الفصل الرابع: حكومة السيد حسين مازق
بعد استقالة السيد محمود المنتصر في مارس 1965م
ورفضي الانتقال إلى الديوان الملكي طلبت من السيد حسين مازق أن
ينقلني إلى وزارة الخارجية، ولكنه رغم وعده بالاستجابة لرغبتي،
إلا أنه طلب مني الاستمرار في عملي كوكيل وزارة لشئون الرئاسة.
وقد كان يعاملني باحترام وتقدير، إلا أنه لم يكن يعرفني معرفة
جيدة لعدم عملي معه في الماضي. ولاحظت في الأيام الأولى أن
السيد حسين مازق بدأ يكلف السيد حسين الغناي وكيل وزارة
الخارجية، والذي كان قد عمل معه في السابق ويعرفه معرفة جيدة،
ببعض المسئوليات التي لها علاقة بعمل رئاسة مجلس الوزراء
كإعداد خطب رئيس الوزراء في المناسبات الوطنية العامة وبعض
المراسلات الهامة. وهذا ليس غريبًا، فالسيد حسين الغناي يعتبر
نفسه كاتبًا كبيرًا، وقد يكون قد تطوع ليكتب كلمات وخطب رئيس
الوزراء.

السيد حسين يوسف مازق
وقد
طلب مني السيد مازق بأن أعرض عليه بريد رئاسة مجلس الوزراء
جميعه،
وهو كم هائل، ويتجاوز يوميًا مئات الرسائل والشكاوى والعرائض
والطلبات وتقارير مدراء الأمن والمحافظين والسفراء، وأن أحول
إليه البريد السري دون فتحه. وقد أثارت إعجابي قدرته على قراءة
كل البريد الذي يحال إليه وخاصة شكاوى المواطنين وطلباتهم،
وكان يعلق عليها بخط يده ويكتب عليها تعليماته بإحالتها للجهات
المختصة لإجراء اللازم، وأحيانًا الطلب من الوزير المختص تلبية
الطلبات التي يتقدم بها أصحاب العرائض. ولما كان معظم العرائض
والشكاوي والطلبات تأتي من مواطنين من برقة فإنه كان يعرف
مقدميها وقبائلهم،
أما تعليقاته على تقارير السفراء فكانت تدل على مدى إلمامه
بالأحداث العربية والشئون الدولية.

السيد حسين الغناي
كانت وزارة الخارجية في المناسبات الدولية ترسل للرئاسة مسودة
كلمة لتصدر عن رئيس الوزراء بالمناسبة، وأذكر أن السيد حسين
مازق كان يتعجب من بساطة وحتى من تفاهة بعض الكلمات التي كانت
معدة من طرف خبراء الخارجية، وكان في غالب الأحيان يعدلها
بحضوري للتأكد من بعض الأحداث وتواريخها والمصطلحات
الدبلوماسية المستعملة، كما كانت تعليقاته على تقارير
المحافظين تتميز بالمعرفة لما يجري داخل البلاد. وكان أحيانًا
يسهر حتى الصباح على قراءة البريد. كما طلب مني عدم تغيير أي
موظف بما فيهم سكرتيره الخاص السيد أحمد كعوان وياوره وسائقه
الخاصين، الملازم محمد أبو مرداس والسيد محمد الشريف، وهما من قوة
أمن طرابلس.
والشئ الذي لفت نظري لأول مرة وأحرجني مع السيد حسين مازق أني
وجدت أن نسبة كبيرة من موظفي رئاسة مجلس الوزراء من طرابلس،
رغم أن فرع رئاسة مجلس الوزراء الذي يرأسه السيد مصطفى بن سعود
وكيل الوزارة لشئون مجلس الوزراء، وهو من برقة، يضم عددًا من
الموظفين من برقة، ومع هذا شعرت بأني كنت مقصرًا في عدم تعيين
موظفين من برقة، نظرًا لطول الفترة التي كنت فيها مسئولاً عن
الشئون الإدارية لرئاسة مجلس الوزراء.
والحقيقة التي قد تغيب عن الكثيرين أن ذلك الوضع نتج عن وجود
الحكومة في طرابلس معظم الوقت منذ السنوات الأولى للاستقلال في
عهود السيد محمود المنتصر والدكتور محي الدين فكيني والسيد
مصطفى بن حليم، وكان من عادة الموظفين تفضيل العمل في مدنهم
الأصلية، مما لم يشجع الموظفين من برقة وخاصة صغارهم على طلب
العمل في الحكومة الاتحادية في طرابلس. كما أن الموظفين الجدد
الذين عينوا من طرابلس أخيرًا كانوا من الحاصلين على شهادات
جامعية ومن موظفي الرئاسة، ولم يتقدم أحد لهذه الوظائف من برقة
لشغلها عند إنشاء الوظائف الجديدة والإعلان عنها. هذا الوضع لم
يكن مقصودًا، ولكن انتقال الحكومة إلى مدينة البيضاء نهائيًا
لفت نظر كثيرين من سكان برقة ومدينة البيضاء بالذات ومن ضباط
قوة دفاع برقة ومستشاري قبائلها الذين أصبحوا يترددون على
مكاتب رئاسة مجلس الوزراء،
خاصة عندما تولى السيد حسين مازق رئاسة مجلس الوزراء، وقد
استغل ذلك بعض أصحاب النوايا السيئة من ضباط قوة الأمن في
البيضاء لاتهامي بالتعصب لطرابلس.
تقارير المخابرات عن موظفي رئاسة مجلس الوزراء
كان ياور رئيس الوزراء الملازم أول محمد أبو مرداس مساعدًا
للياور السابق لرئيس الوزراء العقيد عبدالسلام الكتاف، وقد حل
محله بعد أن عين هذا الأخير رئيسًا لجهاز أمن الدولة في طرابلس
في عهد رئيس الحكومة السابق السيد محمود المنتصر. وكان الملازم
أبو مرداس يعتبر من ضمن جهاز حراسة رئاسة مجلس الوزراء
التابعين لقوة دفاع برقة ويشاركهم مكاتبهم. وقد جاءني يومًا
غاضبًا وأعلمني بأن الضابط المسئول من أمن الدولة التابع لقوة
دفاع برقة، والمشرف على حراسة رئاسة مجلس الوزراء، يتجسس ويكتب
تقارير سرية مضللة عنه وعن جميع موظفي الرئاسة بما فيهم أنا،
فطلبت منه أن يحاول في غفلة منه أخذ ملف تقاريره من مكتبه
واحضاره لي واعتبار القيام بذلك بأمر مني.
وفعلاً جاءني في اليوم التالي بالملف وكان يحتوي على التقارير
السرية لذلك الضابط إلى مديره، وكانت تحرياته تتناول جميع
موظفي الرئاسة بما فيهم الياور الخاص الملازم أول أبو مرداس
نفسه والسكرتير الخاص السيد أحمد كعوان وسائق الرئيس الخاص
السيد محمد الشريف، ويضيف الضابط في تقريره بأن وجود هؤلاء،
ويعني الياور والسائق، حول الرئيس خطر على سلامته وأمنه وإنهما
يرسلان بتقارير عن تحركات السيد حسين مازق إلى العقيد
عبدالسلام الكتاف رئيس جهاز أمن الدولة بطرابلس ومنه إلى السيد
محمود المنتصر رئيس الديوان الملكي.
كما تعرضت تقارير هذا الضابط لي ووصفني بأنني متعصب لطرابلس
وكل موظفي الرئاسة من طرابلس وكلهم طابور خامس، وادعى بأني
أشيع بأن هناك تغييرًا وزاريًا سيجري قريبًا يخرج فيه السيد
حسين مازق ليحل محله رئيس من طرابلس. ويضيف بأني على اتصال
دائم بالسيد محمود المنتصر رئيس الديوان وأوافيه بتقارير عن
نشاط السيد حسين مازق وعمل الرئاسة، وأني ناصري وضد النظام
الملكي، وقد درست في مصر وأنتقد الحكومة ونشاطها ووجودها في
البيضاء، وأقطن أحد البيوت المخصصة للوزراء رغم أني أعزب
واستخدمه للسهرات واجتماعات أنصاري من الموظفين في البيضاء.
لقد صدمت بأن أكتشف أني كنت مراقبًا من قوات الأمن مع جميع
موظفي الرئاسة دون معرفتي وأنا المسئول الأول عن مكاتب الرئاسة
وموظفيها وأمين سر رئيس الوزراء. وكانت تقارير هذا الضابط
وزملائه مليئة بتهم ملفقة لجميع موظفي رئاسة مجلس الوزراء
فردًا فردًا ولا أساس لها من الصحة وتدل على سذاجة وتفاهة كاتب
تلك التقارير. كان موظفوا الرئاسة من طرابلس يعانون وضعًا
صعبًا في مدينة البيضاء، حيث كانوا يعيشون عزابًا دون
عائلاتهم، ولم أسمح لهم بالانتقال إلى إدارات حكومية أخرى في
طرابلس إلى جانب عائلاتهم حرصًا على سير عمل رئاسة مجلس
الوزراء على الوجه المطلوب.
ولذلك قررت وفي الحال رفع الموضوع إلى رئيس الوزراء نفسه،
وأخذت الملف وذهبت إلى بيته كالعادة لأعرض عليه بريد الرئاسة
وكان ذلك في الصباح الباكر. وبعد أن فرغت من عرض البريد
استأذنته في إثارة موضوع خاص. وبعد إذنه بدأت كلامي بتذكيره
بما سبق وأن قلته له عندما ألف الحكومة، ورفضي الانتقال إلى
الديوان الملكي بأن العرف جرى في ليبيا، وكما في معظم أنحاء
العالم، أن كل رئيس حكومة جديد يتولى الحكم يختار مساعديه
وموظفي مكتبه وخاصة السكرتير الخاص والياور الخاص وسائقه الخاص
ومدير مكتبه من أشخاص يعرفهم ويتمتعون بثقته. ولهذا فقد أوضحت
له أنني وموظفي رئاسة مجلس الوزراء مستعدون للانتقال إلى أية
إدارة حكومية أخرى في حالة رغبته تغيير جهاز مكتبه ولن نعتبر
مثل هذا الإجراء عدم ثقة، بل هو إجراء عادي متعارف عليه اتخده
معظم رؤساء ليبيا السابقين، أما بالنسبة لي فقد طلبت منه
إرجاعي إلى وزارة الخارجية بأي درجة كانت.
كان رد السيد مازق حاسمًا، وقال إنه يعرف وضع موظفي رئاسة مجلس
الوزراء ولم يفرض أحد عليه أي موظف، واستفسر عن سبب إثارتي
للموضوع معه من جديد. فقمت بإعطائه فكرة عن سبب ذلك وسلمته
الملف الذي يحتوي تقارير ضابط الأمن في الرئاسة وشرحت له ظروف
سحبه من الضابط المختص. وبعد أن ألقى نظرة سريعة على محتويات
التقرير ظهر عليه الغضب واحمر وجهه وهو رجل دبلوماسي ومتزن
وخجول ولا يعرف الإنسان ما يجول في خاطره. هل غضبه راجع إلى
استنكاره لإقدام ضباط الأمن على التجسس على موظفي مكتبه، أو أن
غضبه كان منصبًا على إهمال ضابط الأمن الذي ترك ملفه السري في
متناول الآخرين؟
وتوجه رئيس الوزراء إليّ بالكلام قائلا إنه لم يطلب من مدير
عام قوة الأمن ولا من أي ضابط أو شخص مراقبة أي موظف برئاسة
مجلس الوزراء، لأنه إذا كان لا يثق في بعض موظفي الرئاسة فمن
يستطيع أن يمنعه من نقلهم إلى مصالح حكومية أخرى، وأعرب عن
رضائه عن خدماتي وثقته في إخلاصي للعمل. وأراد أن يخفف من وقع
الموضوع بالقول إن مثل هذا العمل المشين لا يصدر إلا عن ضباط
أمن جهلة يفتقرون إلى المعرفة والخبرة، وهم يعتقدون بأن واجبهم
هو مراقبة الآخرين، وغالبًا ما يعتمدون على استنباطات خاطئة أو
معلومات لا أساس لها نتيجة جهل أو غاية في نفوسهم، وأبدى أسفه
وأنه سيعالج الأمور مع مدير الأمن العام اللواء مفتاح بوشاح،
وفعلاً اتصل به أثناء وجودي معه وطلب منه حضوره حالاً إلى
بيته.
واللواء مفتاح بوشاح تربطني به علاقة عمل وصداقة منذ تعيينه في
عهد حكومة السيد محمود المنتصر، وكان في تلك الفترة يأتي إلى
مكتبي كل صباح ويسلمني مظروفًا يحتوي تقارير إدارة أمن الدولة
التابعة له لتسليمها إلى رئيس الوزراء، وكان يرسلها أحيانًا مع
مساعده السيد يونس بلقاسم. ونظرًا لأني كنت أحيانًا أطلع على
بعض هذه التقارير، فقد لفت نظر اللواء بوشاح إلى أن بعض
تعليقات مساعديه على ما ينشر في الصحافة الوطنية والأجنبية
وبعض الكتب المدرسية تدل على عدم خبرة محرريها، فما يكتب عن
الانقلابات العسكرية والثورات ضد الأنظمة الملكية في الكتب
التاريخية والصحف ليس معناه دعوة إلى الثورة، ولا يستدعي
اقتراح وقف أو إلغاء رخصة جريدة أو مجلة سواء كانت وطنية أو
أجنبية أو منع كتاب من التوزيع لمجرد نشره مثل هذه الأمور التي
تتعرض إلى مواضيع تاريخية لا تعرّض أمن البلاد للخطر. واللواء
مفتاح بوشاح رجل قبلي شهم ومخلص لكن تعليمه بسيط ويتأثر بمن
حوله من الضباط وأكثرهم في مستواه العلمي، وهو مخلص للملك ومن
ضباط جيش التحرير السنوسي الذى أسسه الملك في مصر أثناء الحرب
العالمية الثانية.

النقيب يونس بلقاسم (1959)
غادرت منزل رئيس الوزراء في ذلك اليوم إلى مكتبي لأواصل عملي
كالعادة. وفي غضون ساعة أو أقل دق جرس الهاتف في مكتبي وكان
اللواء مفتاح بوشاح على الهاتف، وأخبرني بأنه في الطريق إليّ
ودخل مكتبي وعانقني وكان ينطق اسمي "بشير" باللهجة المصرية،
وهو اسم لا يستعمل في مصر إلا لسكان النوبة. وذكر لي بأنه لم
يأمر بفرض رقابة على موظفي الرئاسة ولم يطلب من رئيس ضباط
حراسة رئاسة مجلس الوزراء القيام بذلك وأشاد بعلاقاتنا. وأضاف
بأنه يعرفني ولا أحد يشك في إخلاصي للوطن والملك ووجودي في هذا
المكتب دليل على ثقة رؤساء الوزارات المتعاقبين، وأن تصرف ضابط
الحراسة سيحاسب عليه، وأنه قرر وأبلغ رئيس الوزراء بتغيير ونقل
كل ضباط وجنود الحراسة في رئاسة مجلس الوزراء بالبيضاء
واستبدالهم بأفراد متعلمين ولهم خبرة ومعرفة برجال الدولة حتى
يمكن ضمان عدم تكرار مثل هذا العمل. كما زارني بعد ذلك حكمدار
البيضاء وأبلغني أسفه بدوره وأنه نفذ تعليمات المدير العام
وغير فريق الحراسة برئاسة مجلس الوزراء.

من اليمين:
اللواء نورى الصديق رئيس الأركان، السيد محمود المنتصر
رئيس الديوان الملكي، الملك محمد إدريس السنوسي، السيد
حسين مازق رئيس مجلس الوزراء، الفريق مفتاح بوشاح مدير
الأمن العام
وهكذا أسدل الستار على هذه القصة، إلا أن الموضوع لم يغب عن
ذهن رئيس الوزراء وكبار ضباط الأمن في البيضاء، لأنه اعتبر
اختراقًا لسرية قوة الأمن، حتى إذا سلموا بعدم صحة المعلومات
الواردة في التقارير. وبعد أسابيع قليلة قام رئيس الوزراء
بتغيير ياوره وسائقه الخاصين المشار إليهما أعلاه بأشخاص
يعرفهم من قوة دفاع برقة عندما كان واليًا على برقة، وتقرر نقل
السيدين أبومرداس والشريف إلى مقر عملهما بطرابلس. وقد جعلني
هذا القرار أشك في مصداقية عدم تكليف ضباط الحراسة بمراقبة
موظفي الرئاسة. ورغم أني كنت أعتبر أن مثل هذا العمل بما فيه
الرقابة على الموظفين قد تقتضيه المصلحة العامة لكن هذا في
رأيي ليس معناه السماح لرجال المخابرات والأمن بتلفيق الأكاذيب
ضد أشخاص وموظفين يتولون وظائف هامة وحساسة ولا يشك أحد في
إخلاصهم للعمل والوطن.
ورغم استمراري في العمل برئاسة مجلس الوزراء ورغم المعاملة
الممتازة التي كنت ألقاها من السيد حسين مازق، إلا أنه بدأ
واضحًا لدى كبار الموظفين والوزراء والنواب وضباط الأمن ورجال
الأعمال، أنني لست من رجال السيد حسين مازق لكوني من طرابلس
وعلاقتي قوية بالسيد محمود المنتصر رئيس الديوان الملكي. وقد
جعل هذا الانطباع لدى هؤلاء الاعتقاد بأني لست قناة آمنة أو
مجدية للاتصال بالسيد حسين مازق كما كنت في عهد السيد محمود
المنتصر، وبدأوا يتصلون به عن طريق من كان على صلة به. كما
لاحظت بأن وكيل الوزارة لشئون مجلس الوزراء السيد مصطفى بن
سعود لم يعد يتعاون معي كما كان عليه في عهد الحكومة السابقة.
كما لاحظت أيضًا أن
وزارتي الخارجية
والدفاع ومدراء الأمن ورئيس أركان الجيش والمحافظون أصبحوا
يتصلون برئيس الوزراء رأسًا في الغالب. والسيد حسين مازق يتمتع
بصحة ممتازة وفكر صاف وحيوية ونشاط تجعله يتعامل مع كل هؤلاء
بمفرده رأسًا. كما حاولت الجهات التي تريد الاتصال برئيس
الوزراء، بما في
ذلك أصحاب الشكاوى والطلبات من مستشاري ورجال قبائل برقة،
البحث عن أشخاص ذوى صلة بالسيد حسين مازق لنقل طلباتهم وشكواهم
إليه. وقد اقتصر عملي والإدارات التابعة لي في رئاسة مجلس
الوزراء على الإجراءات والمراسلات الرسمية العادية، ودراسة
التقارير التي تصل إلى الرئاسة
وتزويد رئيس الوزراء بتعليقاتنا بشأنها وما ينشر في الصحافة
المحلية والأجنبية وتنفيذ تعليمات رئيس الوزراء وإعداد
مراسلاته الرسمية.

7 مارس 1964- الرئيس جمال عبدالناصر في استقبال
وزير الخارجية الليبي السيد حسين مازق
والسيد الطاهر باكير سفير ليبيا بالقاهرة
علاقة الديوان الملكي
برئاسة مجلس الوزراء
شعرت بعد فترة أن علاقة السيد حسين مازق مع السيد محمود
المنتصر لم تعد كما كانت عليه في الماضي، فقد كان هناك تبادل
للرأي بينهما حول المسائل الهامة بما في ذلك موضوع جلاء القوات
الأجنبية
والعلاقات الليبية البريطانية والأمريكية
والانتخابات، ولكن الوضع تغير بعد تعديل السيد حسين مازق
لوزارته وخروج معظم وزراء الحكومة السابقة، ولم يعد يتصل
هاتفيًا بالسيد محمود المنتصر كالعادة، كما أنه أصبح يقتصر في
اتصاله بالقصر الملكي بالسكرتير الخاص للملك رأسًا بما في ذلك
إرسال المراسيم الملكية للتوقيع.
وكان السيد محمود المنتصر يرغب بأن تحول المراسيم الملكية
ومشاريع القوانين على الديوان الملكي ليتولى الديوان دراستها
ورفعها إلى الملك بعد ذلك، غير أن هذا الأسلوب لم يتبعه السيد
محمود المنتصر إبان حكومته الأولى التي استقالت بسبب تدخل
الديوان الملكي وناظر الخاصة الملكية في شئون الدولة. وهكذا
أصبح السيد حسين مازق يسعى لكسب تأييد الجميع بما فيهم خصوم
حكومة السيد محمود المنتصر السابقة وفتح صفحة جديدة في حكمه
للبلاد.
ورغم أن السيد محمود المنتصر بقى رئيسًا للديوان الملكي حتى
الفاتح من سبتمبر سنة 1969م،
إلا أن دوره السياسي في سياسات وشئون الدولة أصبح اسميًا منذ
استقالته من رئاسة الحكومة. فهو لا يستشار من طرف رؤساء
الحكومات ولا من طرف الملك فيما يجري من أحداث، بل سمعت منه أن
الملك طلب منه أن يراعي صحته وأن يستريح ويلازم بيته وأنه، أي
الملك، سيتصل به أو يدعوه لزيارته في طبرق كلما احتاج إليه.
ورغم أن الملك والملكة واصلا الاتصال به للسؤال عن صحته ودعوته
إلى طبرق من حين إلى آخر، كما واصل هو الذهاب إلى مكتبه
كالعادة كل يوم في طرابلس.
وكانت شئون التشريفات التي يرأسها السيد فتحي الخوجة من أهم
الشئون التي يتولاها الديوان الملكي بالتعاون مع وزارة
الخارجية والجهات المعنية في الحكومة.
وكان السيد محمود المنتصر يتصل بي باستمرار وينتقد تخطي رؤساء
الحكومات للديوان الملكي وإرسال جميع المراسيم والقوانين رأسًا
للملك عن طريق السكرتير الخاص، وكان يتسائل عن ما هي اختصاصات
وأهمية وجود الديوان الملكي وتعيين مستشارين وموظفين به ما دام
لا يؤخذ رأيه. وكنت أجامله وأقول له إنه هو الذي ثار على تدخل
الديوان وناظر الخاصة الملكية في شئون الدولة أثناء حكومته
الأولى، كما أنه على ما أذكر وأعرف كان الشخص الوحيد عندما كان
رئيسًا للوزراء الذي يتصل بالملك رأسًا في أي وقت بالهاتف
ويذهب إلى طبرق في أي وقت ويدرس معه المراسيم ويوقعها الملك
بحضوره.
وكان السيد محمود المنتصر من بين رؤساء الوزراء الذين كانوا يتناولون طعام
الغذاء والعشاء على مائدة الملك بحضور الملكة كلما زار أو بقي
في طبرق، ولم يكن لرئيس الديوان أو ناظر الخاصة الملكية أو
السكرتير الخاص في عهده أي دور في عمل الحكومة وعلاقاتها مع
الملك. ويظهر أن الملك استفاد من أخطاء الماضي وأخذ برأي السيد
محمود المنتصر، بعد استقالته من حكومته الأولى ووفاة السيد
إبراهيم الشلحي، بعدم إعطاء فرصة لرؤساء ديوانه أو رجال حاشيته
بالتدخل باسمه بينه وبين رؤساء حكوماته طوال السنوات الأخيرة،
وأصبح يقصر اتصاله مع رؤساء الحكومات مباشرة أو عن طريق
سكرتيره.
الانتخابات النيابية لسنة 1965
عندما
تولى السيد حسين مازق رئاسة الحكومة في 20 مارس 1965م كانت
المعركة الانتخابية على أشدها وفي مراحلها الأخيرة بإشراف وزير
الداخلية السيد فاضل الأمير، الذي تولى الوزارة في عهد السيد
محمود المنتصر، وكان ينفذ تعليماته بشأنها حتى استقالته حسب ما
كان يقال في الأوساط الرسمية والشعبية. وفي الحقيقة وحسب ما
سمعت من وزير الداخلية لم تكن للسيد محمود المنتصر تعليمات
معينة ومحددة بشأن المرشحين. وهذا صحيح، لأني لا أذكر أن للسيد
محمود المنتصر أنصارًا معينين يريد فوزهم في الانتخابات أو
أعداء يريد إسقاطهم فيها، فقد كان يعتبر نفسه رجل الجميع
دائمًا، ولكن هذا لا يعني أنه لم يوعز إلى وزير الداخلية
بتنفيذ تعليمات الملك المعروفة حول عدم السماح بترشيح أو فوز
النواب المعارضين للاتفاقيات والمعاهدات العسكرية المعروفين.

السيد فاضل الأمير
ورغم أن الانتخابات جرت في عهد السيد حسين مازق، إلا أنه كان
يقول إنها جرت وفق تعليمات السيد محمود المنتصر ونفذها وزير
الداخلية السيد فاضل الأمير. وفي الحقيقة وضع السيد حسين مازق
لمساته الأخيرة فيها، وخاصة فيما يتعلق ببرقة. وقد سقط في هذه
الانتخابات جميع المرشحين المعروفين بمعارضتهم للاتفاقيات
العسكرية البريطانية والأمريكية والمنادين بالجلاء العاجل عن
كل التراب الليبي. كان أسلوب انتخابات 1965 مختلفًا عن
انتخابات 1964 كما اتضح من مجريات الانتخابات.
ففي الأولى قامت الحكومة بايقاف بضعة أفراد معروفين خلال ساعات
الترشيح، بينما في انتخابات 1965م
سمح للجميع بترشيح أنفسهم ولكن الحكومة، حسب ما أشيع، قامت
بوضع معظم بطاقات من لم يدلوا بأصواتهم في الانتخابات، وهم
كثيرون، في صناديق أنصار الحكومة، مما أدى إلى هزيمة المرشحين
المعارضين.
ورغم أن رد الفعل والغضب الشعبيين في انتخابات 1965م
لم يكن بقوة رد الفعل القوي لانتخابات 1964م،
إلا أنه حصلت احتجاجات كثيرة وطعن من طرف المرشحين الذين هزموا
في الانتخابات التي كانت موضع شك الجماهير. ففي المدن الكبرى
نجح أفراد غير معروفين وسقطت أسماء لامعة لها شعبية كبيرة
معروفة، وكان النواب الفائزين جميعهم من أنصار الحكومة.
علاقة حكومة السيد حسين مازق بمجلس الأمة
كان أعضاء مجلس النواب الجدد من أطوع نواب عرفهم مجلس النواب
الليبي في تاريخه، مما أتاح لحكومة السيد حسين مازق فترة طويلة
من الاستقرار والتفرغ لأعمال التنمية وتنفيذ مشاريع الخدمات
التي وضعت في عهد حكومة السيد محمود
المنتصر.
وكانت موافقة مجلس النواب على ما يعرض عليه من قوانين ومشاريع
تنمية تتم بعد مناقشات خلف كواليس المجلس وترضيات مع النواب
للاستجابة لمطالبهم العامة لصالح دوائرهم الانتخابية ومصالحهم
الخاصة. وكان يبت في هذه الطلبات من طرف الوزراء في حينها
بموافقة رئيس مجلس الوزراء، ولهذا كانت مدة دورات مجلس الأمة
قصيرة، ولم تكن جلسات مجلس النواب صاخبة كما كان عليه في
الماضي.
ولم يشهد مجلس النواب نقاشًا هامًا لمواضيع سياسية حساسة مثل
إلغاء المعاهدات والاتفاقيات العسكرية وجلاء القوات الأجنبية،
ولم يعد يجرؤ أي نائب على إثارتها أو المناداة بالجلاء. كما أن
رئيس الوزراء السيد حسين مازق لم يكن برلمانيًا بارزًا أو
خطيبًا مفوهًا للدفاع عن سياسة الحكومة في البرلمان. وكان يكره
المناقشات البرلمانية كما كان غيره من رؤساء الوزارات، ولهذا
كان يتجنب عقد جلسات مجلس الأمة لفترة طويلة ويقصرها على
مناقشة الميزانية السنوية والموافقة عليها.
وكان يختار موعد انعقاد المجلس قبل العطلات الرسمية والأعياد
ببضعة أيام لترفع الجلسات وتنفض الدورة ليعود النواب إلى
عائلاتهم في دوائرهم لقضاء عطلات الأعياد معهم، خاصة أن إقامة
النواب كعزاب في البيضاء غير مريحة، وكان أغلبهم يتوقون إلى
العودة إلى عائلاتهم وأعمالهم في طرابلس وبنغازي في أقرب وقت.
ونظرًا لاستقرار الحكومة في البيضاء البعيدة عن المدن
والتجمعات السكانية وعقد الدورات البرلمانية دائمًا فيها، فإن
الشعب لم يكن يتجاوب مع ما يجري في مجلس الأمة وقرارات الحكومة
في القضايا القومية الهامة التي كثيرًا ما تلاقي الاحتجاجات
والمظاهرات الشعبية، كما كان عليه الحال عندما تعقد جلسات
المجلس في مدينة طرابلس.
الشئون الخارجـية
عين
الدكتور أحمد البشتي وزيرًا للخارجية في أول تعديل لحكومة
السيد حسين مازق، كما عين الدكتور وهبي البوري، الذي اختاره
السيد حسين مازق وزيرًا للخارجية عندما ألف الوزارة، ممثلاً
لليبيا في الأمم المتحدة في نيويورك. وعقد في هذه الفترة مؤتمر
وزراء الاقتصاد لدول المغرب العربي في طرابلس. وحضر وزير
الخارجية مؤتمرات وزراء الخارجية العرب في القاهرة، كما حضر
مؤتمر وزراء الخارجية الأفارقة للإعداد لمؤتمر القمة الأسيوي
الإفريقي. كما عقد المؤتمر الخامس للأوبك في طرابلس، وكذلك
المؤتمر الثاني لمقاطعة إسرائيل في طرابلس.
بدأ السيد حسين مازق فترة حكمه أثناء أزمة العلاقات العربية مع
ألمانيا بعد قرار الجامعة العربية قطع العلاقات الدبلوماسية
معها بسبب مساعداتها لإسرائيل، إلا أن ليبيا مع بعض الدول
العربية الأخرى ترددت في تنفيذ هذا القرار واكتفت بسحب سفيرها
من بون، مما أثار رد فعل معاد في الصحافة العربية. وكان السيد
حسين مازق بطبيعته يتجنب حدوث أي خلاف مع الدول العربية وخاصة
مصر. ولم يقم بزيارات رسمية إلى الدول العربية والأجنبية ولم
يدخل في اتفاقيات جديدة مع أية دولة عربية أو أجنبية، وكانت
سياسة ليبيا الخارجية في عهده هي عدم الاحتكاك وعدم اتخاذ موقف
مخالف للاجماع العربي.
استمرت المفاوضات الليبية البريطانية والأمريكية الخاصة
بالجلاء في عهد السيد حسين مازق، كما توقفت في عهده الحملات
الصحفية في ليبيا على الاتفاقيات العسكرية والمعاهدة
البريطانية والمطالبة بجلاء القوات البريطانية. وتم في هذه
الفترة جلاء القوات البريطانية من إقليم طرابلس، كما اتفق عليه
مع حكومة السيد محمود المنتصر، دون ضجة إعلامية أو احتفال
وطني، رغم أنه أشيع بأن الملك طلب من بريطانيا وأمريكا سرًا عن
طريق سفيريهما في ليبيا عدم سحب قواتهما من طرابلس، إلا أن
الحكومة البريطانية كانت قد أصدرت قرار السحب حال موافقتها على
طلب ليبيا بالجلاء ولم يكن في إمكان الحكومة البريطانية إلغاء
القرار. وفي هذه الفترة أيضًا عملت الحكومة الليبية على إضعاف
ردود الفعل الشعبية للدعاية المصرية الناصرية وذلك بالموافقة
على مشروع إنشاء محطة للبث التلفزيوني المباشر وتخفيض عدد
المدرسين المصريين واستبدالهم بمدرسين من البلاد العربية
الأخرى.

السيد محمود المنتصر رئيس الوزراء في حوار مع وزير
خارجيته السيد حسين مازق والسيد بورقيبة الابن ومن
ورائهم السيد الباهي الأدغم رئيس الوزراء التونسي
وبعض أعضاء الوفد
الليبي أثناء زيارة الوفد الليبي لتونس في ديسمبر
1964
حضور ليبيا للعديد من المؤتمرات العربية والأفريقية
حضرت ليبيا في هذه الفترة العديد من مؤتمرات وزراء الخارجية
العرب والأفارقة ومؤتمرات القمة العربية والإفريقية، ومثل
ليبيا فيها الأمير الحسن الرضا ولي العهد نيابة عن الملك، الذي
لم يحضر أية قمة عربية أو أفريقية إلا القمة العربية الثانية
في الإسكندرية تحت إصرار السيد محمود المنتصر رئيس الحكومة
آنذاك. وحضر إلى جانب الأمير ولي العهد في القمم الإفريقية
والعربية وزير الخارجية الدكتور أحمد البشتي، ولم يشترك فيها
السيد حسين مازق. أما سياسة الحكومة في الداخل فاتبع السيد
حسين مازق سياسة معتدلة تتمشى مع التوجهات الإقليمية والقبلية.
النشاط الحكومي في المجال الداخلي
اهتمت الحكومة في عهد السيد حسين مازق بتنفيذ مشاريع التنمية
التي بدأ الإعداد لها والعمل فيها خلال الحكومة السابقة، بعد
تقوية وزارة التخطيط وتعيين الدكتور علي أحمد عتيقة وكيلاً
لها. وشملت هذه المشاريع في عهد السيد حسين مازق توفير مياه
الري، والطريق الساحلي، ومشروع إدريس للاسكان، وبناء جامعة
بنغازي، والتوسع في البناء والإنشاءات في مدينة البيضاء، وطرحت
العديد من العطاءات للمشاريع
الإنمائية التي نالت منها المنطقة الشرقية نصيبًا هامًا. جاء
السيد حسين مازق بالسيد سالم لطفي القاضي وزيرًا للمالية، وهو
من الشخصيات الليبية الذين تولوا الوزارة ورئاسة مجلس النواب
دون انقطاع منذ فترة الإعداد للاستقلال في حكومة طرابلس
المؤقتة قبل استقلال ليبيا سنة 1951م
وإلى الفاتح من سبتمبر 1969م،
وقد تولى رئاسة الحكومة بالنيابة في عهد السيد حسين مازق.
شخصية السيد حسـين مـازق
كان السيد حسين مازق شخصية فذة لمن عرفه عن قرب، فهو يتمتع
بصفات قلّ أن توجد في غيره من المسئولين الليبيين. فقد كانت
ثقافته عالية رغم عدم حيازته على شهادة جامعية، ولكنه تعلم في
ليبيا وتدرب في العمل الإداري في العهد الإيطالي وفترة الإدارة
العسكرية البريطانية. كان يتميز بقدرة على التعامل مع الناس
حسب مستوياتهم، فهو مع السفراء الدبلوماسي القدير الذي يحظى
باحترامهم وتقديرهم، وهو مع شيخ القبيلة فرد من القبيلة يتكلم
لغتها ويعرف حاجاتها وعاداتها، ومع الشباب المتعلم المثقف
الواعي يرتفع بآرائه ونقاشه إلى المستوى الثقافي المطلوب معهم
ويشاركهم حماسهم وأمانيهم وتطلعاتهم، ومع الأجانب على مختلف
مستوياتهم يرتفع إلى مستوى السياسي المحنك الحذر في كلامه
وتعليقاته، ومع أعضاء مجلس النواب متعاونًا ومتجاوبًا
لمقترحاتهم ومطالبهم، ومع أصحاب المصالح ورجال الأعمال متفهمًا
وكريمًا في حدود القانون والأعراف، ومع الفقير العادي كريمًا
وقاضيًا للحاجة وعطوفًا.
كان السيد مازق قوي الذاكرة يتذكر أي شخص سبق أن قابله في
مكتبه أو التقى به خارج العمل ولو مرة واحدة، أو أية رسالة
قرأها أو عرضت عليه مهما طالت المدة، ومن الصعب أن يعرف محدثه
ما إذا كان موافقًا أو معارضًا لرأيه. لا يغتاب أحدًا ولا
يعادي أحدًا جهارًا ولا ينتقد أحدًا من وراء ظهره أمام
الآخرين. يستقبل من يطلب مقابلته إذا سمح وقته بذلك، وهو يقضي
كل وقته في العمل في المكتب والبيت ويرحب بضيوفه ويودعهم
باحترام حتى باب مكتبه أو منزله، صادقًا في وعوده للآخرين بقدر
الإمكان، ولا يخيب رجاء أحد، ويسعد بتلبية مطالب المواطنين
بقدر المستطاع. كان يهاب الملك احترامًا ولا يصر على مقابلته
إلا إذا استدعاه، ولا يتصل رأسًا به ويفضل الاتصال به عن طريق
سكرتير الملك الخاص لنقل ما يريد إليه واستلام تعليماته عن
طريقه، ولذلك كسب ثقة السكرتير الخاص.
أما في مجلس الوزراء فقد كان صبورًا يستمع إلى كل من يريد
الكلام، أو له رأي مخالف. وتستمر جلسات مجلس الوزراء في عهده
أيامًا متتالية وإلى الساعات المتأخرة من الليل، مما جعل
الوزراء غير مرتاحين لتغيبهم عن وزاراتهم طوال جلسات المجلس،
خاصة أن كل الوزارات باستثناء الخارجية والدفاع كانت في
طرابلس، بينما مجلس الوزراء يعقد جلساته في البيضاء. لا يمل
مقابلات الناس على مختلف مستوياتهم لا فرق عنده بين مواطن أو
وزير، ويستقبل العشرات من أفراد عشيرته وقبيلته التي تسكن
البيضاء سواء في مكتبه نهارًا
أو في بيته
ليلاً.
كان يقيم في مدينة البيضاء بدون عائلته التي يزورها في بنغازي
في نهاية الأسبوع والعطلات الرسمية.
يحب والدته كثيرًا ولا يخيب لها طلبًا، ولهذا كان بعض أصحاب
الحاجات يلجأون إليها لايصال طلباتهم وشكواهم إليه.
حذر يثق في عدد قليل من الناس، وهو خجول ويحمر وجهه في حالة
الغضب دون أن يفقد اتزانه، ولا يحب إثارة المشاكل حتى بين
مساعديه ولا يلوم أحدًا أمام غريمه أو خصمه. لا يبت فيما يعرض
عليه على الفور ولا يتخذ قراره أو يبدي رأيه إلا بعد تفكير
وتدبر. شخصية يعتريها الغموض أحيانًا، لا يستطيع إنسان أن يعرف
ما يدور في خاطره.
يتهمه البعض بأنه كان منحازًا لبرقة ولقبيلته البراعصة ولمدينة
البيضاء، وهذا في رأيي ليس عيبًا، وكالمثل العربي القائل بأن
الأقرباء أولى بالمعروف. لا يستسيغ الإقامة في مدينة طرابلس
ولا يعرف فيها كثيرًا من المواطنين، خاصة أن الناس العاديين
ومشايخ القبائل والأعيان في طرابلس لم يتعودوا طلب مقابلة رئيس
الوزراء أو حتى الوزراء وكبار الموظفين. ولندرة ذهابه إلى
طرابلس فقد سمح لوزارة الإسكان بتخصيص بيت رئيس الوزراء في
طرابلس لأحد أفراد حاشية الأمير ولي العهد وأعتقد أن ذلك كان
بطلب من الأمير.
ولم يعد لرؤساء الحكومات الذين جاءوا بعده بيت حكومي رسمي في
طرابلس. فالسيد عبدالقادر البدري لم يذهب إلى طرابلس بتاتًا،
ورؤساء الحكومات من طرابلس مثل السادة محمود المنتصر ومصطفى بن
حليم ومحمد عثمان الصيد وعبدالمجيد كعبار ومحي الدين فكيني
وعبدالحميد البكوش كانوا يقيمون في بيوتهم الخاصة في طرابلس.
ولما جاء السيد ونيس القذافي إلى طرابلس في مهمة رسمية كرئيس
للوزراء لم يجد وزير الإسكان له بيتًا رسميًا يقيم فيه، واضطر
وزير الإسكان إلى أن يطلب مني بصفة شخصية استعمال بيتي الخاص
ولفترة أيام قصيرة لإقامة رئيس الوزراء، وانتقلت أنا للإقامة
في الفندق أثناء إقامة السيد ونيس القذافي في طرابلس.
وكما ذكرت، ورغم أن السيد حسين مازق يشعر بانتمائه وحبه إلى
برقة وقبيلته ومدينة البيضاء، إلا
أنه كان
حريصًا في تعييناته للموظفين ألا يكون محابيًا بقدر المستطاع.
وهو كالملك، علاقته مع بريطانيا وثيقة منذ كان واليًا ويرى
فيها الحليف الوفي، أما أمريكا فلا يشعر نحوها بود، وأعتقد أن
السبب أن أمريكا فضلت أن تجعل من طرابلس مقرًا لقاعدتها
وشركاتها ونشاطها وجاليتها، مما ساعد على نمو طرابلس عمرانيًا
واقتصاديًا، الشئ الذي حرمت منه بنغازي وبرقة بصفة عامة.
بريطانيا تفقد ثقتها في مازق كما فقدتها في المنتصر
فقدت بريطانيا ثقتها بالسيد حسين مازق كما فقدتها بالسيد محمود
المنتصر وذلك لإصرارهما على إلغاء المعاهدة والاتفاقيات
العسكرية معها وجلاء قواتها من ليبيا بأسرع وقت ممكن، واعتقدت
بريطانيا أن هدفهما من هذا كان التقرب من الرئيس عبدالناصر
وكسب شعبية في ليبيا. رغم أن الملك لم يكن راضيًا عن سياسة
الحكومة بإنهاء المعاهدات وجلاء القوات الأجنبية، التي وجد
نفسه بموجبها مضطرًا للسير معهما تحت ضغط الشعب حتى شارفت
العملية على الانتهاء،
واستدركها بعد
ذلك كما رأينا بعملية الاستقالة والرجوع عنها، مما جعل
الحكومات المتتالية لا تعطي الموضوع اهتمامًا خاصًا في
سياساتها ومخططاتها، وتناسته جماهير الشعب، وخمدت الانتفاضة
الشعبية التي أشعلتها قضية إلغاء الاتفاقيات والمطالبة
بالجلاء.
فقدان بريطانيا لثقتها في السيدين محمود المنتصر وحسين مازق
أكدها السير رودريك
ساريل سفير بريطانيا في ليبيا في تلك الفترة (1964-1969م)
في تقاريره العديدة والمفصلة التي كان يرسلها لوزارة خارجية
دولته، والتي رفعت عنها الصبغة السرية ونشرت في سجلات دار
المحفوظات البريطانية أخيرًا بعد مرور ثلاثين سنة لتصبح مرجعًا
تاريخيًا لسياسة بريطانيا في العالم. وكما ذكرت سابقًا كان
السيد حسين مازق يهاب الملك احترامًا وينفذ أوامره بدون
مناقشة، وإذا اختلف معه يبعث له وسيطًا له منزلة عنده مثل
اللواء مفتاح بوشاح مدير عام الأمن للمحافظات الشرقية أو أحد
مستشاري القبائل من كبار السن ليشرح للملك وجهة نظره.
كان السيد مازق يعامل خصومه في برقة معاملة حسنة، رغم أنهم لا
يكنّون له أي ود، خاصة الذين ينتمون إلى القبائل المنافسة
لقبيلة البراعصة. وكان يعامل السيد عبدالقادر البدري والسيد
عبدالحميد العبار رئيس مجلس الشيوخ معاملة خاصة، كذلك أبناء
الشلحي السيدين عمر وعبدالعزيز، رغم أن السيد البوصيري الشلحي
كان يخاصمه عندما كان واليًا على برقة. وقد غضب البوصيري من
السيد محمود المنتصر عندما اختار السيد حسين مازق ليكون وزيرًا
للخارجية في حكومته الثانية بعد أن كان مبعدًا منسيًا. كان
السيد حسين مازق أيضًا لا يطمئن للسيد عبدالله عابد السنوسي
ولا يتكلم معه، وقد قاطع هذا الأخير جميع الحفلات الرسمية في
عهد حكومات السادة محمود المنتصر وحسين مازق وعبدالقادر
البدري، لأنهم لم يخصصوا له مكانًا خاصًا للجلوس في الحفلات
الرسمية بين رؤساء السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية
لأنه لا يعتبر نفسه مواطنًا عاديًا لا يتمتع بأية صفة رسمية.
والسيد مازق لا يحب المظاهر ولا يرفع العلم على سيارة الرئاسة
ولا يحب مرافقة سيارات الحرس لموكبه حتى في الحفلات الرسمية.
ويعتبر السيد مازق نصيرًا للمرأة ويرى في الأستاذة حميدة
العنيزي رائدة وراعية لقضية المرأة ويقدر دورها في هذا المجال.
وقد صدر في عهده قانون يمنع الموظفين من الزواج بالأجنبيات
ووضع عراقيل إدارية أمام المواطنين العاديين الراغبين في
الزواج من أجنبيات.
السيد حسين مازق في رأيي من أذكى من عرفت. وكان طموحًا لتولي
زعامة البلاد عن طريق نفوذه القبلي في برقة وعلاقاته الوطيدة
مع بعض زعماء طرابلس الذين عرفهم في الحكومات المتتالية منذ
كان واليًا على برقة، رغم أنه لا يتردد كثيرًا على طرابلس.
وعقبته الوحيدة في المجال السياسي كانت عدم ثقة الملك الكاملة
فيه، ويرى فيه ضعفًا وترددًا في السيطرة على الأمور في الأزمات
كما حصل له في فترة الحرب الإسرائيلية العربية سنة 1967م.
أما علاقته بولي العهد فكانت عادية. وفي الفترة الأخيرة من
حكمه أقام السيد حسين مازق علاقة وطيدة مع السيدين عبدالعزير
وعمر الشلحي ليتقرب بهما إلى الملك، وكانت علاقاته وطيدة مع
السيد إدريس بوسيف سكرتير خاص الملك وقناة اتصاله بالملك كما
أوضحت
أعلاه.

السيد إدريس أحمد بوسيف (2007)
تولي الشيخ سالم القاضي رئاسة مجلس الوزراء بالوكالة
في سنة 1966م
سافر السيد حسين مازق في إجازة لأول مرة منذ توليه رئاسة مجلس
الوزراء إلى إيطاليا للعلاج والاستجمام، وعين أقدم الوزراء
السيد سالم لطفي القاضي وزير المالية رئيسًا للوزراء بالوكالة.
كان السيد سالم لطفي القاضي مخلصًا لرؤساء الوزارات الذين عمل
معهم ولهذا بقي في الوزارة أطول فترة من غيره من الوزراء،
بالإضافه إلى توليه رئاسة مجلس النواب لفترة طويلة. وكان بدوره
طموحًا ويأمل في إنهاء حياته السياسية بتولي رئاسة الوزراء،
خاصة أن الملك كثيرًا ما يختار رؤساء الوزراء الجدد من بين
أعضاء الحكومات المستقيلة القدامى، لذلك كان ينتظر دوره لتولي
رئاسة الحكومة بعد السيد حسين مازق، لأنه كان أقدم الوزراء
وتولى في عهده منصب رئيس الوزراء بالوكالة.
وأثناء
قيامه برئاسة الحكومة بالنيابة في عهد السيد حسين مازق أراد أن
يكسب ثقة الملك ورضا السيد حسين مازق، فسارع إلى البت في
عطاءات إنشاء مباني الحكومة ومنازل الوزراء والموظفين في مدينة
البيضاء. ويظهر أن الملك شعر بنقطة ضعفه فاستغل زيارته له في
طبرق وسلمه عن طريق سكرتيره الخاص ثلاثة مراسيم لإصدارها
بقوانين قبل مناقشتها معه، ولتنفيذها حالاً أثناء العطلة
البرلمانية الصيفية حتى لا يؤخر تنفيذها لعودة السيد حسين
مازق، ورفض الملك مناقشتها معه بعد أن سلمت له كما يقول الشيخ
سالم القاضي نفسه. وكانت هذه المراسيم الثلاثة تتعلق بإلغاء
الفوائد الربوية لقروض البنك العقاري والبنك الزراعي وكذلك
البنك المركزي، وقد رجع السيد سالم لطفي القاضي غاضبًا من
طبرق.

السيد سالم لطفي
القاضي
وكانت تربطني بالسيد سالم القاضي، كما بينت آنفًا، علاقة صداقة
ويعتبرني كابنه محمد الذي كان زميلي في الدراسة وأنا اعتبره في
مرتبة الوالد، فهو من مصراته وترتبط عائلته بعائلتنا منذ أمد
طويل.
وهو كريم ويحب الأدب والشعر ويحترم العلماء ويجالسهم، وكان يؤم
الناس في الصلاة في قبيلته الدرادفة.
وأذكر أنه استدعاني حال وصوله للبيضاء إلى بيته الملاصق لبيتي
وأخبرني بأن الملك لم يشاوره في إصدار هذه المراسيم الثلاثة،
وهي خطرة على الاقتصاد الليبي الذي يقوم على الاقتصاد المصرفي
الحر. وبعد استشارته للمستشار المالي عرضها حالاً على مجلس
الوزراء وحاول إقناع الوزراء بالموافقة على مرسومي إلغاء
الفوائد على قروض البنك العقاري والبنك الزراعي، وفعلاً وافق
مجلس الوزراء عليهما وصدرا في الحال.
أما مرسوم إلغاء الفوائد على عمليات بنك ليبيا المركزي فقد
لاقت معارضة من المستشارين والوزراء، ورفض نائب محافظ بنك
ليبيا والمحافظ بالوكالة السيد على جمعة المزوغي (لغياب
المحافظ السيد خليل البناني في إجازة) تنفيذه وهدد بتقديم
استقالته في حالة إصرار الملك على تنفيذ المرسوم بإلغاء
الفوائد على قروض البنك المركزي.

السيد على
جمعة المزوغي
السيد خليل البناني
وانعكس هذا الرفض في سير مناقشة مجلس الوزراء وحاول السيد سالم
لطفي القاضي بحنكته وخبرته السياسية أن يقنع الجميع بإلغاء
الوظيفة التجارية لبنك ليبيا المركزي والإبقاء عليه كبنك مركزي
فقط بحيث لا يتعامل مع الليبيين بالفوائد الربوية، مع الإبقاء
على نظام الفائدة في استثمارات البنك في الخارج حتى لا تحرم
البلاد من العوائد التي ستجنيها من استثماراتها في الخارج.
ولكن فكرته هذه لم تلق قبولاً لدى الوزراء ولدى البنك المركزي،
ولهذا سعى لدى الملك بتأجيل إصدار المرسوم الخاص ببنك ليبيا
المركزي لمدة ستة أشهر لدراسة ما يترتب عليه من أثار مالية
واقتصادية على البلاد. وهكذا نجح السيد سالم لطفي القاضي في
تخطي أخطر مشكلة واجهته، وتم حفظ مشروع المرسوم الخاص ببنك
ليبيا المركزي حتى عودة السيد حسين مازق من الإجازة، الذي
استطاع بدوره تأجيل البت فيه حتى حفظ نهائيًا. وأعتقد أن عدم
تنفيذ السيد سالم لطفي القاضي لمرسوم إلغاء الفوائد في معاملات
بنك ليبيا المركزي جعل الملك يغضب عليه ولم يفكر فيه بعد
استقالة السيد حسين مازق لإسناد رئاسة الحكومة له كما توقع
الشيخ سالم القاضي.
الاعتداء الإسرائيلي على مصر والأردن وسوريا
يوم 5 يونيو 1967م
كما ذكرت، تميزت فترة السيد حسين مازق لرئاسة الحكومة بالهدوء
والاستقرار حتى هبت عاصفة الحرب العربية الإسرائيلية سنة 1967،
وقيام الجماهير بمظاهرات صاخبة عمت جميع أنحاء ليبيا لم يعرف
له مثيلاً من قبل وذلك بمجرد إذاعة خبر الاعتداء الإسرائيلي.
وكانت الجماهير تهتف ضد بريطانيا وأمريكا لمشاركتهما في
الاعتداء الجوي على مصر حسب ما أعلنت إذاعات مصر وصوت العرب
بالذات. وشاركت الإذاعات العربية الأخرى في نشر الخبر بما في
ذلك تأكيد هذا التدخل من طرف الملك حسين نفسه في إذاعة الأردن،
وكان الوضع خطيرًا نظرًا لوجود القواعد العسكرية
البريطانية في برقة والقواعد الأمريكية في طرابلس.
وأذاع صوت العرب بأن القواعد البريطانية والأمريكية في ليبيا
استخدمت في الاعتداء على مصر، مما عرض القوات والجاليات
الأجنبية في ليبيا للخطر. وهاجمت الجماهير الغاضبة في بنغازي
وطرابلس وبقية المدن الليبية مساكن ومتاجر اليهود والسفارتين
البريطانية والأمريكية. كما حصل اعتداء على الأفراد والممتلكات
وتراشق بالحجارة مع القوات البريطانية في بنغازي
(التي لم تنسحب بعد حسب الاتفاق التي تم مع الحكومة الليبية)
والتي خرجت للمساعدة
في سلامة الرعايا الأجانب، ولم تستطع قوات الأمن الليبية وقف
العنف. كما أن الجماهير كانت في درجة الغليان والوقوف في وجهها
كان سيؤدي إلى كارثة وسقوط العديد من الضحايا، وزاد الطين بلة،
كما يقال، مشاركة أفراد قوة الأمن للجماهير في احتجاجاتها. كما
تردد ضباط الأمن في إصدار تعليمات باستعمال السلاح ضد
الجماهير، رغم تطور الاعتداء على الأفراد والممتلكات، وذلك
خوفًا من تكرار حوادث يناير 1964م
التي ألقيت مسئوليتها على ضباط الأمن في بنغازي وبقية المدن
الليبية.
كان السيد حسين مازق في موقف أقل ما يوصف بأنه حرج للغاية،
وكانت الحوادث أسرع من القدرة على اتخاذ قرار بشأنها. وكان
الملك غاضبًا أيضًا وكعادته يتابع الأمور من بعد ويراقب ما
تتخذه الحكومة دون إصدار أية أوامر إليها، وهو لا يتدخل عادة
في مثل هذه الحالات تاركًا الأمر لرئيس الوزراء والوزراء تحمل
مسئولياتهم. وقيل إنه كان متأثرًا من الاعتداء على الأردن،
خاصة وأن الأخبار الأولى كانت تؤكد اشتراك الطائرات البريطانية
والأمريكية في الاعتداء الإسرائيلي على مصر، مما زاد في تعقيد
الوضع بالنسبة إلى ليبيا، كما قيل إن الملك ذهب إلى خيمته في
الصحراء خارج طبرق، حيث يتعذر الاتصال به هاتفيًا، تاركًا
الأمر كله في أيدي الحكومة.
كان أول قرار اتخذته الحكومة إعلان استنكارها للاعتداء، ولكن
جماهير الشعب كانت تطالب بأكثر من هذا وتطالب باشتراك الجيش
الليبي في المعركة ودعم الدول المعتدى عليها بالمال حالاً،
والمطالبة من جديد بجلاء القوات البريطانية من بنغازي وطبرق
والقوات الأمريكية من طرابلس فورًا ووقف ضخ البترول. وفعلاً
أدى هذا إلى إضراب عمال البترول وتوقف الضخ فعلاً مما شل
التحرك الحكومي، كما كان صمت رئيس الوزراء غريبًا لمن حوله ولم
يكن راغبًا في اتخاذ قرار عاجل.
وكانت وزارة الإعلام بالذات في حيرة غير قادرة على اتباع سياسة
وتعليمات محددة من الحكومة وملاحقة الأحداث المتسارعة
والمتلاحقة، مما دفع بوزيرها الأستاذ خليفة محمد التليسي إلى
ربط الإذاعة الليبية بالإذاعة المصرية وصوت العرب الذي كان
يبعث بصيحات الحماسة ويندد بإسرائيل وبريطانيا وأمريكا. وواصلت
الصحف الليبية نشر ما تذيعه وسائل الإعلام المصرية، مما ساعد
على اشتداد العنف، وخاصة بعد تأكيد مصر والأردن اشتراك
الطائرات البريطانية والأمريكية في الاعتداء على مطارات مصر.
وشارك أفراد من الجيش الليبي انتفاضة الجماهير ورفضوا مساعدة
قوات الأمن على حفظ الأمن في البلاد، وأعربوا عن غضبهم لعدم
مشاركتهم وإعداد وسائل النقل لهم للذهاب إلى المعركة، وقطعوا
تعاونهم وعلاقاتهم مع أعضاء البعثة البريطانية العسكرية التي
كانت تتولى تدريب الجيش الليبي. كذلك احتجت القوة الجوية
الليبية التي كانت تتخذ من مطار الملاحة الأمريكي مقرًا لها
بمقتضى اتفاق مفاوضات الجلاء للإشراف على تحرك الطائرات
الأمريكية ومنعها من الاشتراك في أي اعتداء على البلاد
العربية، وقرر ضباطها الليبيون الانتقال بطائراتهم إلى مطار
إدريس الأول بطرابلس بعد تعذر التحكم في قيام وهبوط الطائرات
الأمريكية من مطار الملاحة.

السيد خليفة التليسي
وقام المقدم مصطفى القريتلي من الجيش الليبي بقتل عائلتين
يهوديتين ليبيتين مستعملاً في جريمته سيارات وأفراد الجيش
التابعين له. وكنت أعرف هذا الضابط جيدًا وقد كان زميلاً لي في
الدراسة وتعجبت من تصرفه غير السليم، إلا أنه يقال إنه أصيب
بلوثة عقلية أدت به إلى القيام بهذا العمل، الأمر الذي استنكره
الجميع وخاصة ضباط الجيش.
أما العمال وخاصة أعضاء اتحاد نقابات البترول فقد قرروا
الاضراب مطالبين الحكومة بمنع تصدير البترول لبريطانيا
وأمريكا، وقام العمال فعلاً بوقف الضخ إلى الموانئ البترولية
وإلى السفن الشاحنة الراسية في الموانئ. وقامت جماهير طرابلس
بقيادة عميد بلدية طرابلس الدكتور مصطفى بن زكري وبعض الشخصيات
الطرابلسية المعروفة بتأليف لجنة أهلية لتنفيذ مطالب الجماهير
بعد عجز الحكومة عن اتخاذ إجراءات عاجلة تتجاوب مع طلبات
الجماهير. وقد سيطرت بعض العناصر المتطرفة على هذه اللجنة
وطالبوا بإعلان العصيان المدني، مما أدى إلى عدم تعاون الحكومة
مع هذه اللجنة الأهلية. شمل التردد وعدم اتخاذ القرار وزارة
الخارجية الليبية بعدم مشاركتها العاجلة والفعالة في المساعي
العربية والاجتماعات العربية في القاهرة ونيويورك، وقد أدى هذا
إلى زيادة الهجوم على ليبيا، وخاصة من جانب مصر وأجهزتها
الدعائية.
أثـار العـدوان الإسرائيلي
بعد انتهاء فترة الارتباك التي أعقبت الحرب الإسرائيلية
العربية في أيامها الأولي دعى السيد حسين مازق مجلس الوزراء
للانعقاد وتم اتخاذ القرارات التالية: وقف تصدير البترول،
وتقديم دعم مالي عاجل للدول المتضررة من العدوان، وتلبية مطالب
الشعب بما في ذلك إرسال ألوية من الجيش الليبي للمشاركة في
المعركة. وكان الملك غير راض على عدم اتخاذ إجراءات أمنية لمنع
أعمال الشغب وقتل بعض اليهود وتدمير ممتلكاتهم، رغم عدم
اعتراضه على قرارات الحكومة في حينها.
كانت مدينة البيضاء يوم الاعتداء الإسرائيلي، كبقية المدن
الليبية الأخرى، تعج بالمتظاهرين المستنكرين للاعتداء، إذ خرج
أغلب سكانها وسكان ضواحيها في مظاهرات عارمة لأول مرة في
تاريخها. ولا أعرف من أين أتى هذا الكم الهائل من البشر رجالاً
ونساءً وأطفالاً، والتفوا حول مبنى رئاسة مجلس الوزراء يهتفون
وينددون بالاعتداء ويطالبون بما تطالب به جماهير الشعب في
طرابلس وبنغازي. وكنا في رئاسة مجلس الوزراء نتابع أخبار ما
يجري في المدن الليبية. ورغم تكذيب بريطانيا وأمريكا لخبر
اشتراكهما في الاعتداء لصالح إسرائيل، كما كانت إذاعات مصر
والأردن تؤكد، لم تقم الإذاعة الليبية بإذاعة خبر التكذيب
الأمريكي البريطاني لتهدئة جماهير الشعب الغاضبة وتخفيف الضغط
على القوات البريطانية في بنغازي والجاليات الأجنبية الكبيرة
في طرابلس وبنغازي.
وأذكر أن السفيرين البريطاني والأمريكي كانا يحاولان الاتصال
بالملك ورئيس الوزراء ووزير الخارجية دون جدوى، ولم يتمكنا إما
لرفض مكالماتهما أو لانشغال رئيس الوزراء ووزير الخارجية. وقد
قاما شخصيًا بالذهاب إلى مبنى رئاسة مجلس الوزراء في طرابلس
واجتمعا بالمستر بيت هارديكر المستشار الاقتصادي لرئيس
الوزراء، البريطاني الجنسية، والموجود في طرابلس. واتصل بي هذا
الأخير، وذكر لي أن السفيرين البريطاني والأمريكي في مكتبه،
ويأملان من الحكومة الليبية بصفة مستعجلة إذاعة بيان الحكومتين
البريطانية والأمريكية بنفي مشاركة القوات والطائرات الأمريكية
والبريطانية في المعركة لصالح اسرائيل في الإذاعة الليبية كخبر
على الأقل، لأن تكرار هذا الادعاء المصري في الإذاعة الليبية
يزيد الأمر تعقيدًا وتترتب عليه نتائج وخيمة.
وقد أبلغت رسالة السفيرين إلى رئيس الوزراء، فذكر لي أن
الموضوع قيد البحث وسيتصل بالسفيرين في الوقت المناسب
لإبلاغهما بأن النفي البريطاني الأمريكي سيذاع، خاصة أن
الحكومة الأردنية صححت الأخبار التي أذاعتها الإذاعة الأردنية
في الساعات الأولى للمعركة، عندما كان هناك اعتقاد في الأردن
بأن الطائرات الإسرائيلية العائدة من مصر كانت آتية من السفن
الحربية البريطانية والأمريكية المتواجدة في البحر الأبيض
المتوسط كما سجلت شبكة الرادار الأردنية.
استقالة حكومة السيد حسين مازق
تردد السيد حسين مازق في اتخاذ قرار عاجل أغضب الملك،
رغم أن الملك نفسه كان متأثرًا وأرسل بدوره برقية مؤثرة يظهر
من صيغتها أنه كتبها
بنفسه دون الاستعانة بأحد إلى الرئيس عبدالناصر والملك حسين
يستنكر فيها الاعتداء الإسرائيلي وشعوره بالألم لما تتعرض له
مصر الشقيقة والأردن الشقيق من خسائر في الأرواح والمعدات.
ورغم أن الملك وافق على الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المشار
إليها أعلاه، إلا أنه كان غير راض عن طريقة الحكومة في معالجة
الأزمة والتنازلات التي قدمتها للمعارضة، وإحجام قوات الأمن
والجيش عن التدخل السريع للحفاظ على الأرواح والممتلكات التي
تعرضت للدمار والحرق، وعجزها عن حماية الأقليات والأجانب في
البلاد على الوجه الأكمل. وبعد استقرار الوضع ومرور الأزمة
بسلام استدعى الملك السيد حسين مازق إلى طبرق وطلب منه تقديم
استقالته بعد استعراضه للأحداث التي وقعت وتردد حكومته في
القيام بواجباتها أثناء الأزمة، وكلف الملك بعدها السيد
عبدالقادر البدري بتشكيل الحكومة الجديدة.
_____________________________________
الفصل التالي
الفصل السابق
الرئيسية
|