وأمريكا، بل بالعكس، فقد كانت بريطانيا وأمريكا تعتقدان أن هذه السياسة التي عرف بها لدى الشعب الليبي وبأنه حليف وصديق لبريطانيا لا تجعله الشخص الذي يخدم المصالح البريطانية والأمريكية في الظروف الجديدة التي يمر بها الشرق الأوسط وليبيا. وفي هذه الظروف قبل السيد محمود المنتصر تأليف حكومته الثانية على مضض. فالظروف لم تكن عادية والشعب في انتفاضة يتفاعل مع الأحداث العربية والرئيس عبدالناصر اتخذ من مهاجمة الاستعمار والصهيونية سلاحًا لتوسيع نفوذه للسيطرة على المنطقة العربية. كما أن صحة السيد محمود المنتصر لم تكن على ما يرام، فقد كان يشكو من مرض ضغط الدم وأمراض السكر.       

كان السيد محمود المنتصر من الساسة القدامى الذين يؤمنون بالتعاون مع الدول الغربية، خاصة بريطانيا. ورغم أنه كان يعمل على أن تكون علاقات ليبيا مع أشقائها العرب قوية وفعالة ويحرص على التزام ليبيا بالقرارات العربية والمساهمة في النشاط السياسي العربي، إلا أنه كان غير مؤمن بقدرة العرب على مساعدة ليبيا اقتصاديًا أو فنيًا، فالعرب جميعًا يعانون من التخلف والفقر والجهل والمرض وهم بدورهم في حاجة للمساعدة، وكان يتوق إلى فرصة لتصحيح سمعته لدى الشعب الليبي التى ساءت بعد توقيعه المعاهدة البريطانية الليبية في حكومته الأولى، ويرى أن فرصة عودته إلى الحكم من جديد قد تمكنه من إلغاء المعاهدتين البريطانية والأمريكية أو تعديلهما وإنهاء وجود القواعد العسكرية في ليبيا، خاصة أن الأسباب التي فرضت المعاهدة البريطانية في سنة 1953م كانت هى حاجة ليبيا الماسة والضرورية إلى المساعدة المالية لتمويل ميزانية الخدمات الأساسية للبلاد.

ورغم ذلك كان يرى في قرارة نفسه أن إلغاء المعاهدات والاتفاقيات البريطانية والأمريكية قد يعرض ليبيا لأخطار إقليمية عسكرية وهيمنة من دول الجوار، وخاصة بعد أن أصبحت ليبيا دولة بترولية، ولكنه كان مصرًا على إلغاء المعاهدات وتحقيق الجلاء تلبية للرغبة الشعبية العارمة. والشئ الذي كان يخشاه هو مدى استطاعته إقناع الملك باتخاذ مثل هذا الإجراء الخطير، فهو يعرف تمسك الملك بالعلاقات الليبية الغربية وتحالف ليبيا مع بريطانيا وأخذ الحيطة من نفوذ مصر على ليبيا.

ومن حسن حظ السيد محمود المنتصر أن بادر الرئيس جمال عبدالناصر بالمطالبة بجلاء القوات البريطانية عن ليبيا، مما ساعده على اتخاذ قراره حال توليه الحكم. وقد سارع السيد محمود المنتصر حال توليه الحكم إلى إعادة الأمن إلى نصابه في البلاد وتلطيف الجو الشعبي الملتهب في بنغازي ضد قوات الأمن، وقد ساعدته على ذلك علاقاته القوية مع زعماء برقة وصداقته لمدير عام الأمن الفريق محمود أبوقويطين، الذي يرى في السيد محمود المنتصر الشخص الوحيد الأمثل من إقليم طرابلس المخلص للملك وحماية عرشه، كما يرى أن سياسته تختلف كثيرًا عن سياسة الدكتور محي الدين فكيني الرامية إلى إضعاف النظام الملكي وسلطات الملك، وخلافه الوحيد مع السيد محمود المنتصر كان حول نقل الحكومة الاتحادية من البيضاء إلى طرابلس.

bugweteen1.jpg - 5.83 Kb

الفريق محمود أبوقويطين 

       الفريق أبوقويطين من قبيلة البراعصة التي تقطن البيضاء وبها يوجد مكتبه. كان يرى أن البيضاء مدينة صغيرة ونقل الحكومة منها سيؤثر في اقتصادها ونفوذها ومصالح قبيلته، ومع هذا قبل التعاون مع السيد محمود المنتصر، خاصة أنه أتى بزعيم برعصي هو السيد حسين مازق إلى حكومته كوزير للخارجية بعد غيابه عن السلطة لفترة غير قصيرة، مما يبعث الأمل في صعوده من جديد وتوليه رئاسة الحكومة الأمر الذي يضمن إعادة الحكومة إلى البيضاء مستقبلاً. وقد تم ذلك فعلاً.

انـتدابي برئاسة مجلس الـوزراء

رجعت من إجازتي في بريطانيا حوالي منتصف يناير 1964م وعلمت بالأحداث التي وقعت في عهد حكومة الدكتور فكيني أثناء وجودي في الإجازة، فقد قامت مظاهرات صاخبة في بنغازي وحدث تصادم بين الجماهير وقوات الأمن وسقوط قتلى. وتجاوبت جماهير طرابلس وبقية المدن الليبية في التظاهر تضامنا مع بنغازي وكان الحماس على أشده لمؤتمر القمة العربي الأول في القاهرة. بقيت في طرابلس لأقضي أسبوعًا مع العائلة قبل سفري إلى البيضاء وكان ذلك في شهر رمضان المبارك. وفي هذا الأسبوع استقال الدكتور محي الدين فكيني من رئاسة الحكومة وكلف السيد محمود المنتصر بتأليف الحكومة ولم أعرف بذلك ولم يكن هذا يعنيني كثيرًا.

وفي يوم 22 يناير وبينما كنت أستعد للسفر إلى البيضاء جاءني المهدي، أحد أبناء السيد محمود المنتصر، وأبلغني بأن والده يرغب في رؤيتي بصفة مستعجلة، فاستغربت ذلك، لأن السيد محمود المنتصر مبتعد عن الحكم منذ فترة وهو في حكم المتقاعد، فما هو الداعي يا ترى لاستدعائي بهذه الصفة المستعجلة قبل موعد الإفطار بدقائق؟ وحال ما ركبت السيارة مع المهدي أخبرني باستقالة الدكتور فكيني وتكليف والده بتأليف الحكومة الجديدة وقد أذيع الخبر في الإذاعة. وعندما سمعت ذلك جالت في خاطري تساؤلات: هل يريد السيد محمود المنتصر تعييني في وظيفة؟ هل سأعود إلى وظيفة السكرتير الخاص التي تركتها قبل سفري إلى لندن؟.. إلى غيرها من الاحتمالات حتى وصلنا إلى منزله، فوجدنا معه بعض الضيوف الذين جاءوا للتهنئة.

وأول سؤال فاتحني به السيد محمود المنتصر بعد أن أعطاني قائمة وزراء حكومته ما رأيي فيهم، وكان يمزح، لأنه يعرف أني شاب ولا يعجبني تشكيل الحكومة من شيوخ السياسة المتقاعدين. وأقول الحقيقة فقد ذهلت عندما اطلعت على القائمة، وعندما سألته: لماذا هؤلاء؟ قال إنه لا يعرف غيرهم وقد حاول إقناع الملك بإعفائه ثلاث مرات ولم ينجح، وذكر أنه مريض ولا تسمح حالته بهذه المسئوليات العظيمة في مثل هذه الظروف لكنه دائمًا في خدمة الملك والوطن ولو كان على فراش الموت، ولهذا قبل بعد إصرار الملك. وأضاف أن الظروف السياسية خطيرة للغاية والأمور تسير من سئ إلى أسوأ والحكومة السابقة لم تعمل شيئًا لاستتباب الأمن بل زادته غليانًا ومن الله وحده أرجو التوفيق. وكان أولاده غير راضين عن قبوله الحكم خاصة ابنه الأكبر الدكتور عمر الذي كان وزير العدل في حكومة الدكتور محي الدين فكيني المستقيلة. وأخيرًا فاجأني وطلب مني القدوم اليوم التالي إلى مكتب رئيس الوزراء واستلام المكتب من السيد علي أبوسرويل سكرتير خاص الدكتور فكيني، وكنت أعرف الأخ علي فهو زميل لي في الخارجية، وكان طلب السيد رئيس الوزراء صدمة لي.

 

mmontaser in office3.jpg - 17.77 Kb

السيد محمود المنتصر رئيس الوزراء في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء بطرابلس

 

فأنا كما بينت سابقًا لا أريد هذه الوظيفة ولا أريد ترك عملي الدبلوماسي بالخارجية، وقد صارحت السيد رئيس الوزراء بذلك، إلا أنه أصر بأنه لا يعرف أحدًا غيري لهذه الوظيفة ويريد شخصًا موثوقًا به وأنه يمكنني تعيين مساعد لي لشئون التشريفات والمقابلات. وقد بينت له وجود وكيل وزارة للرئاسة هو السيد علي المسلاتي ومن واجباته مساعدة رئيس الوزراء في كل ما يحال عليه من مراسلات وهو شخصية قوية ويمكنه الاعتماد عليه، كما أن تعيين الأستاذ عمر الباروني وزير دولة لشئون الرئاسة في حكومته سيمكنه من المساعدة في هذا الشأن. قال لي إنه يعرف السيد علي المسلاتي وليس عنده شئ ضده ولكنه كان من المقربين للرئيس السابق الدكتور محي الدين فكيني وهناك كثيرون لا يثقون به ولهذا يريدني إلى جانبه. ورغم أني لم أعمل مع السيد محمود المنتصر في الماضي في الحكومة أو السفارات، إلا أنه ذكر لي أن كل الذين عملت معهم في الحكومة أكدوا له أني أتمتع بصفات الأمانة والكفاءة والإخلاص.. أخيرًا شكرته وغادرت بيته. ولم يلق قبولي لهذه المهمة رضا إخوتي بسبب الأحوال السياسية السيئة التي تمر بها البلاد وغضب الناس على الحكومة، بل إن أخي الهادي الذي كان يدرس في جامعة دمشق عندما سمع بخبر قبولي العمل مع رئيس الوزراء أرسل إليّ برقية مفتوحة يعرب فيها عن أسفه لقبولي الوظيفة.

وفي صباح اليوم التالي ذهبت إلى مكتب رئيس الوزراء وتعجب الموظفون من قدومي وكان موقفي من الأخ علي أبوسرويل محرجًا، خاصة أنه ذكر لي علاقات القرابة التي تربط عائلته أبوسرويل بالسيد محمود المنتصر. وكنت أرغب الاحتفاظ به كمساعد إن قبل هو ووافق رئيس الوزراء، لكنه نظرًا لعمله مع الرئيس السابق أصبح بقاؤه في الرئاسة غير مستحسن. وبعد ذلك قابلت السيد علي المسلاتي وكيل الوزارة لشئون الرئاسة الذي رحب بي، إلا أنه كان غير مطمئن لوجودي. وبعد ذلك طلبت من السيد أحمد أبوشاقور عن طريق وكيل وزارة الخارجية أن يتولى مهام مساعدي لشئون المقابلات بمكتب رئيس الوزراء.                                            

كان السيد علي المسلاتي في عهد الرئيس الدكتور فكيني قد قام بإجراء تعديلات جوهرية في جهاز رئاسة مجلس الوزراء ونقل سكرتير مجلس الوزراء ووكيل الوزارة المخضرم السيد مصطفى بن سعود إلى وزارة الشئون الاجتماعية وضم شئون مجلس الوزراء إلى مكتب وكيل الوزارة لشئون الرئاسة، وأوجد إثنتي عشرة وظيفة بدرجة مدير عام في رئاسة مجلس الوزراء وجعل كل مدير مسئولاً عن نشاط وزارة أو وزارات معينة، وعين السيد سليمان الإسكندراني مديرًا لشئون مجلس الوزراء. وكان العمل جاريًا على شغل وظائف بقية المدراء، وكان الهدف إشرافهم على كل شئون الدولة وإخضاع الوزراء إلى رقابة رئاسة الحكومة وتزويدهم بتوصيات باسم رئيس الوزراء. ومن المؤكد أن قرار التعديل هذا لم يعرض على مجلس الوزراء، لأن الوزراء لن يقبلوا بإشراف جهاز عليهم في رئاسة مجلس الوزراء، فهم مسئولون عن وزاراتهم أمام رئيس الوزراء ومجلس الأمة مباشرة، ولكن يظهر أن رئيس الوزراء وقعه كقرار للمجلس دون عرضه على مجلس الوزراء، كما يجري عادة في المسائل التي لا يريد رئيس الوزراء فتح نقاش فيها. وكذلك بالنسبة للقرارات التي تتعلق بالشئون الإدارية، ولو تم تنفيذ هذا القرار بالكامل وجرى العمل به لأصبح وكيل الوزارة لشئون رئاسة مجلس الوزراء أهم شخص في الحكومة بعد رئيس الوزراء.                                 

ali meselati.jpg - 16.74 Kb                  mustafa ben saud.jpg - 21.07 Kb

                                             السيد على المسلاتي                  السيد مصطفى بن سعود

 

وقد أدى طموح السيد علي المسلاتي هذا إلى خلق جفاء له مع جميع الوزراء وكبار موظفي الدولة وفي البرلمان. ورغم أني كنت أشاركه الرأي بشأن ضرورة مشاركة رئاسة الوزراء في نشاط شئون التخطيط والتنمية والأمن العام والمخابرات بجميع أنواعها والخارجية عن طريق جهاز مزود بالخبراء يلحق برئاسة مجلس الوزراء، يتولى التنسيق مع الوزارات المختصة ومساعدة رئيس الوزراء في الإطلاع على تفاصيل ما يجري في هذه المجالات الحيوية وتمكينه من اقتراح ما يراه هو مناسبًا وعدم الاعتماد كليًا على الوزراء المختصين. وفعلاً تقدمت بمثل هذا الاقتراح عندما أصبحت وكيلاً لرئاسة مجلس الوزراء، ولكن كل رؤساء الحكومات الذين عرضت عليهم هذه الفكرة رفضوها، وسيأتي الكلام عن هذا في موضعه.

أقسمت حكومة السيد محمود المنتصر اليمين أمام الملك وعقدت اجتماعها الأول بعد تكامل أعضائها الذين كان بعضهم في الخارج مثل الأستاذ عمر الباروني الذي عين وزيرًا للدولة لشئون الرئاسة وهو منصب وزاري أستحدث لأول مرة. وتم في هذا الاجتماع إعادة السيد مصطفى بن سعود إلى منصب وكيل الوزارة لشئون مجلس الوزراء، مما زاد من قلق علي المسلاتي وخلق تصادمًا بين الوكيلين، وتم أيضًا إلغاء وظائف المدراء الإثنى عشر في رئاسة مجلس الوزراء، وتعيين السيد سليمان الإسكندراني مساعدًا لمصطفى بن سعود. ورفض وزير الدولة لشئون الرئاسة الجديد الأستاذ عمر الباروني التدخل في اختصاصات وكيل شئون المجلس ووكيل شئون الرئاسة بحجة أنه وزير دولة ومسئوليته تتحدد بما يسنده له رئيس الوزراء أو مجلس الوزراء من مهام.

وبعد نقل السيد علي أبوسرويل إلى وزارة الخارجية وتعيين السيد أحمد أبو شاقور مساعدًا لي لشئون التشريفات، بقيت حائرًا بين الوكيلين على المسلاتي ومصطفى بن سعود حول اختصاصاتي، فهما لا يعترفان بمسئوليتي سوى كسكرتير لرئيس الوزراء. ولما كان معظم الوزراء في حكومة السيد محمود المنتصر ضد توجهات وأفكار السيد علي المسلاتي أثاروا ذلك في مجلس الوزراء، وتقرر على إثر ذلك نقله إلى وزارة العدل وتعييني وكيلاً لشئون رئاسة مجلس الوزراء بالوكالة بشكل انتداب من وزارة الخارجية.

وبعد فترة قصيرة عينت رسميًا في منصب وكيل وزارة قبل تنفيذ القانون الجديد للخدمة المدنية للحصول على الدرجة الخاصة ( أ ) باقتراح من وزير الخدمة المدنية السيد عبدالله سكته، الذي أقنعني وأقنع رئيس الوزراء بأن بقائي كوكيل وزارة بالوكالة سوف لا يتمشى مع القانون الجديد، لأن درجتي الأصلية في الخارجية هي درجة أولى لا تسمح لي بأن أتولى مهام وكيل وزارة ( أ ) بالوكالة، واقترح تعييني رسميًا في الوظيفة لأستفيد من القانون الجديد الذي يعطي الدرجات الجديدة لحاملي ألقاب الوظائف الحالية. ورغم أني لم أسع لهذا القرار لأن هذا معناه خروجي بمقتضاه من كادر وزارة الخارجية، ولم يعد في استطاعتي العودة إليها إلا بمرسوم ملكي بدرجة سفير أو وزير مفوض وهي المقابلة للدرجة الخاصة المدنية ( أ )، كما لا يجيز القانون نقلي بدرجة أقل من درجتي، وكانت وظائف السفراء في تلك الفترة لا زالت حكرًا على السياسيين والوزراء السابقين فقط.

تعييني وكيل وزارة لشئون رئاسة مجلس الوزراء
 حال صدور قرار مجلس الوزراء بتعييني وكيلاً للوزارة لشئون رئاسة مجلس الوزراء قمت بدراسة التنظيم الإداري للرئاسة الذي أعده السيد علي المسلاتي والذي ألغي بعد استقالة الدكتور محي الدين فكيني وتعيين وكيلين، أحدهما لشئون الرئاسة ليحل محل مدير مكتب رئيس الوزراء سابقًا، والآخر لشئون مجلس الوزراء ليحل محل سكرتير عام مجلس الوزراء سابقًا، ورغم اختلاف الألقاب فإن الاختصاصات بقيت على ما هي عليه. وكما ذكرت لم يقبل الأستاذ عمر الباروني وزير الدولة لشئون الرئاسة التدخل في الشئون الإدارية وجهاز رئاسة مجلس الوزراء والتفرغ لما يسنده له رئيس الوزراء أو مجلس الوزراء من مهام.  

abdia2.jpg - 23.37 Kb

لندن  1964 ـ بشير السني المنتصر (وكيل وزارة لشئون رئاسة مجلس الوزراء) وعلى يمينه السيد الدكتور عبدالسلام البوصيري السفير الليبي في لندن ثم السيد محمود المنتصر رئيس الوزراء فالسيد المستشار فتحي العابدية 

 

في ضوء هذا الوضع درست مع وكيل شئون مجلس الوزراء ضرورة التعاون بين المكتبين ولم أكن طموحًا للسيطرة كالوكيل السابق السيد علي المسلاتي. وطلبت من وكيل شئون مجلس الوزراء التعاون مع رئاسة مجلس الوزراء وتحويل صور من مذكرات الوزراء عليّ قبل عرضها على مجلس الوزراء لدراستها مع مستشاري إدارة الفتوى والتشريع والمستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء، الذي عين حديثًا برغبة من السيد محمود المنتصر وهو المستر (بيت هارديكر)، الذي كان سابقًا مسئولاً ماليًا منتدبًا من الحكومة البريطانية بمقتضى الاتفاقية المالية بين بريطانيا وليبيا، وقد انتهت مهمته هذه وعاش متقاعدًا في النمسا، وتم تعيينه في منصب المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء بالتعاقد معه مباشرة كموظف ليبي ولا دخل للحكومة البريطانية في هذا التعيين. وكان هدفي من هذا الاقتراح هو التمكن من دراسة مذكرات مجلس الوزراء قبل عرضها على المجلس لإطلاع رئيس الوزراء برأي الخبراء والتأكد أنها لا تتعارض مع قرارات سابقة أو مع سياسة الحكومة المعلنة في مجلس الأمة، وكذلك طلبت استلام نسخ من قرارات مجلس الوزراء ليتولى مكتبي متابعة تنفيذها مع الوزراء المختصين.

وبعد محاولات وتدخل رئيس الوزراء وافق السيد مصطفى بن سعود على مقترحاتي إلا أنه لم ينفذها، فقد كان معروفًا عنه الحرص على سرية شئون مجلس الوزراء ويعتبرها حكرًا عليه بينه وبين رئيس الوزراء والوزراء المختصين وهو المسئول عن الرجوع إلى المستشارين بشأنها، وهكذا تعذر التنسيق. ولم يكن رئيس الوزراء براغب في فرض المقترحات على وكيل الوزارة لشئون مجلس الوزراء، الذي يتمتع بثقة جميع الوزراء ويساندونه الرأي، بأن شئون مجلس الوزراء يجب أن تكون مستقلة عن رئاسة مجلس الوزراء.

كما رفض الوزراء إرسال نسخ من مذكراتهم المقدمة إلى مجلس الوزراء إلى وكيل شئون الرئاسة مباشرة لأنهم، كما ذكرت سابقًا، لا يريدون تدخل جهات معينة في الرئاسة بينهم وبين رئيس الوزراء في ما يقدمون من مشاريع وقرارات وقوانين إلى المجلس خوفًا من تعرضها للتعديل أو معارضة رئيس الوزراء بناء على نصيحة مستشاريه في جهاز رئاسة مجلس الوزراء. وهذا الخلاف حول الاختصاصات يعتبر عاديًا بين الدوائر الحكومية ليس في ليبيا فقط بل في كل الأجهزة التابعة لرؤساء الوزارت أو رؤساء الجمهورية في أي بلد في العالم التي تتعرض لمثل هذه الصعوبات والمنافسات من طرف الأجهزة البيروقراطية المختلفة.

ومن حسن حظ ليبيا أن الملك فصل مسئولية ديوانه في الفترة الأخيرة عن مسئولية الحكومة ولم تكن للديوان الملكي أية سلطة رسمية وقانونية مباشرة على جهاز الدولة بعد وفاة السيد إبراهيم الشلحي. وفي ضوء هذه الظروف وعدم إمكانية التعاون المباشر بين رئاسة مجلس الوزراء وشئون المجلس قررت التركيز على علاقات الرئاسة رأسًا مع الوزراء وما يرسل لرئيس الوزراء من تقارير ومقترحات في مرحلة الدراسة قبل تحولها إلى مشاريع قرارات ترسل إلى وكيل شئون مجلس الوزراء لعرضها على المجلس. كما قررت الاكتفاء بإنشاء ثلاث إدارات بشئون الرئاسة تهتم الأولى بشكاوى أفراد الشعب والهيئات المدنية ودراستها وإحالتها على جهات الاختصاص والطلب بموافاة الرئاسة بما يتخذ بشأنها مع إعلام أصحابها بالجهة التي أحيلت إليها شكواهم لمراجعتها.

وقد لاقى هذا الإجراء احتجاج الوزراء لأن هذه الشكاوى المحولة من الرئاسة أصبحت لها صفة رسمية وتأخد وقتًا كبيرًا من الوزراء والمسئولين في الوزارات المختصة، وكذلك إصرار أصحابها على مقابلة الوزير أو الوكيل بحجة استلامهم رسائل من رئاسة الحكومة تطلب منهم مراجعة شكواهم مع المسئولين في الوزارة. وقد ألحق بنفس الإدارة قسم يختص بالإعلام ومتابعة ما ينشر محليًا ودوليًا في وسائل الإعلام والتقارير الإعلامية التي تصل من وزارة الإعلام والسفارات الليبية في الخارج وتقديم ملخصات لوكيل الوزارة ولرئيس الوزراء ولفت نظر الجهات المختصة في الحكومة إلى ما يثار في الإعلام وأية انتقادات لأنشطتهم المختلفة، وقد عين السيد سليمان قرادة مديرًا لها.

والإدارة الثانية تختص بالشئون المالية والإدارية للوزراء ولموظفي الرئاسة وشئون المجلس. وقد اقترحت ضم إدارة الخدمة المدنية سابقًا إليها، إلا أن إنشاء وزارة دولة مستقلة للخدمة المدنية في أول تعديل وزاري قد ألغى هذه الفكرة، وقد أسندت هذه الإدارة إلى السيد جمعة سعيد. أما الإدارة الثالثة فتختص بالمسائل المتعلقة بشئون الوزارات المختلفة ومتابعتها مع الوزارات والهيئات الأخرى المستقلة، والهدف منها دراسة مشاريع مذكرات الوزراء إلى المجلس ومتابعة قراراته بشأنها. وكما ذكرت، تعذر تنفيذ ذلك لمعارضة وكيل المجلس والوزراء، واقتصر العمل في هذه الإدارة على دراسة تقارير الوزراء والسفراء والمحافظين ومدراء الأمن، وما يبعث به الوزراء وكبار المسئولين من آراء ومقترحات ومشاريع قوانين وقرارات لأخذ رأي رئيس الوزراء فيها مسبقًا قبل إعداد مذكرات بشأنها إلى المجلس، وقد عين السيد محمد خليفة جميل مديرًا لها.

وقد لاحظت أنه رغم وضع هذا التنظيم موضع التنفيذ فإن الوزراء كانوا يفضلون دراسة شئون وزاراتهم مع رئيس الوزراء شفويًا أثناء مقابلاتهم معه، الشئ الذي لا يسمح به غالبًا وقت رئيس الوزراء، مما يترتب عليه إضاعة وقته وعدم تمكنه من إبداء رأي مدروس بشأن المقترحات والآراء التي يتقدم بها الوزراء شفويًا. كما أن نقل شئون الخدمة المدنية لوزارة مستقلة، وكذلك شئون أمن الدولة والجنسية ومراقبة الأجانب إلى وزارة الداخلية، وشئون مجلس الإعمار والتنمية إلى وزارة مستقلة التي استحدثت بعد إقرار الوحدة وإلغاء النظام الفيدرالي سنة 1963.. كل هذا أدى إلى تقليل اختصاصات رئاسة مجلس الوزراء، فحتى المستشار الاقتصادي لم تعد له حاجة في الرئاسة، وأصبح يقضي معظم وقته منتدبًا في اللجان ومع وزراء التخطيط والبترول والمالية. بالإضافة إلى المدراء الثلاثة عين السيد علي الفرجاني مساعد وكيل وزارة لشئون الرئاسة. وأثناء إجرائي لهذه التعيينات لم آخذ في الاعتبار التوزيع الجغرافي بين برقة وطرابلس، وقد اكتشفت أن المدراء الثلاثة ومساعد الوكيل كلهم من منطقة طرابلس، مما أثار لي بعض الصعوبات بعد ذلك أثناء عملي مع رؤساء وزارات من برقة، وسيأتي ذكر هذا في الفصول القادمة.

اضطراب الأمن في البلاد وخطاب عبدالناصر حول القواعد الأجنبية

بتولي حكومة السيد محمود المنتصر السلطة استمرت المظاهرات في طرابلس، وقد نتج عنها سقوط بعض الضحايا في الزاوية الغربية، وقد غضب رئيس الوزراء بسبب استعمال العنف المبالغ فيه. وأذكر أنه استدعى محافظ الزاوية السيد منصور كعبار بحضوري ولامه على أعمال العنف وتصرف الشرطة التي أدت إلى مقتل مواطن وجرح آخرين، فأخبره السيد كعبار بأن رجال الشرطة حاولوا تجنب الاصطدام مع المتظاهرين فانسحبوا من السوق بعد عجزهم عن فض المظاهرات سلميًا، ولكن المتظاهرين أصروا على مطاردة رجال الشرطة الذين انسحبوا حتى لجأوا إلى مبنى مركز الشرطة طلبًا للحماية، فلحق بهم المتظاهرون وأرادوا اقتحام المركز والاعتداء عليهم، فاضطر رجال الشرطة إلى إطلاق النار دفاعًا عن النفس ولم يكن أمامهم خيار. وهذا عذر رجال الشرطة كلما سئلوا عن المبالغة في استعمال العنف في مثل هذه الحالات، والشرطة عادة لا يمكن لومها على الدفاع عن النفس أمام جماهير غاضبة تريد الفتك بهم أو اقتحام مكاتبهم الرسمية.

mansour kabar6.jpg - 21.83 Kb

1964- السيد منصور كعبار يلقى خطاب افتتاح الدورة الرابعة لمعرض طرابلس الدولي باعتباره وزيرًا للاقتصاد، أمام رئيس الحكومة السيد محمود المنتصر، وعلى يساره ، الأديب والإذاعى، ووزير المالية الأسبق، السيد أحمد الحصائرى مدير عام المعرض.

 

بعد عودة الهدوء النسبي إلى مدن المملكة ورجوع الطلاب إلى مدارسهم، التي أغلقت أثناء أحداث الشغب، فاجأ الرئيس جمال عبدالناصر الحكومة الليبية بخطاب قوي هاجم فيه القواعد الأجنبية في ليبيا مطالبًا بجلاء القوات الأجنبية عن التراب الليبي. وخوفًا من تجدد المظاهرات وأعمال العنف اضطرت الحكومة إلى إصدار بيان أعلنت فيه عدم رغبتها في تجديد المعاهدة البريطانية والاتفاقية الأمريكية بعد انتهاء مدتهما التي كانت تقارب النهاية. ورغم رغبة السيد محمود المنتصر في المضي إلى أكثر من هذا وقراره مع نفسه بإلغاء المعاهدة والاتفاقية وجلاء القوات الأجنبية كما بينت، إلا أنه كان غير واثق من رد فعل الملك إذا أشار إلى موضوع الإلغاء. وقد فوجئ الملك بتصريح الحكومة، إلا إنه لم يأخذه بمحمل الجد واعتبره للاستهلاك المحلي لتجنب رد فعل شعبي لخطاب الرئيس عبدالناصر.

بعد ذلك أثير الموضوع في البرلمان الذي طلب من الحكومة إلغاء المعاهدات والاتفاقيات العسكرية وجلاء القوات الأجنبية وإعطاء الحكومة فرصة لإبلاغ ذلك إلى بريطانيا وأمريكا. وبذلك طلبت الحكومة الليبية من الحكومتين الأمريكية والبريطانية الدخول في مفاوضات للنظر في إنهاء المعاهدة البريطانية والاتفاقية الأمريكية. وفي مارس 1964 أعلن السيد محمود المنتصر بدء المفاوضات في البرلمان، ثم أعقبه بتصريح يوضح فيه بأن الهدف من المفاوضات هو إنهاء المعاهدة البريطانية والاتفاقية الأمريكية وتصفية القواعد العسكرية وتحديد موعد لجلاء كل القوات الأجنبية عن ليبيا.

وكما يظهر من تصريحات السيد محمود المنتصر فإنه لم يفصح عن قرار الحكومة دفعة واحدة، بل واصل إصدار عدد من التصريحات تتفاوت مداها، تجنبًا لرد فعل الملك، الذي كان يتابع تطورات الموضوع دون تدخل لمعرفة ماذا يستقر عليه رأي البرلمان والحكومة. ولكن تصريح رئيس الوزراء الأخير وتمشيه مع كل ما يطالب به البرلمان أثار شكوك البريطانيين والأمريكيين، لأنه يتعدى ما طلب منهم رسميًا في المفاوضات التي بدأت فعلاً على أساس التصريحات الأولية لرئيس الوزراء. وهكذا اتصل السفيران البريطاني والأمريكي بالملك لمعرفة رأيه، ويظهر أنه أخبرهما في أول الأمر بأن الأمر متروك للحكومه والبرلمان ولا يريد التدخل، ولكنه بعد ذلك صارحهما برأيه ومعارضة ما توصلت إليه الحكومة والبرلمان في هذا الشأن كما سنرى في الأحداث التالية. 

المطالبة بإنهاء المعاهدتين البريطانية والأمريكية

كما ذكرت سابقًا قبل محمود المنتصر الرجوع إلى الحكم للمرة الثانية بحجة أن النظام الملكي كان في خطر وأن مهمته الأولى يجب أن تتركز على استتباب الأمن في البلاد. ومن هذا المنطلق بدأ في تنفيذ سياسة حكومته، إلا أن تاريخه المرتبط بالمعاهدة البريطانية وسياسته الرامية إلى التعاون مع الغرب كانت وراء شرارة إثارة موضوع جلاء القوات الأجنبية حال استلامه للحكم. وكان هذا مصدر خوف السفيرين البريطاني والأمريكي إثر تعيينه من جديد رئيسًا للوزراء، لأن رؤساء الحكومات السابقون استطاعوا عدم إثارة موضوع المعاهدات والاتفاقيات والخوض فيها علنًا في مجلس الأمة أو على المستوى الإعلامي لفترة طويلة حتى أصبحت أمرًا منسيًا، خاصة أن الظروف السائدة في الشرق الأوسط كانت هادئة.

ولكن ماضي السيد محمود المنتصر وتطور الأوضاع العربية بعد مؤتمر القمة العربي الأول وخطاب الرئيس عبدالناصر ضد القواعد العسكرية جعل من الصعب على السيد محمود المنتصر تجاهل هذه الأحداث، وكان من الصعب عليه الانتظار، واضطر إلى اتخاذ القرار الحاسم بشأن إلغاء المعاهدات والاتفاقيات وجلاء القوات الأجنبية مع بداية توليه الحكم. وكما ذكرت كان هذا في الحقيقة أحد أهدافه، بينه وبين نفسه، في قبول العودة إلى الحكم، ولكنه كان يأمل أن يتم ذلك في هدوء وتدريجيًا وبموافقة الملك ومباركته.

بعد تصريحات رئيس الوزراء وموقف البرلمان المتشدد شعر الملك بأن الموقف أخذ يخرج من سيطرته وأصبح قرار الإلغاء وتحقيق الجلاء واردًا لا محالة، بعد أن سارع رئيس حكومته الأمين والمخلص والمفضل عنده إلى الاستجابة لجميع مطالب مجلس الأمة وتصريحاته الصريحة بإنهاء المعاهدة البريطانية والاتفاقيات العسكرية وجلاء جميع القوات الأجنبية، وأنه أي رئيس الوزراء الوفي، قد قرر السير مع التيار لتحسين سمعته لدى الرئيس عبدالناصر ومجاراة التيار القومي، وأن شجاعته التي عرف بها أثناء حكومته الأولى قد خانته هذه المرة.

ولم يصدق الملك في أول الأمر السفيرين البريطاني والأمريكي اللذين أوضحا له بأن السيد محمود المنتصر ليس هو الشخص الذي يعرفونه في أوائل الخمسينات، وأن سياسته الجديدة هي التخلص من المعاهدات والقوات الأجنبية بكونه هو الذي وقعها وذلك لكسب تأييد الشعب الليبي ومباركة سياسة عبدالناصر، وتجلى ذلك في تشجيعه للحملة الإعلامية الرامية إلى إلغاء المعاهدات وجلاء القوات الأجنبية في أقصر وقت، مما يعرض ليبيا وأمنها للخطر. وأمام تطورات الأحداث اتخذ الملك قرارًا حاسمًا في قرارة نفسه للوقوف ضد محاولات حكومته ومجلس الأمة ووضعهم في موقف لا خيار فيه، ولم يعلن رأيه هذا صراحة وعلنًا ضد الإلغاء والجلاء، لأنه ملك دستوري لا يحكم، وأن القرار في شئون الدولة هو في أيدي الحكومة ومجلس الأمة.
 
الملك إدريس يـقرر الاستقالـة

فوجئ رئيس الوزراء ورئيسا مجلس الشيوخ والنواب باستدعاء الملك لهم في بيته بمدينة البيضاء وإبلاغهم بأنه قرر الاستقالة، وأنه سبق له وأن قدمها إلى السيد مصطفى بن حليم والسيد محمد عثمان الصيد عندما كانا في الحكومة، وأنه قرر أن يستريح ولم يبد سببًا للاستقالة. وطبعًا رفض الحاضرون حتى مجرد التفكير في ما قاله الملك لهم، وبينوا له بأن البلاد لن تستقر بدونه وإنها أحوج إلى زعامته في هذه الظروف، وألحوا
عليه بإعادة النظر في الموضوع. ولكنه في نهاية المقابلة سلم إلى رئيس الوزراء الاستقالة مكتوبة وموقعة منه ليؤكد إصراره. وأذكر أن رئيس الوزراء السيد محمود المنتصر رجع إلى مكتبه مصفر الوجه وقد ارتفع ضغط الدم عنده وكان يرتعش من هول ما سمعه من الملك، وطلب مني مساعدته على وضع الاستقالة في خزانة رئاسة الوزراء. وبعد أقل من ساعة من وصوله إلى مكتبه سمع بأن الملك سافر إلى طبرق حال انتهاء مقابلة الرؤساء الثلاثة له وقد طلب من حرسه عدم مرافقته، كما أنه رفض وضع علمه على السيارة.

كان من المقرر أن يبقى رئيس الوزراء فترة أطول في البيضاء لمتابعة مداولات مجلس النواب حول المعاهدات وجلاء القوات الأجنبية، ولكن ما أن وصل الملك إلى طبرق حتى رن جرس الهاتف في بيت رئيس الوزراء وكنت معه ورأيت علامات الانزعاج تظهر على وجهه وهو يستمع في التلفون إلى الملك، ولم تستغرق المحادثة ثوان. ولما انتهى أخبرني بأن الملك طلب منه تنفيذ استقالته حالاً. كان المعتقد أن الملك سيسحب استقالته كالعادة لأن الرؤساء الثلاثة (الوزراء والشيوخ والنواب) أثناء مقابلتهم له في البيضاء رفضوا الاستقالة وهو ليس بالشئ الجديد فقد رجع عن الاستقالة مرارًا. كما أن  الاستقالة بشكلها الذي قدم لا معنى لها فهي لم تكن تنازلاً عن العرش لولي عهده، الوريث الشرعي حسب الدستور، وهي في رأيهم لا تعدو أن تكون إلا احتجاجًا غير معلن على تمادي وتسرع الحكومة والبرلمان في إعلان إلغاء المعاهدات وجلاء القوات الأجنبية، رغم أن رئيس الحكومة أحاطه علمًا بهذا قبل إصدار تصريحاته بشأنها.

ولكن الملك كعادته لا يصارح رئيس حكومته برأيه وقت الأزمة أو ينتقده صراحة، بل يعبر عن ذلك بالتصرف بما يراه هو بعد ذلك. كان الملك يتوقع على الأقل من الحكومة والبرلمان في هذه الحالة أن لا يتسرعا لأن رأيه معروف لديهم وخاصة فيما يتعلق ببريطانيا، فالمعاهدة البريطانية هي تحالف تاريخي بينه وبين بريطانيا قبل أن تكون بين ليبيا وبريطانيا.

طلب مني رئيس الوزراء بعد استلامه لمكالمة الملك إبلاغ رؤساء الشيوخ والنواب والمحكمة العليا والجامعة الإسلامية ورئيس أركان الجيش ومدير عام الأمن والوزراء القدوم حالاً إلى البيضاء لاجتماع عاجل لأمر هام جدًا وعدم ذكر موضوع الاستقالة. كان الوقت بعد الظهر، ورغم أن مثل هذه الدعوة المستعجلة تحدث كثيرًا، إلا أن كل الوزراء وبعض المطلوب حضورهم كانوا جميعًا في طرابلس على مسافة تزيد على 1300 كم، وقد طلب بعض الوزراء إعداد طائرة خاصة لهم للحضور. ولما تعذر حضور الجميع إلى البيضاء طلب رئيس الوزراء ممّن لا يستطيع القدوم إلى البيضاء في ذلك اليوم الحضور إلى طبرق في صباح اليوم التالي مبكرًا. كان موضوع الاستقالة لا زال سرًا لا يعرفه إلا الرؤساء الثلاثة، أو هكذا كنا نعتقد، والشعب لا يعرف شيئًا بما حدث، ولا يمكن إذاعة مثل هذا الخبر حتى ولو أصبح نهائيًا دون إعلان الإجراءات الأمنية اللازمة.

وفي فجر اليوم التالي غادر البيضاء رتل السيارات الذي كان يحمل رئيس الوزراء ورئيسي مجلسي الشيوخ والنواب ومن كان موجودًا في البيضاء من الوزراء. وقد لاحظنا أن الطريق إلى طبرق كان مزدحمًا بسيارات الجيش والشرطة والسيارات المدنية. وما أن وصلنا ضواحي مدينة طبرق حتى وجدناها تعج بضباط وأفراد الجيش والأمن ورجال قبائل برقة عن بكرة أبيهم، وبعض أعضاء مجلس الأمة من المنطقة الشرقية، وكثير من جماهير الشعب من برقة. ويظهر أن رجال القصر والحاشية الذين عرفوا الموضوع سارعوا بمعرفة من الملك أو بإيعاز منه أو بدون علمه بنشر خبر استقالته في جميع أنحاء برقة وطلبوا من الجميع القدوم حالاً إلى طبرق وإعلام الآخرين للتواجد للطلب من الملك الرجوع عن استقالته.

كنت في السيارة مع الأستاذ عمر الباروني وزير شئون الرئاسة وكنا واثقين بأن كل شئ مرتب مسبقًا وأن الملك سيسحب استقالته. وتأكد هذا بعد وصولنا إلى طبرق ووجود هذا الكم من المشايخ ورجال القبائل الذين كانوا يهددون الحكومة والنواب في مظاهرات عارمة ويتهمونهم بأنهم السبب في غضب الملك واستقالته بإصرارهم على قرار إنهاء المعاهدة البريطانية وجلاء القوات الأجنبية، وكانوا يلوحون بالسلاح في أياديهم ويهددون بأنهم لن يتركوا أعضاء الحكومة ومجلس الأمة الخروج من طبرق أحياء إلا اذا تراجع الملك عن استقالته. وكانت هتافات الجماهير بهذه المطالب غريبة، خاصة أن الملك لم يعلن سببًا لاستقالته سوى حالته الصحية، ولهذا تأكد لنا أن رجال القصر والحاشية وراء هذه الاحتجاجات.

كان الملك قد غادر قصره الرسمي بعد وصوله من البيضاء وطلب من حراسه ورجال حاشيته وسائقي سياراته أن لا يرافقوه وأن يبقوا في القصر تحت تصرف الحكومة، وأمر بإنزال علمه الخاص من على القصر وذهب إلى بيته خارج طبرق. ولكن جماهير القبائل والشعب الذين وصلوا طبرق في ذلك اليوم ساروا إليه في مظاهرة كبيرة وأحاطوا بالبيت الذي كان فيه وأصروا على عدم مغادرة المكان حتى يجتمع بهم. واضطر الملك بعد ذلك إلى إرسال سبحته لهم، وهي عادة عربية قديمة حسب ما أعتقد للتعبير عن صدق وعده، ووعدهم بالاجتماع بهم في صباح اليوم التالي في قصره الرسمي بطبرق وطلب منهم الذهاب للراحة والنوم. وهكذا نامت مدينة طبرق تعج بالآلاف من الناس الذين افترشوا الأرض بعد أن ضاقت بيوت سكان طبرق بهم، وقام سكان المدينة باستضافتهم ونحروا الذبائح وأكرموهم.

الملك إدريـس يتراجع عن الاستقالة

بعد رجوعهم من الملك ذهبت حشود القبائل إلى مقر رئيس الوزراء بطبرق وطلبوا منه إعطاءهم ورقة استقالة الملك لتمزيقها لعدم اعترافهم بها، كما هاجموا بعض النواب الذين جاءوا من بنغازي بعد سماعهم خبر استقالة الملك. وقد حاول النواب الدفاع عن أنفسهم بأن طلبهم لجلاء القوات الأجنبية لا يمس إخلاصهم للملك أو النظام الملكي وأنهم مع الجماهير لإقناع الملك بالرجوع عن استقالته والبقاء في الملك مدى الحياة. وخرج لهم رئيس الوزراء في شرفة البيت الذي يقيم فيه وألقى فيهم كلمة مؤكدًا لهم رفضه لاستقالة الملك، وأنه أعد استقالة حكومته لتقديمها إلى الملك إذا أصر على رأيه، وقال إن ورقة استقالة الملك لا يمزقها إلا الملك نفسه وقد أحضرها معه لإعادتها إليه، ووعدهم بأنه سيذهب معهم صباح اليوم التالي في مظاهرة إلى القصر الملكي.

وغادرت الجماهير مكان إقامة رئيس الوزراء بعد اقتناعها بصدقه، فإخلاصه للملك يعرفه القاصي والداني، وخاصة في برقة. وعاشت طبرق ليلة ليلاء في هرج ومرج والكل لا يصدق أن الإدريس سيتركهم. كل هذا كان يحدث في طبرق دون صدور أي بيان حكومي في الإذاعة، مما جعل جماهير طرابلس وبنغازي ومدن ليبيا وقراها لا تعرف شيئًا عما كان يجري في طبرق من أمر مهم وخطير.

وفي صباح اليوم التالي تجمعت جماهير القبائل وضباط وأفراد الجيش والشرطة يتقدمهم رئيس الوزراء ورئيسا الشيوخ والنواب ورئيس المحكمة العليا ورئيس أركان الجيش ومدير عام الأمن العام والوزراء والنواب وكبار رجال الدولة، وساروا في مظاهرة إلى القصر الذي كان قد سبقهم إليه الملك، وكان محاطًا برجال حاشيته وعلى رأسهم السيد البوصيري الشلحي. واخترقت الجماهير سياج القصر وأحاطت بالقصر وتعالت الهتافات مطالبة الملك أن يطل عليهم وأن يتراجع عن الاستقالة. وكان بعض رجال الحرس الملكي مع المتظاهرين يتسلقون جدران القصر ليصلوا إلى الشرفة لتعليق العلم الملكي عليها بعد ما أنزل بأمر من الملك، وبقي كبار رجال الدولة مع الجماهير ولم يسمح لهم بالدخول إلى القصر.

وكان رئيس الوزراء قبل تحركه إلى القصر قد أملى عليّ استقالته وأخذها معه لتقديمها حال ما تحين فرصة الاجتماع بالملك إذا أصر على استقالته، ولكن رئيس الوزراء والوزراء والنواب وبقية المسئولين كانوا واثقين أنها مجرد احتجاج وأنها ستنتهي بسحب الملك لاستقالته وفرض شروطه المعروفة. وبعد ساعات من الوقوف والهتاف في حر الظهيرة الذي كان صعبًا على كبار المسئولين من كبار السن والمرضى، سمح الملك لرئيس الوزراء ورؤساء مجلسي الشيوخ والنواب والمحكمة العليا والوزراء وبعض كبار المسئولين بالدخول إلى القصر، وتحدث معهم عن ظروفه الصحية التي دفعته إلى الاستقالة. وبعد سماع وجهة نظرهم وحاجة البلاد إليه في هذه الظروف وافق على سحب استقالته وأمر حرسه برفع علمه على القصر في الشرفة المطلة على الجماهير.

تعالت هتافات الجماهير المحتشدة في طبرق بالتأييد والدعاء له بطول العمر بعد أن عرفت أن الملك تراجع عن استقالته. وخرج الملك إلى شرفة القصر محاطًا بكبار رجال الدولة وأعلن أنه استقال لأسباب صحية وليس لأي سبب آخر وأن الحكومة تقوم بمهمتها على ما يرام، ونزولاً عند رغباتهم قرر الرجوع عن الاستقالة رغم ما يعانيه من مرض وضعف، ووعدهم بأنه لن يموت إلا بينهم. وفي هذه الأثناء سلمه رئيس الوزراء ورقة استقالته فأخذها منه وقطعها إربًا إربًا صغيرة لا تقرأ. وبعدها فتحت أبواب القصر ودخلت الجماهير بمن فيهم الأطفال للسلام على الملك وتقبيل يديه والدعاء له بطول العمر، وقد وقف الملك يصافح الجميع دون كلل. وبعدها اجتمع الملك برئيس الوزراء ثم رجعنا مع رئيس الوزراء إلى البيضاء في نفس اليوم ولم يكن الشعب، باستثناء من كان في طبرق، يعرف شيئًا عما حدث.

وفي اليوم التالي جاء رئيس الوزراء إلى المكتب ومعه ورقة مكتوبة بخط يده وبدون عنوان يظهر أنها ملخص لما جرى بينه وبين الملك بعد عدوله عن الاستقالة، وطلب مني كتابة نسخة نظيفة من مسودته فكتبتها بخط جميل وسلمتها لرئيس الوزراء الذي وضعها في خزنته في المكتب لأهميتها، وكانت تتلخص على ما أذكر فيما يلي:

"تستمر المحادثات مع البريطانيين لإلغاء المعاهدة الليبية البريطانية مع الإبقاء على التحالف الليبي البريطاني، ويتم جلاء كل القوات البريطانية من طرابلس وبنغازي في الوقت المناسب، والإبقاء على القاعدة البريطانية في مطار العدم، والسماح للجيش البريطاني بإجراء تدريبات الربيع والخريف في صحراء برقة. أما الاتفاقية الأمريكية فهي متروكة للحكومة والبرلمان مع التمهل في المفاوضات مع بريطانيا وأمريكا، وبعدم الانسياق وراء نواب المعارضة بالإسراع، وعدم الاهتمام بضغوط الدول مثل مصر وغيرها. كما طلب الملك تقسيم قوات الأمن التي وحدت بعد إعلان الوحدة إلى ثلاث مديريات عامة مستقلة تتبع وزير الداخلية وبتسليح قوات الأمن، وخاصة القوة المتحركة وقوات أمن برقة بالأسلحة الحديثة والدبابات، ثم حل مجلس النواب وعدم السماح لنواب المعارضة بالعودة إلى المجلس بأي حال من الأحوال".

بعد ذلك عقد مجلس الوزراء جلسة قرر فيها إذاعة بيان على الشعب قرأ على الملك بالهاتف للموافقة عليه، وكان الهدف من البيان هو إطلاع الشعب على ما جرى في طبرق ذلك اليوم. ورغم تسرب الأخبار، إلا أن معظم الناس لم تسمع شيئًا، وخاصة في طرابلس ومدن ليبيا الأخرى، وهكذا عرف الناس باستقالة الملك وفهموا ما وراءها والهدف منها. كان الشعب يعرف تفكير زعمائه وما يدور في الكواليس ولم يكن راضيًا عما يحدث.

وهكذا وقع السيد محمود المنتصر في المحظور وأصبح استمراره في الحكم الآن ملزمًا، لأن استقالته في هذه الظروف تعني أنه يسعى لبناء شعبية على حساب الملك، الأمر الذي لم يفكر فيه السيد محمود المنتصر طول حياته، فإخلاصه للملك كان فوق كل اعتبار، ولهذا لم يجد مفرًا من تنفيذ أوامر الملك. أجرى السيد محمود المنتصر بعد ذلك تعديلاً وزاريًا أدخل بموجبه عددًا من الشباب، مما ساعد على الاهتمام بالمرافق العامة وخطط التنمية، كما عين عددًا من الشباب كوكلاء وزارات من بينهم الدكتور علي عتيقة الذي عين وكيلاً لوزارة التخطيط والتنمية.

استؤنفت المفاوضات الليبية البريطانية والأمريكية في مدينة البيضاء لتحديد مواعيد الجلاء وكأن شيئا لم يحدث، رغم أن بريطانيا وأمريكا كانتا على علم بما جرى بين الملك ورئيس الوزراء عن طريق سفيريهما الذين كانا يجتمعان بالملك باستمرار، وكان الملك يصارحهما برأيه في سياسة الحكومة. بعدها أصدرت الحكومة بيانًا بنتائج المفاوضات الأولية وفاءًا لوعدها بإعلام مجلس الأمة بها في مدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر، واكتفت الحكومة بهذا الإعلان دون دعوة مجلس الأمة للانعقاد تحسبًا من تجدد المناقشات بين الحكومة والنواب. وفي اليوم التالي لصدور بيان الحكومة صدر مرسوم بحل مجلس النواب وإجراء انتخابات في موعد لا يتجاوز ثلاثة أشهر.

ورغم أن المفاوضات لم تغلق مع بريطانيا وأمريكا، إلا أنها أخذت نهجًا بطيئًا وغير حاسم للأسباب التي استعرضتها. واستمرت المفاوضات وقبلت بريطانيا وأمريكا مبدأ الجلاء، ووافقت بريطانيا بعد ذلك على تحديد موعد الجلاء من طرابلس وبنغازي، وقبلت أمريكا مبدأ جلاء قواتها لكنها ماطلت في تحديد موعد لها قبل انتهاء مدة الاتفاقية، وقدمت اقتراحات مؤقتة بإعطاء قسم من مطار الملاحة إلى القوات الجوية الليبية ورفع العلم الليبي إلى جانب علم الولايات المتحدة الأمريكية فوق مطار الملاحة. وأوفت بريطانيا بوعدها بعد ذلك وأجلت قواتها عن مدينتي طرابلس وبنغازي وأبقتها في مطار العدم، كما سمح للقوات البريطانية بإجراء تدريباتها في برقة. واستمرت الحكومات المتتالية في الإعلان في تصريحاتها وخطب العرش عن استمرار مفاوضات الجلاء وإنهاء وجود القوات الأجنبية في ليبيا، وهذا لم يقنع الرأي العام الليبي، واستمر في موقفه السلبي مع الحكومات المتعاقبة.

 

مؤتمر القمة العربي الثاني في الإسكندرية (5-11 سبتمبر 1964م)

بعد أخذ العبرة من مؤتمر القمة العربي الأول (13-17 يناير 1964) وما نتج عنه من مظاهرات واحتجاجات شعبية، قرر الملك حضور المؤتمر الثاني للقمة العربية وبوفد كبير يشمل رئيس الوزراء. وقد سافر الملك برًا مرورًا بمنطقة الحمامات شرقي الإسكندرية حيث كان يقيم في المهجر. وسافرت مع رئيس الوزراء بالطائرة ونزلنا بفندق فلسطين في الإسكندرية الذي أعد لإقامة الملوك والأمراء ورؤساء الدول، وكان الملك قد أعد له قصر خاص في الإسكندرية وقصر الطاهرة بالقاهرة للإقامة فيهما أثناء المؤتمر.

alex conf 1964.jpg - 31.33 Kb

السادة محمود المنتصر رئيس الوزراء الليبي وعبدالعزيز بوتفليقة وزير خارجية الجزائر (الأول من اليمين) ومحمود رياض وزير خارجية مصر وحسين مازق وزير خارجية ليبيا وبشير المنتصر وآخرون أثناء حضورهم لمؤتمر القمة الثاني في الإسكندرية سنة 1964

 

وحال وصولنا استلمت مكالمة هاتفية من السيد عبدالمجيد فريد من قصر رئيس الجمهورية ليبلغ السيد محمود المنتصر بأن الرئيس عبدالناصر سيستقبله الساعة الثالثة بعد الظهر في قصر التين بالإسكندرية. وكان عبدالناصر مشغولاً باستقبال الرؤساء والملوك الذين كانوا يصلون تباعًا، وكانت تلك لفتة كريمة منه، فالسيد محمود المنتصر لم يكن رئيس الوفد الليبي وكان الملك قد وصل فعلاً منذ أيام واستُقبل رسميًا. كان السيد محمود المنتصر يتوق إلى مقابلة الرئيس عبدالناصر، فقد قاسى من خطبة عبدالناصر حال تأليفه للحكومة الثانية وانتقاد عبد الناصر للقواعد العسكرية في ليبيا وما خلفته من جو قاتم ورد فعل من الشعب الليبي والمظاهرات التي تبعته، كما أن موقف الثورة المصرية من حكومته الأولى لم يكن على أحسن حال. وقد استغرب بدوره من تحديد موعد له بهذه السرعة مع عبدالناصر في وقت ينشغل فيه بوصول الرؤساء.

muntasser with nasser sep 1964.jpg - 15.41 Kb

لقاء السيد محمود المنتصر بالرئيس جمال عبدالناصر أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربي بالإسكندرية في سبتمبر 1964

 

وبعد رجوعه من المقابلة أخبرني السيد محمود المنتصر بما تم فيها وأملى علي ملخصًا لها للاحتفاظ بمحضرها معه، ويتلخص على ما أذكر، بأن الرئيس عبدالناصر استقبله منفردًا بترحيب خاص مستفسرًا عن صحته، وقال له لقد حرصت على مقابلتك حال وصولك لأني أريد توضيح بعض الأمور، لقد سمعت أن البعض أساء تفسير الخطبة التي ألقيتها بعد تأليفك لحكومتك الثانية ومهاجمتي للقواعد العسكرية البريطانية بأنها موجهة ضدك شخصيًا وهذا ليس صحيحًا على الإطلاق، فأنا لم أتمكن بالاجتماع بك في الماضي ولا أحمل أي شئ ضدك، بل أقدر جهودك وعملك في بناء الدولة الليبية.

وأضاف الرئيس عبدالناصر بأنه كان في تلك الخطبة يرد على تصريحات ضده في مجلس العموم البريطاني بأنه يعمل ضد بريطانيا ويثير القلاقل في الدول العربية، وكانت القواعد العسكرية البريطانية في ليبيا وقبرص إحدى النقاط التي أثارها لانتقاد السياسة البريطانية في المنطقة، ولم يخطر بباله بأنه يتعرض لمسألة قد تثير المشاكل للحكومة الليبية في ظرف صعب كما سمعت بعد ذلك، فهو يعرف الظروف التي وقعت فيها المعاهدة البريطانية الليبية ووضع ليبيا المالي الضعيف آنذاك.

وقد سر الرئيس عبدالناصر بأن الحكومة الليبية بدأت أخيرًا المفاوضات مع البريطانيين لتصفية القواعد العسكرية، وقال إن بريطانيا لا تستحق عطف العرب، فهي مصدر المشاكل في المنطقة العربية، ولهذا فجلاؤها عن ليبيا خطوة لتحرير المنطقة من تدخلاتها المستمرة في شئونها واستغلالها لمواردها ونشر الفتنة بين دولها. أما بخصوص القواعد الأمريكية فإن تصفيتها يجب أن تتم كذلك، ولكني لا أريد من الحكومة الليبية أن تضغط على الحكومة الأمريكية للجلاء حالاً، بل أعطوها الوقت اللازم الذي تطلبه لإيجاد مكان آخر لقاعدتها، فأمريكا دولة عظمى، والكل في حاجة إلى مساعداتها في صراعنا مع إسرائيل وحل المشكلة الفلسطينية الإسرائيلية، ولا نريد إجبارها على نقل قاعدتها الكبيرة في طرابلس إلى إسرائيل مثلاً، وهي تستطيع خلق مصاعب لنا كلما زاد ضغطنا عليها، ثم تناول بعد ذلك المشاكل العربية وجدول أعمال مؤتمر القمة. وكان خلال المقابلة بشوشًا ومرحبًا، كما رحب بحضور الملك للمؤتمر الذي خصص له قصرًا خاصًا لإقامته، لأنه أكثر راحة من الفندق المزدحم مع جميع الرؤساء العرب.

king idris and suni muntaser in cairo.jpg - 17.11 Kb

سبتمبر 1964 - الرئيس عبدالناصر في استقبال الملك إدريس في الإسكندرية ويرى بشير المنتصر خلف الملك إدريس

 

حضر الملك افتتاح المؤتمر، وكان عبدالناصر يرحب بالملوك والرؤساء بشوشًا. وأعطى الملك إدريس والوفد الليبي اهتمامًا خاصًا. ولم أشاهد في حياتي بشاشة الملك إدريس وابتسامته العريضة، إلا عندما التقى بالملك حسين وأخيه حسن بن طلال في القاعة قبل بدء المؤتمر، وقد سارع الاثنان إلى تقبيل يده احترامًا لكبير أهل البيت. وقد كان المؤتمر ناجحًا ولعب عبدالناصر فيه دور الراعى والمضيف.


زيارة السيد محمود المنتصر للسعودية

قام السيد محمود المنتصر بزيارة السعودية لتهنئة الملك فيصل باسم الملك إدريس باعتلائه العرش على رأس وفد كبير ضم رئيسا مجلس الشيوخ والنواب ورئيس أركان الجيش وبعض الوزراء، وتأخر مفتي ليبيا الشيخ عبدالرحمن القلهود عن الوصول إلى مطار طرابلس في الموعد المحدد فسافر الوفد بدونه، وكنت أنا وياور رئيس الوزراء الخاص الملازم أول محمد أبو مرداس ضمن الوفد.

وقد استُقبل الوفد استقبالاً عظيمًا، وأذكر أن الملك فيصل استقبل الوفد في مكتبه الخاص بمفرده. بدأ الملك فيصل بشكر الملك إدريس على إرساله للوفد للتهنئة، ثم تعرض بإسهاب عن العلاقات العربية وتساءل عن دوافع الرئيس عبدالناصر في التهجم على المملكة السعودية، وكانت العلاقات في تلك الفترة متأزمة بين البلدين إلى درجة استضافة عبدالناصر للملك السابق سعود في مصر بعد عزله، وكانت الحملات الإعلامية في إذاعة صوت العرب ضد السعودية على أشدها.

 king faisal2.jpg - 42.15 Kb

الملك فيصل ملك المملكة العربية السعودية (1) يتوسط الوفد الليبي برئاسة السيد محمود المنتصر رئيس وزراء ليبيا (2) الذي جاء لتهنئته بتولي الملك ويظهر في الصورة إلى جانب الملك السعودي ورئيس الوزراء الليبي السادة عبدالحميد العبار رئيس مجلس الشيوخ (3) وسالم القاضي رئيس مجلس النواب (4) والوزراء عبدالقادر البدري (5) وعبدالمولى لنقي (6) ومنير البعباع (8) والسفير الليبي في السعودية حسين بلعون (9) ورئيس أركان الجيش الليبي اللواء نوري الصديق (7) وبشير السني المنتصر وكيل الوزارة لرئاسة مجلس الوزراء (10) الملازم أول محمد  أبو مرداس ياور خاص رئيس الوزراء (11)

 

قضى الملك أكثر من ساعة مركزًا كلامه على مصر ودورها العربي وتدخلها في الشئون الداخلية للدول العربية، وتساءل ماذا يريدون منا؟ وأضاف أن الموقف العربي يستدعي التضامن والتكتل لا إثارة شعوب المنطقة ضد حكوماتها. وألقى السيد محمود المنتصر كلمة معدة مسبقًا مختصرة أكد فيها أن ليبيا تدعو إلى عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول العربية، وقد قاست بدورها فعلاً من تدخل بعض الدول المجاورة، ولم يتعرض لمصر أو عبدالناصر بالاسم. وأثناء المقابلة دخل فجأة شخص طويل القامة في ملابس الأمراء دون استئذان فقام الملك فيصل له مرحبًا وقمنا جميعًا معه، وقدمه الملك بأنه الأمير محمد بن عبدالعزيز (على ما أذكر) وجلس الجميع، واستمر الملك في الكلام. وفجأة نهض الأمير وودعه الملك والحاضرون، وخرج كما دخل دون استئذان. وفي المساء أقام الملك مأدبة عشاء على شرف الوفد حضرها عدد كبير من الأمراء السعوديين، وفي صباح اليوم التالي سافر الوفد إلى مكة لأداء العمرة ومنها سافر عائدًا إلى طرابلس.


زيارة السيد محمود المنتصر إلى دول المغرب

في أول ديسمبر 1964 قام السيد محمود المنتصر بزيارة رسمية إلى تونس والمغرب والجزائر على رأس وفد كبير ضم عددًا كبيرًا من الوزراء في أول زيارة رسمية لوفد ليبي على هذا المستوى. ففي تونس كان في استقبال الوفد في المطار رئيس الوزراء السيد الباهي الأدغم والوزراء التونسيين وكبار المسئولين فيها. واستقبل الرئيس بورقيبة الوفد في منزله في قرطاج، وكان بشوشًا كعادته وصريحًا، منتقدًا للسياسة العربية والرؤساء العرب فردًا فردًا، ورحب بالوفد الليبي وأشاد بالعلاقات المتينة بين البلدين. ولبورقيبة تاريخ طويل مع ليبيا، فقد قضي فيها فترة أثناء كفاحه من أجل استقلال تونس ويعرف كثيرًا من البيوت الليبية، وقد سبق لي أن قابلته على مائدة السيد سالم المنتصر عندما كنت طالبًا في طرابلس في الأربعينات.

هذا وبعد المقابلة أدخل الوفد إلى مكتبه الخاص وأطلعهم على صور والده الذي هاجر من مدينة مصراته من ليبيا، وقال إنه تونسي ليبي الأصل، وكذلك السيد الباهي الأدغم رئيس الوزراء، فهو من عائلة باشاغة بمدينة مصراته الليبية، ومن الصدف أن محمود المنتصر هو أيضًا من مصراته، وتلفت الرئيس بورقيبه إلى الوزراء التونسيين حولة، وقال أرجو أن لا تأخذكم الغيرة، فنحن والليبيون أسرة واحدة، ولتونس فضلها عليّ شخصيًا، وحبها لا يدانيه حب. ثم أشار إلى علاقته مع الملك إدريس منذ كانا معًا في المهجر في مصر وإلى الفترة التي قضاها في ليبيا، رغم أن الملك في الفترة الأخيرة لم يكن يشعر نحوه بود قوي بعد استقلال تونس، وقد يكون ذلك لانقلاب بورقيبة على النظام الملكي وطرده للباي من عرش تونس.

كما تعرض الرئيس بورقيبة أثناء مقابلته للوفد الليبي بالنقد للرئيس عبدالناصر وموقفه من بعض البلاد العربية، ومنها ليبيا. وقد أعطى الوشاح الأكبر لرئيس الوزراء الليبي وهدايا من المصنوعات التونسية إلى رئيس وأعضاء الوفد، وأقام مأدبة غذاء فخمة على شرف الوفد، حضرها رئيس وزراء تونس ووزير خارجيتها ورئيس البرلمان التونسي. انتهت الزيارة بعقد اتفاقيات ثقافية وتجارية كالعادة وإصدار بيان مشترك.

 with mazzigh.jpg - 26.22 Kb

بشير السني المنتصر (الأول من اليمين) والسادة حسين مازق (الأول من الشمال) وعبدالله سكتة (في وسط الصورة) وبينهما السيد المنجي سليم على مائدة الرئيس الحبيب بورقيبة تكريمًا لرئيس وزراء ليبيا السيد محمود المنتصر الذي يزور تونس في زيارة رسمية على رأس وفد كبير

 ومن تونس سافر الوفد الليبي إلى المغرب، وكان في استقباله رئيس الوزراء المغربي السيد أحمد بحنيني والوزراء. أقام ولي العهد الأمير عبدالله مأدبة عشاء صغيرة على شرف رئيس الوزراء الليبي، كما أقام رئيس الوزراء المغربي مأدبة غذاء على شرف الوفد الليبي. وفي الليل ذهبنا إلى إحدى القصور الملكية لمقابلة الملك، وقد قضينا فترة من الوقت في الانتظار قبل التشرف بالمقابلة، وبعد أن صافح الملك رئيس الوزراء الليبي قام هذا الأخير بتقديم أعضاء الوفد المرافقين له. وبعد أن جلس الملك بضع دقائق مع رئيس الوزراء بمفردهما غادر بعدها القصر، وكانت المقابلة قصيرة عابرة. لم تكن العلاقات بين الملك إدريس ووالد الملك الحسن محمد الخامس على أحسن ما يرام بسبب مرور الملك قبل استقلال ليبيا في رحلته إلى بريطانيا بالمغرب، ومقابلته لمحمد بن عرفه الذي عينته فرنسا على العرش أثناء سجن الملك محمد الخامس ونفيه خارج المغرب.

 

muntassir in morocco.jpg - 24.84 Kb

السيد محمود المنتصر رئيس وزراء ليبيا أثناء وصوله إلى المغرب في زيارة رسمية واستقبل من طرف رئيس وزراء المغرب السيد أحمد بحنيني والسيد محمد بن هيمة وزير خارجية المغرب ويظهران معه في الصورة كما يظهر معهم بشير المنتصر والقائم بأعمال السفارة الليبية في الرباط السيد محمد هويسة

ورغم أن العلاقات الليبية المغربية بعد الاستقلال لم تكن على ما يرام للأسباب التي ذكرتها، إلا أن العلاقات تحسنت بعد ذلك. وقد استُقبل الملك الحسن أثناء زيارته لليبيا استقبالاً رسميًا وشعبيًا لم يكن يتوقعه، وفي خضم جماهير طرابلس ترك سيارته وترجل في شارع عمر المختار بطرابلس وسار مع عشرات الألوف من الليبيين المتحمسين له، مما أوقع الأمير حسن الرضا ولي عهد ليبيا، الذي كان يرافقه، وكذلك رجال الأمن الليبيين في حيرة.

كان وزير الخارجية المغربي السيد محمد بن هيمة متحمسًا لزيارة الوفد الليبي، وحاول انجاح الزيارة بكل السبل، وشدد في كلامه على التأكيد على الحاجة إلى تقوية العلاقات بين ليبيا والمغرب، خاصة أن كلا منهما دولة ملكية ولهما ظروفًا سياسية مشتركة. وانتهت الزيارة ببيان مشترك يشيد بالعلاقات بين البلدين وتأكيد رغبتهما في عقد اتفاقيات تتناول المجالات التجارية والاقتصادية والثقافية وتبادل الزيارات وتنسيق مواقفهما السياسية، وحاجة ليبيا إلى الاستعانة بالعمال المغاربة في مشاريعها التنموية. وقد صادف موعد سفر الوفد الليبي سفر الملك إلى الخارج، لهذا أخر موعد سفر الوفد الليبي حتى يسافر الملك نتيجة لغلق المطار أمام الطيران لمدة ساعات.

with king hasan.jpg - 13.82 Kb

بشير السني المنتصر وهو يصافح الملك المغربي الحسن الثاني أثناء زيارة الوفد الليبي
 برئاسة السيد محمود المنتصر رئيس الوزراء إلى المغرب سنة 1964

 

حضر رئيس الوزراء الليبي والوفد المرافق له حفل توديع الملك في المطار وتلطف الملك وأخذ معه رئيس الوزراء الليبي وأخيه الأمير عبدالله للتفتيش على حرس الشرف المعد للملك. وبعد سفر الملك جرت مراسيم توديع الوفد الليبي وشارك في التوديع رئيس الوزراء المغربي والوزراء، وقد تأخر سفر الوفد الليبي إلى الجزائر حتى بعد الغروب. وعلمنا بعد ذلك أن المسئولين الجزائريين قضوا ساعات طويلة في المطار في انتظار الوفد الليبي، وقالوا لنا إن تأخيرنا كان مقصودًا من طرف المسئولين في الحكومة المغربية عندما علموا أن الجزائر أعدت استقبالاً شعبيًا ورسميًا كبيرين وذلك حتى يصل الوفد الليبي الجزائر ليلاً.

ورغم ما جرى في الرباط من تأخير لسفر الوفد الليبي فقد كان الاستقبال الجزائري منقطع النظير. وكان على رأس المستقبلين الرئيس أحمد بن بلة ونائباه هواري بومدين ومحمد السعيد، وكانت الجماهير على طول الطريق من المطار إلى قصر الشعب تستقبل الوفد الليبي بالزهور والزغاريد. كانت الزيارة أول زيارة يقوم بها وفد ليبي على هذا المستوى والحجم بعد استقلال الجزائر.

كان موقف الشعب الليبي والحكومة الليبية والملك عظيمًا مع الشعب الجزائري في ثورته ضد الاستعمار الفرنسي. وكانت الأسلحة تمر بيسر برًا وجوًا عن طريق ليبيا من مصر إلى المجاهدين الجزائريين، كما كانت مساعدات الشعب الليبي، رغم ضيق إمكانياته، غير محدودة. لهذا كان من المتوقع أن تكون العلاقات بين البلدين على أعلى مستوى من القوة والترابط، إلا أن عوامل غير معروفة دفعت السيد محمد عثمان الصيد عندما كان رئيسًا للحكومة إلى عدم التعاطف مع الحكومة الجزائرية الجديدة. ويظهر أنه حاول إقناع الملك بأن الرئيس بن بلة يتعاون مع الرئيس عبدالناصر لإثارة القلاقل في ليبيا وتشجيع المعارضة الليبية من أجل السيطرة علي ليبيا وتقاسمها. وقد سانده في هذا الرأي البريطانيون والأمريكيون الذين كانوا غير راضين عن بن بلة وعبدالناصر، فالحكم الاشتراكي الذي قام في الجزائر شبيه بنظام عبدالناصر الذي يناصبونه العداء.

with muntaser in algeria.jpg - 22.78 Kb

الرئيس الجزائري السيد أحمد بن بلة والسيد محمود المنتصر رئيس وزراء ليبيا وأعضاء الوفد الليبي الذي يزور الجزائر زيارة رسمية

 

حاول الرئيس بن بلة ونائبيه هواري بومدين ومحمد السعيد استغلال زيارة الوفد الليبي على هذا المست