الفصل الخامس: حكومة السيد عبدالقادر البدري
السيد عبدالقادر البدري رجل قبلي شهم وشجاع وثري وتحصيله
التعليمي بسيط. وكان معارضًا في البرلمان في كل عهود الوزارات
المتعاقبة لأنه لم يكن محتاجًا إلى أحد، وكان يقول دائمًا إنه
ليس في حاجة إلى مناصب الدولة. كان يتمتع بنفوذ في قبيلة
العواقير، وهو صديق للشيخ عبدالحميد العبار رئيس مجلس الشيوخ،
وهو من قبيلة العواقير
أيضًا.
وبعد أن فقد الملك الثقة في السيد حسين مازق نتيجة لتردده في
اتخاذ إجراءات مشددة ضد المظاهرات والانتفاضة الشعبية العارمة
ضد الاعتداء الإسرائيلي وحرب 1967م،
اختار الملك السيد عبدالقادر البدري رئيسًا لمجلس الوزراء، وهو
الشخص الذي عرف بالحزم وعدم التردد.
جرى تغيير طفيف في قائمة وزراء حكومة البدري الجديدة كالعادة
التي سار عليها الملك. وجئ بالسيد أحمد عون سوف وزيرًا
للداخلية، وهو شخصية قوية في طرابلس ويهابه الكثيرون، وقد سيطر
على الأمن في طرابلس.
وكان يتفقد ما يجري في المحافظات الغربية شخصيًا باستمرار،
وهو لا ينام ليلاً وعلى اتصال دائم هاتفيًا بمدراء الأمن
فيها، لكنه ليس له نفوذ في برقة، وهو يقول دائمًا
إنه لا يعرف عما يجري في المحافظات الشرقية وقوات الأمن فيها،
لأنهم لا يخضعون لوزير الداخلية ولا يعترفون به.
ومن النكات التي يحكيها البعض أن السيد أحمد عون سوف عندما
يسافر إلى بنغازي برفقة السيد أحمد عباس السوداني والموظف
المخضرم في الداخلية لا يجد في استقباله أي مسئول من محافظة
بنغازي أو من كبار ضباط الأمن فيها، وشوهد وهو يجر حقائبه
بمفرده إلى سيارته دون أن يقدم له رجال الأمن المنتشرين في
المطار أية مساعدة، ويغادر مطار بنغازي إلى مدينة البيضاء
لحضور اجتماعات مجلس الوزراء في سيارته دون حراسة. ولم يزر في
عهده كوزير للداخلية مدينة بنغازي أو أية محافظة من المحافظات
الشرقية. وعندما يرجع إلى طرابلس من البيضاء يكون في انتظاره
استقبال رسمي وجمع غفير على رأسه جميع محافظي محافظات المنطقة
الغربية في طرابلس وحكمداريها وكبار موظفي وزارة الداخلية
ومحافظة طرابلس وكبار رجال الأمن فيها ولفيف من الأنصار،
ويغادر مطار طرابلس إلى بيته أو مكتبه في موكب رسمي كبير
تتقدمه وتحف به الدراجات النارية والسيارات الحاملة لقوات
الأمن ويتبعه طابور طويل من سيارات المستقبلين والحرس.

السيد عبدالقادر البدري
رد فعل تعيين السيد البدري رئيساً للوزراء
استُقبل تعيين السيد عبدالقادر البدري باستغراب وانتقاد من
الجميع حتى من الوزراء، وخاصة القدامى منهم، الذين يعتقدون
أنهم أولى منه بمنصب رئيس مجلس الوزراء وذلك لمستوى تعليمه.
واستقال في الحال السيد سليمان الجربي وزير الدولة لشئون رئاسة
مجلس الوزراء، والذي كان يفكر في الاستقالة منذ أن عين من طرف
السيد حسين مازق، لأسباب كثيرة أهمها عدم وضوح اختصاصات وزير
الدولة لشئون رئاسة مجلس الوزراء، والأهم من ذلك
هو عدم رضائه على تعيين السيد عبدالقادر البدري رئيسًا
للوزراء، لأنه يرى أنه أقدم منه وأكثر تعليمًا وخبرة بشئون
الدولة، وكان يرى منذ قدومه للحكومة أن المستوى الثقافي
والسياسي للوزراء والمسئولين في الدولة أصبح متدنيًا. وكان
السيد الجربي حسب ما أعتقد لا يطمح في رئاسة الحكومة أو يرغب
في تحمل مسئوليات كبيرة لا تتمشى مع مطامحه المتواضعة، وكان
يحبذ أن يكون سفيرًا كغيره من كبار المسئولين الذين أصبحوا
يشعرون أن المناصب العامة في الداخل أصبحت معرضة لمشاكل كثيرة،
أهمها تدخلات الحاشية الملكية، والضغوط الشعبية الموجهة من
القاهرة بوسائل الإعلام، والمطالب القبلية المؤيدة من القصر،
ولكن السيد عبدالقادر البدري طلب من السيد سليمان الجربي
البقاء في منصبه حتى يبت في أمر استقالته.
وكان السيد سالم لطفي القاضي وزير المالية وأقدم الوزراء على
رأس المتذمرين من تعيين السيد البدري، والذي كان يرى أنه أولى
بمنصب رئاسة الوزراء، وكان أمل السيد سالم القاضي أن ينهي
حياته السياسية كرئيس للوزراء، فقد عمل مع كل رؤساء الحكومات
وبقى وزيرًا حتى الفاتح من سبتمبر 1969م.
وكانت علاقتي بالسيد سالم القاضي وطيدة ويحترمني ويصارحني
برأيه فيما كان يجري.
اتخذ السيد عبدالقادر البدري من السيد عبدالحميد البكوش وزير العدل مساعداً ومستشاراً، فالأستاذ عبدالحميد البكوش شخص متعلم وقانوني معروف وكاتب.
وفوجئت جماهير الشعب بشدة الإجراءات ضد المظاهرات والاعتقالات وتقييد حركات العمال والطلاب التي فقدت الحكومة السيطرة عليها في الأيام الأولى لحرب
1967 بسبب عدم رغبة السيد حسين مازق اتخاذ
إجراءات مشددة ضد رد الفعل الشعبي للاعتداء الإسرائيلي واتهام بريطانيا وأمريكا بالتدخل لصالح إسرائيل.
ولم يجر السيد عبدالقادر البدري أي تغيير في الوزراء والموظفين وواصلت عملي كوكيل وزارة لشئون رئاسة مجلس الوزراء، ورفض السيد عبدالقادر البدري بدوره طلبي بنقلي إلى السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية بمجرد أن أعربت له عن رغبتي في ذلك.

بشير المنتصر
وكيل الوزارة لشئون رئاسة مجلس الوزراء والسيدان محمد موسى وكيل وزارة الأشغال (مرتديًا الطربوش) وإبراهيم محمد الميت من وزارة الخارجية
أثناء حفل العشاء الذى يقيمه رئيس الوزراء بمناسبة
عيد الاستقلال في 24 ديسمبر
كان السيد عبدالقادر البدري يعمل معظم الوقت من بيت رئيس
الوزراء في البيضاء أو من بيته الخاص في بنغازي، ولا يأتي إلى
مبنى رئاسة مجلس الوزراء إلا لحضور جلسات مجلس الوزراء. وكنت
أذهب إليه في البيت لأستعرض معه بريد الرئاسة، وقد ترك لي حرية
التصرف في البريد وعدم إرسال البريد إليه كما جرى العمل مع
السيد حسين مازق، لأنه كما يقول ليس لديه وقت لقراءة كل هذا
البريد، وطلب مني أخذ رأيه إذا استدعى الأمر في المراسلات
الهامة فقط.
كان السيد عبدالقادر البدري متفهمًا لما يجري بين طبقات الشعب،
فقد كان في البرلمان معارضًا، رغم أنه لم يكن ضد النظام. ويقال
إن الشيخ عبدالحميد العبار، وهو من قبيلته وأحد أعضاء المجلس
الاستشاري للملك، كان في طبرق أثناء تعيين السيد عبدالقادر
البدري رئيسًا للحكومة، وهو الذي أوصى الملك بتعيينه. كانت
علاقة السيد عبدالقادر البدري بالسيد حسين مازق ودية في الظاهر
رغم التنافس القبلي، إلا أن السيد عبدالقادر البدري كان ينتقد
السيد حسين مازق في سياسته وموقفه المتردد أثناء أحداث حرب
يونيو 1967 ويصفه بالضعف ويقول إنه دفع البلاد نحو الفوضى.
وكان كغيره من زعماء برقة حريصًا على المحافظة على مصالح برقة،
وكان يتهم الانتفاضة الشعبية التي قامت في طرابلس أثناء حرب
يونيو بأنها إقليمية، ويؤكد دائمًا بصراحة أن برقة لن تقبل
سيطرة إقليم طرابلس على الأمور في ليبيا، وأن الميزة السكانية
التي تعتمد عليها طرابلس تقابلها ميزة وجود معظم حقول البترول
في برقة في تلك الفترة، مما يشكل توازنًا في الثقل السياسي بين
الإقليمين، وكان يفضل بقاء الحكومة في البيضاء، رغم أنه يفضلها
في بنغازي لكنه يعرف أن ذلك كان مستحيلاً لأسباب كثيرة سبق لي
ذكرها.
كانت علاقة السيد عبدالقادر البدري بالسيد محمود المنتصر رئيس
الديوان ودية للغايه لكنه لم يكن يستشيره في شئون الحكم، وكان
السيد البدري يرجع إلى الشيخ عبدالحميد العبار للاستشارة.
وتركز عمل السيد عبدالقادر البدري على شئون الأمن والجيش
وإعادة الأمور إلى نصابها بعد أزمة الانتفاضة الشعبية إثر حرب
يونيو 1967م.
ونظرًا لمواقفه المتشددة مع الحاشية الملكية لم تدم فترة
رئاسته للحكومة سوى أربعة أشهر استقال أو أقيل بعدها وعين
بدلاً منه السيد عبدالحميد البكوش رئيسًا لمجلس الوزراء.
حكومة البدري وتعاملها مع المظاهرات والاضرابات
كانت سياسة السيد عبدالقادر البدري متشددة ضد الحركات الوطنية،
وألقت الحكومة في عهده القبض على كثير من الشباب المتحمس وعلى
المنتسبين إلى التنظيمات الحزبية السرية. كما حاول الحد من
نفوذ بعض العناصر في القصر الملكي، خاصة أنهم كانوا في رأيه
مصدر قلاقل وعدم استقرار في الدوائر الحكومية وفي شئون التجارة
والعطاءات ولتمتعهم بحصانة. وكان موظفوا القصر، على اختلاف
درجاتهم، يتقدمون بطلبات للحكومة وتلبى طلباتهم من قبل بعض
الموظفين المعروفين بارتباطاتهم بالحاشية الملكية والمعينين
بتوصية منهم، مما أضعف من سلطات الحكومة وسيطرتها على الأمور.
حاولت مع السيد عبدالقادر البدري أن أشرح له وجهة نظري في شأن
الاعتقالات التي حصلت بعد مظاهرات حرب يونيو، والقبض على
الطلاب وبعض الشباب المتعلم والحزبي العاملين في الحكومة
والشركات. ولكن رغم استماعه إلى رأيي كان كغيره يعتقد أن سبب
اهتمامي ومعارضتي للاعتقالات يرجع إلى وجود ابن عمي السيد عمر
مصطفى المنتصر بينهم، لكنني كنت واثقًا أن هؤلاء الشباب لا
يشكلون خطرًا على النظام والأمن ولكنهم مندفعين بحماس الشباب
ووطنيته وحيويته وطموحاته وآماله. وقد وعدني السيد عبدالقادر
البدري بأنه لن يلحق أي أذى بأي واحد منهم ما دام على رأس
الحكومة، وهو يحاول عدم تقديمهم للقضاء، رغم أن الملك مصر على
ذلك. وهذا كان موقف السيد عبدالحميد البكوش عندما أثرت الموضوع
معه بعد استقالة السيد عبدالقادر البدري، وكان بدوره يجاملني
بل صارحني بأنه يعرف أن سبب اهتمامي بهم راجع إلى وجود السيد
عمر مصطفى المنتصر بينهم، وهذا ليس كل الحقيقة، ولكني كنت
أتكلم بدافع وطني ومصلحة الحكومة واستقرار البلاد.

السيد عمر مصطفى المنتصر
كان السيد عمر مصطفى المنتصر ضمن الذين حكم عليهم في قضية
القوميين العرب وقد حكم عليه مع ثلاثة من زملائه بأربع سنوات،
بينما حكم علي باقي المتهمين بفترات أقل متفاوتة. وكان عمر
مصطفى المنتصر يراسلني من السجن نظرًا لقرابتي له ولعلاقتي
الوطيدة معه، ولا أعرف كيف كان يرسل ببريده إلى صندوق بريدي في
طرابلس، ويظهر أنه كان يكلف أحد زواره بتوصيل بريده إلى صندوقي
دون طوابع بريد. وكانت رسائله طويلة مكتوبة باللغة الإنجليزية
وتشرح ظروف سجنه. وكان ينتقد السيد عبدالحميد البكوش وزير
العدل في وزارة السيد عبدالقادر البدري ورئيس الوزراء اللاحق،
ويقول إن كل التهم التي وجهت إليهم مختلقة لأنهم حلوا التنظيم
السري للقوميين العرب منذ عهد حكومة السيد حسين مازق وبمعرفته
وتم ذلك في مكتبه عندما كان رئيسًا للوزراء، ومنذ ذلك التاريخ
توقف نشاط القوميين السري. وأن أسباب إلقاء القبض عليهم في
الحقيقة ترجع إلى كونهم أعضاء في نقابات عمال البترول الذين قاموا
بوقف ضخ البترول أثناء الاحتجاجات الشعبية على الاعتداء
الإسرائيلي على مصر وسوريا والأردن في يونيو سنة 1967م،
كما أن الخلاف القديم بين القوميين العرب من الليبيين والسيد
عبدالحميد البكوش عندما كانوا طلابًا في القاهرة في الخمسينات
كان عاملاً كبيرًا في معاملتهم بشدة وقسوة.
كنت أعتقد عن إيمان أن تعقب الطلاب والشباب المتحمس من طرف
الحكومة ضار بالمصلحة العامة والنظام السياسي للبلد. فالاختلاف
في الرأي شئ طبيعي بين البشر، ويجب السماح بحرية التعبير
للطلاب والشباب فهي أجدى من الكبت التعسفي، ولهذا كنت دائمًا
حريصًا، خلال عملي برئاسة مجلس الوزراء، على مقابلة الطلاب
والاجتماع بممثليهم أثناء المظاهرات ومناقشتهم في مطالبهم.
وأذكر أني كنت اجتمع برئيس اتحاد الطلاب في طرابلس السيد جمعة
الفرجاني أثناء مظاهرات الطلاب، التي انتشرت بعد خطاب الرئيس
جمال عبدالناصر حول القواعد العسكرية في ليبيا، محاولاً إقناع
الطلاب باللجوء إلى الهدوء لأن موضوع الجلاء كان موضع اهتمام
الحكومة.
وقد استطعت إقناع السيد ونيس القذافي عندما أصبح رئيسًا
للحكومة بالمحاولة مع الملك لإصدار عفو كامل على من تبقى من
سجناء القوميين العرب وضابطين من سلاح الطيران هما مفتاح
الفرجاني وفتحي بن طاهر اللذين هربا بطائرة عسكرية إلى الجزائر
عقب انتهاء حرب يونيو 1967م.
وقد أرسل رئيس الوزراء فعلاً مراسيم بالإعفاء الكامل عن
المسجونين السياسيين والعسكريين إلى الملك بمناسبة الأعياد
الوطنية ضمن مراسيم الإعفاء العادية بتخفيض فترات السجن على
جميع المسجونين، ولكن مرسوم الإعفاء الكامل الخاص بالسياسيين
والعسكريين أرجع لرئيس الحكومة بدون توقيع على أساس استفادة
الأشخاص الواردة أسماؤهم في هذا المرسوم من الإعفاء العام
كغيرهم من المسجونين.
السيد عبدالقادر البدري وإلغاء المعاهدات والجلاء
كان
موقف السيد البدري من المعاهدات والاتفاقيات العسكرية
البريطانية والأمريكية في تلك الفترة غير واضح ولم يعلنه
صراحة خلال فترة حكمه القصيرة، رغم أن المعروف عنه أنه كان ضد
المعاهدات والاتفاقيات العسكرية عندما كان في البرلمان عند
الموافقة عليها في السنوات الأولى للاستقلال. وقد استمرت في
عهده المباحثات الليبية البريطانية لإتمام الجلاء عن بنغازي
والمباحثات الليبية الأمريكية للجلاء عن مطار الملاحة، كما
يعلن في خطب العرش عادة، ولكن هذه المباحثاث لم تعد بالأهمية
التي كانت عليها في عهد حكومة السيد محمود المنتصر على المستوى
الرسمي والشعبي ومنذ استقالة الملك.
كان بعض زعماء برقة يشعرون بقوة المطالب الشعبية بجلاء القوات
الأجنبية عن ليبيا، فالشعب في برقة كان متضامنًا مع جماهير
الشعب في طرابلس في المطالبة بجلاء القوات الأجنبية، إلا أن
حرص هؤلاء الزعماء على توازن القوى بين برقة وطرابلس ووجود
مخاوف بينهم باحتمال سيطرة طرابلس على الأمور في ليبيا في حالة
وفاة الملك أو تنحيته عن الحكم، جعلهم يشعرون بخطورة جلاء
القوات الأجنبية على التوازن بين الإقليمين. ورغم أنهم لم
يستطيعوا معارضة الجلاء علنًا، إلا أنهم كانوا غير متحمسين
للإسراع بالجلاء أو التجاوب مع دعوة الرئيس عبدالناصر إلى
جلاء القوات الأجنبية
من ليبيا.
كان السيد عبدالقادر البدري صريحًا، ويرى أن قبيلته (العواقير)
أولى بزعامة برقة من قبيلة البراعصة التي كانت تحتل مركز الثقل
في هيكل السلطة الحكومية في ليبيا، ووجود الحكومة في البيضاء
ساعد على تقوية نفوذها، رغم أن قبيلة العواقير هامة لوجودها في
مدينة بنغازي وضواحيها والتي يقطنها أغلبية السكان في برقة.
وقد أثار انحياز السيد البدري لقبليته العواقير بعض المشاكل،
عندما قام بتعيين مستشارين لقبائل برقة وتخصيص مرتبات سخية
لهم، وكان من ضمنهم عدد غير قليل من قبيلة العواقير، الأمر
الذي تحاشى السيد حسين مازق أن يقوم به خلال الفترة الطويلة
التي قضاها في الحكم، لأنه كان يعرف حساسية مثل هذا الموضوع
بين قبائل برقة، وقد ترتب على قرار السيد البدري هذا احتجاج
القبائل الأخرى لدى الملك، الذي كان بدوره يحرص على حفظ
التوازن بين قبائل برقة.
لم يكن للسيد عبدالقادر البدري نشاط في مجال السياسة الخارجية
خلال الفترة القصيرة التي تولى فيها الحكم في المجالين العربي
أو الدولي، ولم يقم بأية زيارات خارجية، ولم يزر ليبيا أحد من
كبار المسئولين الأجانب في عهده.
استقالة السيد عبدالقادر البدري
من مزايا السيد عبدالقادر البدري صراحته واعتداده بنفسه، ولهذا
لم يسمع نصيحة المحيطين به بما فيهم السيد عبدالحميد البكوش
وزير العدل وأقرب الوزراء إليه، بعدم التعرض لعائلة الشلحي ذات
النفوذ القوي لدى الملك. ولكن السيد عبدالقادر البدري أثار مع
الملك وضع العقيد عبدالعزيز الشلحي في الجيش وتصرفاته وتذمر
ضباط الجيش منه وتدخل أفراد عائلة الشلحي في أنشطة الوزارات
بتعيين ودعم بعض كبار الموظفين، مما جعل هؤلاء الموظفين
يتصرفون في شئون العمل دون الرجوع إلى وزرائهم.
وطلب السيد عبدالقادر البدري طلبًا رسميًا من الملك بنقل
العقيد عبدالعزيز الشلحي من الجيش وكذلك نقل وكيل وزارة
المالية وآخرين. كما رفض تجديد جوازات السفر الدبلوماسية
لأرملة السيد إبراهيم الشلحي وبناتها، وكن جميعهن يحظينّ بنفوذ
ورعاية
خاصة من طرف الملك. وقد وجد الملك في تصرف السيد عبدالقادر
البدري عدم اللياقة لسوء معاملة عائلة ناظر خاصته السابق وصديق
عمره إبراهيم الشلحي، رغم أن الملك لم يعلن، كعادته، عن
معارضته للإجراءات التي اتخذها رئيس وزرائه، إلا أن الملك شعر
بتزايد الشكوى ضد السيد عبدالقادر البدري من بعض القبائل
أيضًا. ويقال إن الملك طلب منه تقديم استقالته، بينما يقول
البعض إن السيد عبدالقادر البدري عندما شعر بعدم رضا الملك
سارع إلى تقديم استقالته، بعد فترة لا تزيد عن أربعة أشهر
قضاها في الحكم ومهد الطريق للأستاذ عبدالحميد البكوش لتولي
الوزارة بعده.
______________________________________
الفصل التالي
الفصل السابق
الرئيسية
|