| 

الرئيسية

 

 

الفصل السابع: حكومة السيد ونيس القذافي

 

كان إعفاء الملك للأستاذ عبدالحميد البكوش تحذيرًا لبريطانيا وأمريكا وتأكيدًا لهما بأنه الشخص الوحيد الذي له الحق الفصل في تقرير مستقبل النظام الليبي والبت في علاقات ليبيا مع الدول الأجنبية. وقد كان رد فعل إعفاء السيد عبدالحميد البكوش وإلغاء زيارته لبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية سيئًا في لندن وواشنطن، وزاد من شكوك الدولتين في عدم رغبة الملك في الإصلاح، وأنه يفضل أن يستمر في إدارة شئون الدولة بأسلوبه القديم وعدم إعطاء حكومته والبرلمان مبادرة التحرك، وعدم قدرته على التجاوب مع المستجدات في البلاد، وهذا في نظرهما غير صالح للنظام واستقراره، ويعرض المصالح البريطانية والأمريكية والغربية بصفة عامة في ليبيا الغنية بالبترول إلى الخطر في حالة حصول أي حركة شيوعية أو قومية ضد النظام أو في الجيش، بتشجيع من جيرانها مصر برئاسة الرئيس جمال عبدالناصر والجزائر برئاسة الرئيس هواري بومدين.

وأعتقد أن إعفاء الملك للسيد عبدالحميد البكوش من رئاسة الحكومة كان القشة التي قسمت ظهر البعير، إذ فقد الملك بهذا القرار حليفيه الأقربين بريطانيا وأمريكا ولم يأخذ رأيهما مسبقًا. ومنذ ذلك التاريخ أصبحتا في حل من حلفهما معه، ولم يعد الملك في مركز يعتمد فيه على مساعدتهما في أي أزمة قد تواجهه مستقبلاً، ويظهر أن بريطانيا وأمريكا قررا منذ ذلك التاريخ عدم الوقوف ضد أي تغيير داخلي أو أية حركة ضد النظام في ليبيا. وبالنسبة لأمريكا كانت لا تمانع حتى ولو كان التغيير ناصريًا، لأن علاقاتها مع الرئيس جمال عبدالناصر أصبحت تتميز بالتعامل المتبادل معه على أساس احترامه لمصالحها في المنطقة مقابل لجم التوسع والعداء الإسرائيليين.

حيرة الملك في اختيار رؤساء حكوماته
 

أعتقد أن الملك إدريس كان في حالة نفسية سيئة وغير قادر على التفكير السليم عند إعفائه السيد عبدالحميد البكوش من منصبه. ويبدو أن الملك فقد الأمل في الجميع، إذ جرب الساسة القدامى مثل السيد محمود المنتصر والسيد حسين مازق فوجد منهما تساهلاً مع التيار الناصري الشعبي ورغبة كل منهما في السير مع هذا التيار. كما جرب الساسة الشباب مثل الدكتور محي الدين فكيني والسيد عبدالحميد البكوش، فوجد في سياستهما خطرًا عليه وعلى النظام الذي رسمه لليبيا. وقد انعكست حالته النفسية أيضًا في اختيار السيد ونيس القذافي كشخصية إدارية لتسيير الأمور بصفة مؤقتة، وإعطاء نفسه مزيدًا من الوقت في التفكير في مشروعه الخاص بتعديل الدستور وإقامة نظام جمهوري، وفي اختيار العناصر المخلصة القادرة على التجاوب مع رغباته وسياساته، ومساعدته في الخروج من الحيرة التي يعيشها.

كانت استقالة السيد عبدالحميد البكوش غير متوقعة، خاصة أنها جاءت في فترة كان يستعد فيها لزيارة لندن وواشنطن، وقد أعدت الترتيبات للزيارتين من طرف لندن وواشنطن، كما دلت على سوء تقدير السيد عبدالحميد البكوش لعقلية الملك وتفكيره، ولهذا لم يكن يتوقع قرار الملك بإعفائه. وكان يرغب في الفترة الأخيرة تعديل الوزارة وإخراج الوزراء القدامى، وقيل أيضًا إخراج السيد أحمد الصالحين الهوني وزير الإعلام وأنا أيضًا وبعض الوزراء كما أخبرني السيد أحمد الصالحين، الذي كان على اتصال برجال القصر. لكن الملك تلكأ ولم يحدد للسيد عبدالحميد البكوش موعدًا للمقابلة لتعديل وزارته لفترة طويلة، ولهذا شعر السيد البكوش بإمكانية إعفائه من منصبه، وكان يتمنى أن يخلفه صديقه الدكتور علي أحمد عتيقة في مثل هذه الحالة، ويقال إنه أوصى به الملك عندما طلب منه تقديم استقالته. ولكن الملك لم يأخذ بنصيحته ربما لأنه كان يعتقد أن الدور لبرقة، فهو كما رأينا يوزع منصب رئيس الوزراء بين طرابلس وبرقة، وأتى بالسيد محمد عثمان الصيد ليرضي فزان أيضًا. (علمت من الدكتور علي عتيقة أخيرًا أن السيد عبدالحميد البكوش اقترح عليه فعلاً أن يعرض اسمه على الملك إدريس ليخلفه لرئاسة الحكومة ولكن الدكتور علي عتيقة طلب منه أن لا يفعل ذلك).

وبعد مقابلته للملك ورجوع السيد عبدالحميد البكوش إلى طرابلس استدعى السيد ونيس القذافي وزير الخارجية من القاهرة، حيث كان يحضر اجتماع وزراء الخارجية العرب، وطلب منه الذهاب رأسًا إلى طبرق لمقابلة الملك. وبتاريخ 4 سبتمبر 1968 صدر مرسوم ملكي بقبول استقالة السيد عبدالحميد البكوش وتعيين السيد ونيس القذافي رئيسًا للوزراء، وقد أبقى السيد ونيس القذافي كالعادة نفس التشكيل الوزاري.

waness gadafi2.jpg - 7.72 Kb

السيد ونيس القذافي

رجوعي إلى وزارة الدولة لشئون رئاسة مجلس الوزراء

كنت في فترة استقالة السيد عبدالحميد البكوش وتعيين السيد ونيس القذافي في إجازة في لندن، وقد سمعت بخبر الاستقالة من السفير الليبي في لندن آنذاك الدكتور عمر محمود المنتصر، وكان والده السيد محمود المنتصر رئيس الديوان الملكي موجودًا أيضًا في لندن للعلاج. وقد سررت بخبر استقالة السيد عبدالحميد البكوش، لأن ذلك معناه خروجي من الحكومة وعليّ البدء في إيجاد عمل غير حكومي في المجال الخاص. ولكن فرحتي لم تدم طويلاً إذ أخبرني السفير في اليوم التالي بأن اسمي ورد في قائمة حكومة السيد ونيس القذافي الجديدة كوزير دولة لشئون رئاسة مجلس الوزراء ومطلوب عودتي بسرعة لحلف اليمين، وهذا يعني عودتي إلى وزارة شئون الرئاسة بعد أن قضيت فترة وزيرًا للعدل بالوكالة بقرار من مجلس الوزراء في أواخر عهد حكومة السيد البكوش، على أساس أن قرار مجلس الوزراء بتكليفي بوزارة العدل بالوكالة كان سيعتمد في التعديل الوزاري الذي كان متوقعًا حسب ما ذكره السيد البكوش لمجلس الوزراء.

وأعتقد أن تكليفي بمهام وزير العدل بالوكالة كان المقصود منه إبعادي عن شئون رئاسة مجلس الوزراء، وخاصة بعد أن ساءت علاقة السيد البكوش مع السيد محمود المنتصر الذى تربطني به علاقات وطيدة. ومما زاد من اعتقادي هذا أن السيد البكوش، رغم تكليفي رسميًا بقرار من مجلس الوزراء بوزارة العدل بالوكالة، إلا أنه، أي السيد البكوش، استمر في توقيع القرارات الهامة لوزارة العدل بصفته وزيرًا للعدل. وقد طالت الفترة دون أن يتمكن السيد البكوش من الحصول على موافقة الملك على التعديل الوزاري حتى طلب الملك منه الاستقالة.

بقيت وزيرًا للعدل بالوكالة بقرار من مجلس الوزراء وهو وضع قانوني اختلفت فيه الآراء نظرًا لوجود الوزير الأصلي وهو رئيس الوزراء في البلاد وبقائي رسميًا وزير رئاسة مجلس الوزراء بمقتضى المرسوم الملكي. ويرى البعض أن مسئولية مجلس الوزراء مسئولية مشتركة ويجوز للمجلس تكليف أحد أعضائه بأي نشاط. هذا وبعد أن أخبرني السفير الليبي في لندن بخبر دخولي لحكومة السيد ونيس القذافي تفضل والده السيد محمود المنتصر رئيس الديوان برفقة ابنه السفير الليبي بلندن بزيارتي في مقر إقامتي في لندن لتهنئتي، وبعدها رجعت إلى طرابلس ومنها إلى طبرق لحلف اليمين، وكنت غير متحمس برجوعي إلى الحكومة وخاصة إلى وزارة الدولة لشئون رئاسة مجلس الوزراء كما ذكرت.

                                                      

عدم تحمس السيد ونيس القذافي لتكليفه برئاسة الحكومة

كان السيد ونيس القذافي غير متحمس لعمله كرئيس للوزراء وقيل أنه طلب من الملك إعفاءه نظرًا لحالته الصحية ولكن الملك أصر عليه للقبول. وأشك في ذلك، لأنه لم يسبق لأحد من الساسة في العهد الملكي أن رفض مهمة كلفه بها الملك. عرف السيد ونيس القذافي بكونه إداريًا من الطراز الأول، مترددًا في اتخاذ القرار، يعمل في مكتبه طوال ساعات اليوم ويستمر في العمل في بيته ليلاً. ليس له أعداء، وتربطه علاقة وطيدة بالسيد حسين مازق، فقد كان رئيسًا للمجلس التنفيذي لبرقة أثناء ولاية السيد حسين مازق لها. وكانت علاقته ودية مع السيد محمود المنتصر رئيس الديوان الملكي والحاشية الملكية. كما كانت علاقته وثيقة بالسيد عبدالحميد البكوش وجميع رؤساء الحكومات السابقين. استُقبل تعيينه بفتور في طرابلس، لأنه غير معروف شعبيًا، وكذلك في برقة، لأنه معروف هناك بعدم الحسم في سياسته وقراراته، ولكنه استُقبل بترحاب من بعض قبائل برقة لعلاقته الوثيقة بالسيد حسين مازق.

كان السيد ونيس القذافي غير طامح في السلطة. وأذكر أني عندما طلبت منه أن يساعدني في الرجوع إلى وزارة الخارجية رفض بشدة قائلاً إنه هو نفسه كان سعيدًا كسفير في بون، ولو خير بين منصب سفير ومنصب رئيس الوزراء لاختار منصب سفير في أي بلد كان ولكن هذا أمر الملك، وطلب مني عدم التفكير في النقل ما دام هو رئيسًا للوزراء. وبذلك يكون السيد ونيس القذافي رئيس الوزراء الخامس بعد السادة محمود المنتصر وحسين مازق وعبدالقادر البدري وعبدالحميد البكوش الذي يرفض إعادتي إلى وزارة الخارجية ويصر على استمراري في العمل في رئاسة مجلس الوزراء.

 

سياسة السيد ونيس القذافي

حاول السيد ونيس القذافي في فترة حكمه عدم الاصطدام مع أحد، كما حاول إرضاء الجميع حسب قدرته وتوفر الإمكانيات وعدم تغيير أي موظف أو وزير، ولم تكن له سياسة مرسومة وغايات يريد تحقيقها كالسيد عبدالحميد البكوش. وكان يختلف مع السيد عبدالحميد البكوش في سياسته العربية، فقد كان يعتقد ـ كالسيدين محمود المنتصر وحسين مازق ـ أن الشعب الليبي قومي الشعور وناصري الاتجاه، ولهذا كان حريصًا على تأييد القضايا العربية. وعمله السابق في وزارة الخارجية ساعد على اهتمامه بالشئون العربية والوفاء بالتزامات ليبيا العربية، كما كان يرحب باستقبال زوار ليبيا من كبار المسئولين العرب.

كان السيد ونيس القذافي لا يعترض على موقف دول الجوار لفلسطين ودخولها في مفاوضات مع إسرائيل على أساس قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر بعد حرب 1967م، الذي كانت تعارضه معظم الدول العربية غير المجاورة لإسرائيل ومن بينها ليبيا في عهد السيد عبدالحميد البكوش. وعذر السيد ونيس القذافي أن دول الجوار يجب أن تعطى حق وحرية تحرير أراضيها المحتلة من إسرائيل بأية طريقة تراها، ولا يجب إحراجها والمزايدة على مواقفها من طرف الدول العربية البعيدة عن إسرائيل.

حرب الاستنزاف والوضع الأمني في ليبيا

في فترة رئيس الوزراء السيد ونيس القذافي كانت حرب الاستنزاف التي شنتها مصر على إسرائيل على أشدها وكانت تنذر بحرب إسرائيلية عربية آتية لا محالة. وكانت السلطات الليبية، وقد مرت بتجربة حرب 1967م وأثارها على اختلال الأمن وما أدت إليه من خسائر في الأرواح والأموال، قد تأهبت لعدم تكرار هذه التجربة والاستعداد لها مقدمًا. وأذكر أنه في شهر أغسطس 1969م وصلتنا في رئاسة مجلس الوزراء برقية من السيد عبدالسلام بسيكري السفير الليبي في القاهرة عن طريق وزارة الخارجية حوّلها السيد محسن عمير وكيل وزارة الخارجية آنذاك على رئيس مجلس الوزراء، نظرًا لغياب السيد علي حسنين وزير الخارجية في مهام خارجية، وتحذر البرقية من تأزم الحالة على قناة السويس وتوقع حرب وقائية تشنها إسرائيل.

وقد كلفني السيد ونيس القذافي بإبلاغ وزير الداخلية السيد معتوق آدم بذلك، وإعلان حالة التأهب القصوى (الطوارئ) لتجنب ما قد يحدث من إخلال بالأمن في حالة انفجار الحرب فجأة. كما تولى السيد ونيس القذافي نفسه إبلاغ قيادة الجيش ووزير الدفاع السيد حامد العبيدي. وفعلاً تم إبلاغ المسئولين في الداخلية والدفاع بتعليمات رئيس الوزراء لتنفيذها حالاً. وبعد أيام جاءت برقية من سفيرنا في القاهرة عن طريق وزارة الخارجية بأن الأمور هدأت على قناة السويس ولم يعد قيام حرب وشيكة واردًا، فأمر رئيس الوزراء برفع حالة التأهب القصوى. وقد تكرر هذا الإنذار من السفير الليبي بالقاهرة أكثر من مرة، كما تكرر إعلان حالة التأهب القصوى ورفعها، وفي أواخر أغسطس 1969م رفعت حالة التأهب القصوى نهائيًا.


 mattough adem3.jpg - 4.47 Kb           besikri.jpg - 3.69 Kb           

                                            السيد معتوق آدم             السيد عبدالسلام بسيكري           

 

مجاملات السيد ونيس القذافي لـزواره

كان السيد ونيس القذافي عفيفًا نظيف اليد نقي القلب، يقابل من يطلب مقابلته، رغم أنه متقلب المزاج ويحاول أن لا يفقد أعصابه المتوترة دائمًا نتيجة إكثاره من شرب القهوة إلى درجة الإفراط. ورغم ترحيبه بالجميع في حضورهم، إلا أنه كثيرًا ما ينتقدهم في غيابهم بأسلوبه الفكاهي اللاذع الذي يميزه عن غيره، وكثيرًا ما يستعمله في حل المشاكل مع الغير.

وأذكر مرة كنت معه أثناء مقابلته لمستشار قبيلة من برقة، وكان لقب المستشار يستعمل لمشايخ القبائل في برقة لإعطائهم أهمية خاصة رسمية، والمستشار من المترددين دائمًا على الملك فاستقبله رئيس الوزراء مرحبًا. وبعد أن مدح المستشار رئيس الوزراء للخدمات الجليلة التي يؤديها للشعب والملك، وهذا في رأي المستشار ليس غريبًا على السيد ونيس القذافي فهو خليفة الرجل الكبير العظيم السيد حسين مازق، وانتهى المستشار بالقول إن لديه ثلاثة مطالب. الطلب الأول يريد بيتًا كبيرًا لنفسه لأن له عائلة كبيرة وبيته الحالي صغير لا يتسع لها، وأن الحكومة لها بيوت جديدة جاهزة كبيرة وأشار إلى بعضها بالتحديد. فقال له رئيس الوزراء إن هذه البيوت أعدت للوزراء، وخاصة الطرابلسيين الذين تركوا عائلاتهم في طرابلس، لأنه ليست لهم مساكن في مدينة البيضاء، وأضاف لا شك أن السيد المستشار يريد بقاء الحكومة في البيضاء، وهذا لن يتحقق إلا إذا أعددنا بيوتًا للوزراء الطرابلسيين ليأتوا بعائلاتهم ويستقروا فيها، والبيوت التي أشار إليها المستشار قد خصصت فعلاً لأصحابها.

كان السيد ونيس القذافي يعرف أن المستشار حريص على بقاء الحكومة في البيضاء ومستعد للتنازل عن طلبه عن طيب خاطر في صالح بقاء الحكومة في البيضاء، ولكن السيد ونيس القذافي لا يريد أن يخيب أمل المستشار، فسأله إذا كان بيته الحالي به أرض فضاء يمكن البناء عليها لتوسيعه، لأنه في هذه الحالة سيطلب من وزير الإسكان بناء غرف إضافية فيه. وفعلاً قبل المستشار العرض وتكلم رئيس الوزراء بدوره مع وزير الإسكان آنذاك وكان المهندس أنور أبوبكر ساسي لتنفيذ هذا الطلب. والطلب الثاني للمستشار هو الموافقة على سفره للعلاج في الخارج ومرافقة ابنه له، فوافق رئيس الوزراء على الطلب واتصل بوزير الصحة لتنفيذه. وعندما أراد المستشار ذكر طلبه الثالث طلب منه رئيس الوزراء مازحًا تأجيل طلبه الثالث إلى مقابلة أخرى. ولكن المستشار أصر على طلبه الثالث وقال إنه يريد من رئيس الوزراء تعيين ابنه الذي لم ينجح في المدرسة (بسبب مضايقة المدرسين المصريين له) في رئاسة مجلس الوزراء في البيضاء ليكون إلى جانبه. وهنا استعان الرئيس بي للإجابة، فقلت له في الوقت الحاضر لا توجد وظيفة شاغرة في الرئاسة لابنه وسننظر في طلبه إذا توفرت شواغر مستقبلاً، وهنا وافق المستشار على تأجيل البت في الموضوع لجلسة قادمة.

وكان رئيس الوزراء يستشهد بي ليبرهن للمستشار على صدق أقواله، خاصة أني من طرابلس ومن الحكومة، وكان المستشار يتقبل رأيي مجاملة. فأنا في رأيه ضيف في البيضاء ويحترمني رغم صغر سني كما يقول ولأنني من عائلة معروفة. وبعد أن شكر المستشار رئيس الوزراء على مقابلته له وخرج من مكتبه انفجر السيد ونيس القذافي معلقًا على تصرف المستشار قائلاً إن هؤلاء المستشارين يزورون الملك ويدّعون بأنهم يخدمون مصالح المواطنين ويصرون على مقابلة رئيس الوزراء والوزراء لخدمة مصالح مواطنيهم كما يدعون، وهم كما رأينا يعملون على تحسين أوضاعهم ومصالحهم الخاصة، ولم يذكر المستشار طلبًا واحدًا يهم مواطنيه أو أفراد قبيلته، وإذا رفضت طلباتهم للمقابلة يذهبون إلى للملك ويقولون له إن الحكومة لا تهتم بمطالب الشعب وتغلق الأبواب أمامهم، والملك يصدقهم طبعًا.

لقد سردت هذه القصة كمثل لما يجري، لأن أمثالها كثيرة تحدث يوميًا في مكاتب الحكومة في البيضاء ويقضي رئيس الوزراء والوزراء معظم وقتهم لمقابلة مثل هؤلاء الناس والاستماع إلى مطالبهم وتلبية ما يمكن من طلباتهم الخاصة، وهذا هو السبب في إصرار زعماء القبائل والملك على بقاء الحكومة في البيضاء لتكون قريبة منهم. وقلّ أن يأتي إلى البيضاء مواطن عادي أو شيخ قبيلة من إقليم طرابلس للمراجعة باستثناء نواب البرلمان أو موظفي الحكومة. وفي طرابلس لم يتعود مشايخ القبائل والناس العاديين على طلب مقابلة رئيس الوزراء أو حتى الوزراء أو كبار موظفي الدولة أو التقدم بمثل هذه الطلبات لهم، وكل ما كانوا يسعون إليه هو الوصول إلى المسئولين الصغار في السلطات المحلية لمتابعة الأمور التي تهمهم وتهم قبائلهم. وكانت اتصالات السيد ونيس القذافي بالملك تتم عن طريق السكرتير الخاص للملك، وفي الفترة الأخيرة عن طريق السيد عمر الشلحي أيضًا بعد أن أصبح مستشارًا للملك.

salheen houni.jpg - 11.95 Kb

بشير المنتصر وزير الدولة والسيد أحمد الصالحين الهوني وزير الإعلام  

أسلوب السيد ونيس القذافي فـي العـمل

     كان السيد ونيس القذافي يتجنب المشاكل ويكره الاحتجاجات ومظاهرات الطلبة ويتخوف منها، ولا يحب أن يرفض رأيًا لوزير، ومستعد لسماع أي اقتراح دون إبداء رأي حاسم حوله. وكانت اجتماعات مجلس الوزراء تستمر أيامًا للحصول على إجماع الوزراء في أي قرار مهما كانت أهميته. وكان يعرض كل القرارات على مجلس الوزراء حتى الروتينية والإدارية التى جرى رؤساء الوزارات على توقيعها رأسًا أو بالاتفاق مع الوزير المختص دون عرضها على مجلس الوزراء، اختصارًا للوقت والجهد، والاكتفاء بتوزيعها على باقي الوزراء للمعلومية.

كان السيد ونيس القذافي يتمتع بأسلوب هادئ في الكلام والإقناع، وأحيانًا يلجأ إلى السخرية والتهكم واستعمال النكات لتجنب أي نقاش حاد. لا يثق في الغير بسهولة ولهذا يحرص على عمل كل شئ بنفسه. يناقش ما يعرض عليه ويريد معرفة كل التفاصيل حوله، ولهذا يصر على دراسة مذكرات الوزراء أثناء عرضها على مجلس الوزراء ويتعرض لتفاصيل المواضيع، مما يحرج بعض الوزراء الذين لا يعرفون تفاصيل ما يوقعونه من مذكرات تاركين ذلك لكبار موظفيهم والخبراء. وإذا أعطى خبرًا للإذاعة أو للنشر في الصحافة تابعه بنفسه حتى يذاع أو ينشر ليتحقق بأنه يتمشى والنص الذي أعده أو وافق عليه. وكانت عدم ثقته في الموظفين والوزراء راجعة لخبرته الطويلة في الإدارة، حيث تولى رئاسة المجلس التنفيذي لولاية برقة لفترة طويلة.

وكان معظم الموظفين في برقة يفتقرون إلى الخبرة في السنوات الأولي للاستقلال ويتصرفون وفقًا لآرائهم الخاصة دون تقديرهم للمسئولية وعدم الخوف من العقاب لاستنادهم إلى الدعم القبلي، بعكس ولاية طرابلس التي حافظت على بعض الموظفين من الليبيين الذين اكتسبوا الخبرة في الإدارة الإيطالية السابقة لفترة غير قصيرة ثم في الإدارة البريطانية حتى الاستقلال، وكان هناك إصرار على التقيد بالقوانين واللوائح وتنفيذها وتطبيق العقوبات على المخالفين مهما كانت انتماءاتهم ودرجاتهم، حيث المحسوبية نادرة والحماية القبلية معدومة.

وكان السيد ونيس القذافي إذا أراد إعداد كلمة للمناسبات العامة يقضى وقتًا طويلاً في إعدادها وكتابتها ومراجعتها كأنه يعد مذكرة دبلوماسية، فيحذف كلمة ويزيد أخرى ويتمعن معناها، حتى لا يساء تفسيرها في الداخل والخارج، ولا يلجأ للاستعانة بالأرقام الإحصائية إلا إذا تأكد من مرجعها. لا يحب الأضواء والدعاية ويكره أن يذكر اسمه أو مدحه في الصحافة أو الإذاعة والتلفزيون، ويقول إن ليبيا بلد صغير يعرف الناس بعضهم بعضًا ورأيهم في المسئولين لن يتغير بالدعاية التي تثير السخرية بينهم. ولهذا كان أسلوبه لا يتفق مع أسلوب السيد أحمد الصالحين الهوني وزير الإعلام، وقد حاول مع السيد الصالحين لتغيير أسلوبه دون جدوى.

السيد ونيس القذافي لم يكن منحازاً

لم يكن السيد ونيس القذافي منحازًا لبرقة ولا يحابيها في تخصيص المشاريع التنموية، فهو غير قبلي، ولكن له أصدقاء كثيرين في مدينة بنغازي التي يحبها ويعطيها اهتمامًا خاصًا ولا يستطيع البعد عنها. لا تعجبه مدينة البيضاء ويغادرها في العطلات الأسبوعية والأعياد وكلما سنحت الفرصة إلى بنغازي. وكان يتضايق من زيارات مشايخ ومستشاري القبائل وطلباتهم التي لا تنتهي، رغم أنه يخاف شكواهم لدى الملك ويلبي ما يستطيع من طلباتهم. كذلك لا تعجبه مدينة طرابلس لأنه لم يعش فيها وليس لديه أصدقاء ومعارف كثيرين فيها.  

 

علاقات السيد ونيس القذافي مع وزرائه

كان السيد ونيس القذافي صديقًا للسيد عبدالحميد البكوش وكان يستقبله كثيرًا للمشاورة، وكان يجامل الدكتور علي أحمد عتيقة ولكنه لا يتفق معه في بعض آرائه. كما كان معجبًا بالسيد خليفة موسى وزير البترول، الذي يتمتع بامتيازات خاصة من رؤساء الحكومات جميعهم بعدم حضوره جلسات مجلس الوزراء في البيضاء. وكان السيد خليفة موسى صريحًا بالمجاهرة برأيه بأنه ليس له ما يعمله في البيضاء فكل الشركات البترولية في طرابلس، ولهذا يفضل البقاء في طرابلس أو السفر للخارج لحضور المؤتمرات الدولية والاجتماعات العديدة لمنظمة الأوبك، ويتشاور مع رئيس الوزراء بالهاتف إذا استدعى الأمر، حتى مذكرات وزارة البترول إلى مجلس الوزراء يتولى رئيس الوزراء تقديمها والإجابة عن الاستفسارات حولها. السيد خليفة موسى، وكما ذكرت، صديق لي ويصر على أن أتولى أنا وزارة البترول بالوكالة في حالة سفره للخارج وخاصة في عهد السيد ونيس القذافي، ولا يرغب أن يتولاها الدكتور علي أحمد عتيقة وزير التخطيط وأقرب الوزراء إلى اختصاص وزارة البترول، وأعتقد أن سبب ذلك يرجع إلى عدم ثقته في الدكتور عتيقة وخوفه من أن يجري بعض التغييرات أو يتخذ بعض القرارات الهامة في غيابه.

كان السيد ونيس القذافي حريصًا على بقاء الوزراء في مدينة البيضاء ولا يرحب بسفرهم إلى طرابلس أو خارج ليبيا حتى للإجازة. وكانت علاقته مع الذين يعملون معه ممتازة يحترمهم ويستمع إليهم، ولم يفكر في استبدال موظف أو حتى سكرتير خاص طول فترة حكمه، لأنه يثق ويعامل الجميع على قدم المساواة.

لم يستجب السيد ونيس القذافي إلى مقترحاتي بتعديل اختصاصات رئاسة مجلس الوزراء، لأنه لا يريد أن يشعر الوزراء أنه يريد أن يحدد من اختصاصاتهم نتيجة تقوية جهاز واختصاصات رئاسة الوزراء، رغم أنه كان يوافقني على إدخال مثل هذه التعديلات ويعدني بدراستها ولكنه لم يفعل شيئًا بشأنها. لم أكن أعرف السيد ونيس القذافي معرفة جيدة قبل توليه رئاسة الوزارة لكنني حزت على ثقته، وبدأ بتكليفي دائمًا للقيام بأعباء وزارة البترول بالوكالة عند غياب السيد خليفة موسى الوزير الأصلي أو بالقيام بأعباء وزارة الخارجية بالوكالة أثناء غياب الوزير الأصلي السيد علي حسنين في الخارج لحضور الاجتماعات الدولية والإقليمية التي لا تنتهي طوال العام. كان يثق في وكيل وزارة الخارجية السيد محسن عمير وكان يراجعه رأسًا دون الرجوع إلى الوزير، وخاصة في أول عهده عندما كان وزير الخارجية السيد شمس الدين عرابي بن عمران والذى استبدله بالسيد على حسنين في أول تعديل لحكومته.


 shamseldeam orabi5.jpg - 3.33 Kb

السيد شمس الدين عرابي بن عمران 

 

كان السيد القذافي حريصًا على معاملة بعض الأشخاص بما لا يحرجهم مع الآخرين. وأذكر مرة أن السيد عمر الشلحي مستشار الملك الخاص كان في مكتبه قادمًا من طرف الملك من اليونان ليدرس مع الحكومة زيارات الملك إلى بعض دول البلقان وتركيا، فاستدعى السيد محسن عمير الذي كان معي في مكتبي دون استدعائي، رغم أني كنت وزيرًا للخارجية بالوكالة، وذلك لاعتقاده بأن السيد عمر الشلحي قد لا يرحب بحضوري لمناقشة مثل هذا الموضوع الخاص بالملك لعلاقتي الوطيدة بالسيد محمود المنتصر رئيس الديوان الملكي، الذي تحرص الحاشية الملكية على عدم استشارته أو إطلاعه على الأمور التي يكلفهم بها الملك، خاصة أن رئيس الديوان لم يكن مع الملك في زيارته لليونان وتركيا، بل كان طوال هذه الفترة الهامة في إجازة في لندن وروما للعلاج.

كان السيد ونيس القذافي يرجع إلى ولي العهد في بعض الأمور العادية أثناء غياب الملك، ولكنه كان وثيق الصلة بالأخوين عبدالعزيز وعمر الشلحي ويرجع إليهما عندما يريد الاتصال بالملك في الأمور الهامة، مما لا يرضي السكرتير الخاص للملك السيد إدريس بوسيف الذي كان دائمًا حلقة الاتصال بين رؤساء الحكومات والملك، ولكن السكرتير الخاص كان يعرف مدى مكانة الأخوين الشلحي عند الملك ويخشاهما ولا يعترض على تدخلهما في شئون الدولة والاتصالات بين الملك ورئيس الحكومة.

 barouni and salheen11.jpg - 25.85 Kb

بشير المنتصر وزير الدولة والسيدان أحمد الصالحين الهوني وزير الإعلام (في وسط الصورة) والسيد طارق الباروني وزير الصناعة

الملك يمدد فترة زيارته لليونان

كانت رحلة الملك إلى اليونان ثم إلى تركيا في صيف 1969م قد طالت كثيرًا، وقد بعث هذا الغياب الطويل كثيرًا من الارتياب والتساؤلات في دوائر الدولة العليا. وأذكر أن السفير الليبي في اليونان السيد الطاهر القرامانلي قد بعث ببرقية إلى رئيس الوزراء يقول فيها بأن انطبعاته بعد مقابلته للملك أنه ينوي البقاء لفترة طويلة في الخارج، كما أنه يفكر في اتخاذ إجراء دستوري لكنه لم يصارحه في الموضوع. وبعد فترة أرسل الملك إلى رئيس الوزراء برقية يقول فيها بأنه سيقوم بجولة في يوغسلافيا والنمسا وإيطاليا، ولهذا أرسل السيد عمر الشلحي للتدارس معه حول هذه الزيارات. وفعلاً تقرر إعداد هدايا من المصنوعات الليبية التقليدية ليأخذها الملك معه إلى رؤساء الدول وزوجاتهم في البلدان التي سيزورها، وكلف وزير الصناعة السيد طارق الباروني بإعدادها، كما كلفت وزارة الخارجية باتخاذ الإجراءات الرسمية بشأنها.

taher garamali2.jpg - 3.67 Kb

 السيد الطاهر القرامانلي

إشاعـة استقالة المـلك

أمور كثيرة كانت تجري في الخفاء وبسرية تامة. فقيام الأخوين عبدالعزيز وعمر الشلحي بأدوار الاتصال بين الملك ورئيس الحكومة في هذه الفترة وعدم إطلاع مجلس الوزراء وكبار رجال الأمن والجيش على ما يجري وراء الكواليس يشير إلى توقع أحداث هامة. وزاد ذلك تأكيدًا طلب الملك رجوع رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب من الإجازة في أوروبا إلي البيضاء بسرعة لحضور الاحتفالات بمناسبة 9 أغسطس عيد الجيش السنوسي.

 وأشيع أن الشيخ عبدالحميد العبار رئيس مجلس الشيوخ مر على تركيا وقابل الملك قبل عودته إلى ليبيا، مما جعل رئيس الوزراء يشك في الأمر ولهذا منع خروج الوزراء في إجازة في هذه الفترة التي توافق العطلة الصيفية المدرسية، والتي يحرص فيها المسئولون على السفر في إجازاتهم مع عائلاتهم. والغريب أن كل هذا كان يجري دون علم السيد محمود المنتصر رئيس الديوان، الذي كان في إجازة طويلة للعلاج، كما أخبرني هو في مطار طرابلس يوم عودته من أوروبا يوم 27 أغسطس.

abbar.jpg - 2.92 Kb

الشيخ عبدالحميد العبار (1949)

 

وقد رفض رئيس الوزراء أن آخذ إجازتي في شهر أغسطس أيضًا وهو الشهر الذي أفضله للإجازة، رغم أنه سمح لوزير البترول السيد خليفة موسى بالخروج في إجازة بصفة استثنائية. وكان عليّ ان أتولى وزارة البترول بالوكالة في غيابه، ولهذا كنت في بنغازي وطرابلس في الأسبوع الأخير من أغسطس للاهتمام بشئون وزارة البترول. كما أن السيد علي حسنين وزير الخارجية سافر إلى أديس أبابا لحضور مؤتمر القمة الإفريقي وأسندت مهام وزارة الخارجية بالوكالة إليّ ايضًا. وكان رئيس الوزراء يتولى تسيير العمل في وزارة الخارجية مع السيد محسن عمير وكيل وزارة الخارجية في البيضاء أثناء انشغالي بالعمل في بنغازي وطرابلس لشئون تتعلق بوزارة البترول واستقبال بعض كبار الزوار بصفتي وزيرًا للخارجية بالوكالة.

في هذه الفترة كان رئيس الوزراء قلقًا ويتوقع أخبارًا هامة من الملك لم يفصح عنها. وسرعان ما انتشرت الإشاعات بأن الملك سيستقيل أو أنه سيعلن تغييرًا دستوريًا هامًا، الشئ الذي كان موضع تكهنات منذ فترة طويلة. وفي الأسبوع الأخير من شهر أغسطس كنت في بنغازي لحضور اجتماع مجلس إدارة المؤسسة الليبية العامة للبترول والاجتماع بأعضاء مجلس إدارتها الذين استقال بعضهم، بسبب عدم موافقتهم على قرار مجلس الوزراء الخاص بإعطاء عقود بترولية لا تتمشى مع توصيات مجلس إدارة المؤسسة.

 

مجلس الوزراء يبحث إشاعة استقالة الملك

سافرت إلى طرابلس لاستقبال السيد عبدالهادي بوطالب وزير الخارجية المغربي، الذي يزور ليبيا حاملاً دعوة الملك الحسن الثاني إلى الملك إدريس لحضور مؤتمر القمة العربي الذي كان سيعقد في المغرب، وكذلك الإعداد لزيارة الأمين العام للأمم المتحدة المستر يوثانت إلى ليبيا يوم 5 سبتمبر. وسمعت أثناء ذلك أن اجتماع مجلس الوزراء الذي عقد في البيضاء في غيابي أثير فيه موضوع الإشاعات حول غياب الملك وأن رئيس الوزراء أكد للوزراء بأنه لا يعلم شيئًا.

وقد طلب مجلس الوزراء من السيد ونيس القذافي السفر إلى تركيا لرؤية الملك واستجلاء الحقائق منه وفيما إذا كان الملك يفكر في الاستقالة حقًا، وإذا كان مصرًا فيجب أن تتم بطريقة دستورية والتنازل عن العرش لولي العهد بالطرق الرسمية وعدم تعريض البلاد لفوضى لا يعرف مصيرها إلا الله. وقد أكد رئيس الوزراء للوزراء بأنه طلب الإذن للسفر لمقابلة الملك ولكن طلبه رفض ووعدهم بإبلاغهم بأية تطورات قد تحدث.


زيارة الوزير المغربي السيد عبدالهادي بوطالب
وبعد وصولي إلى طرابلس استقبلت الوزير المغربي السيد عبدالهادي بوطالب الذي وصل إلى طرابلس يوم 30 أغسطس، ونظرًا لغياب الملك أعددت له مقابلة مع ولي العهد لتسليمه دعوة الملك الحسن الثاني إلى أخيه الملك إدريس لحضور مؤتمر القمة العربي في الرباط. وقد اعترضتني مشكلة مع سكرتير ولي العهد السيد بلقاسم الغماري، عندما أعلمني بأن ولي العهد يرغب في استقبال الوزير المغربي منفردًا دون حضوري معه، وقد أفهمته بأن العرف جرى أن يحضر وزير الخارجية مقابلة الوزير الزائر للملك أو ولي العهد، ولكن سكرتير ولي العهد أبلغني بأن هذا قرار الأمير وهو مصر عليه. وقد يكون رفض الأمير حضوري المقابلة يرجع إلى علاقتي الوثيقة بالسيد محمود المنتصر الذى يشك في إخلاصه له.

  hadi aboutaleb3.jpg - 4.82 Kb

السيد عبدالهادي بوطالب (2003)

 

أثار هذا التصرف غضبي، واتصلت برئيس الوزراء وأبلغته بالأمر محتجًا، وطلبت من رئيس الوزراء إعفائي من مهام وزارة الخارجية بالوكالة احتجاجًا على تصرف ولي العهد، ولكنه كعادته بدلاً من أن يراجع الأمير لتغيير رأيه ذكرني بالظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد وطلب مني عدم إثارة مشكلة أخرى وأن أترك الوزير المغربي يقابل ولي العهد بمفرده كما طلب. أبلغت الوزير المغربي بوطالب قرار ولي العهد، وقد استغرب بدوره هذا التصرف وشعر بغضبي. وهكذا تمت مقابلته لولي العهد صباح يوم 31 أغسطس، وبعدها جاء السيد بوطالب إلى مكتبي وأبلغني بما جرى في المقابلة وسلمني صورة من دعوة الملك الحسن إلى الملك إدريس. ودعته بعد ذلك ليستريح في الفندق على أن نتلاقى في المساء في حفلة العشاء التي سأقيمها على شرفه في فندق الودان.

 

مشكلة توقيع عقد للتنقيب عن البترول مع شركة أمريكية

بعد ظهر ذلك اليوم ذهبت إلى وزارة البترول، وأبلغني السيد إبراهيم الهنقاري وكيل وزارة البترول آنذاك، بحضور السيد عيسى البعباع وكيل الوزارة المساعد، بأن مدير شركة البترول "شباكوا" التي وافق مجلس الوزراء على منحها عقد امتياز التنقيب يصر على توقيع العقد اليوم لأنه سيسافر غدًا إلى أمريكا. واستغربت هذا الطلب، وسألت لماذا لم يوقع الوزير الأصلي السيد خليفة موسى قبل سفره للإجازة العقد مع هذه الشركة كما وقع العقود الأخرى مع باقي الشركات التي منحت امتياز التنقيب، فالعقد كان كغيره من العقود موقعًا من طرف رئيس مجلس إدارة المؤسسة الليبية العامة للبترول السيد محمد الجروشي.

كان رد السيدين إبراهيم الهنقاري وعيسى البعباع بأن السبب ورود نص اختياري في العقد لم يرد في قرار مجلس الوزراء يستثني هذه الشركة من مشاركة الحكومة بعد اكتشاف البترول بكميات تجارية، وعليه قرر السيد خليفة موسى حفظه حتى رجوعه من الإجازة. كما أوضحا لي بأن الشركة يدعمها بعض أفراد من الحاشية الملكية، وقد اتصل بهما القصر الملكي صباح ذلك اليوم وطلب منهما التوقيع على العقد مع هذه الشركة أسوة بالشركات الأخرى، وكانا يعتقدان بأنني على علم بالموضوع. وبعد اتصالي بالسيد ونيس القذافي رئيس الوزراء وافقني على الإصرار على التمسك بشروط قرار مجلس الوزراء أسوة بالشركات الأخرى وعدم التوقيع تحت أي تهديد. وفعلاً طلبت من السيد عيسى البعباع إعداد رسالة إلى مدير الشركة المذكورة برفضي توقيع العقد لعدم تمشيه مع قرار مجلس الوزراء، وإرجاعه إلى رئيس مجلس إدارة مؤسسة البترول لإعادة صياغته وفقًا لقرار مجلس الوزراء، وإبلاغ فحوى الرسالة بالهاتف إلى مدير الشركة إذا عاود الاتصال.

 

تكريـم الوزيـر المغربـي

خرجت من وزارة البترول إلى فندق الودان حيث أقمت مأدبة عشاء فخمة على شرف الوزير المغربي السيد عبدالهادي بوطالب، حضرها كل الوزراء الموجودين في طرابلس، ونواب رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب وكبار المسئولين، ورئيس أركان الجيش اللواء السنوسي شمس الدين ومدير عام الأمن في طرابلس اللواء سالم بن طالب وكبار ضباط الأمن. وبعد العشاء ودعت السيد بوطالب على أساس أن أراه صباح اليوم التالي لمرافقته إلى المطار للتوديع. ورجعت إلى البيت في تلك الليلة متعبًا بعد يوم ملئ بالعمل والمشاكل مع ولي العهد حول مقابلته للوزير المغربي وموضوع رفضي توقيع عقد الشركة البترولية التي يتبناها بعض أفراد الحاشية الملكية. وكان التلفزيون الليبي يركز في تلك الليلة على زيارة الوزير المغربي وحفلة العشاء الرسمية التي أقمتها على شرفه.

وقبل أن أنام اتصلت برئيس الوزراء في بنغازي وأعطيته تقريرًا مفصلاً عما جرى في ذلك اليوم في مجالي البترول والخارجية، خاصة زيارة الوزير المغربي وبعض التفاصيل عن برنامج زيارة السكرتير العام للأمم المتحدة المستر يوثانت إلى ليبيا يوم 5 سبمتبر، والذي كان من المفروض أن يكون رئيس الوزراء في استقباله في مطار طرابلس. ولكن السيد ونيس القذافي كان مترددًا في المجئ إلى طرابلس ويريدني استقباله نيابة عن الحكومة ومرافقته إلى البيضاء للاجتماع به هناك، وهذا ما كان يرفضه مكتب الأمين العام، الذي كان يصر على أن يكون رئيس الوزراء في استقبال السكرتير العام عند وصوله إلى طرابلس. وكانت المشاورات لاتزال تجري عن طريق السفير الليبي لدى منظمة الأمم المتحدة في نيويورك الدكتور وهبي البوري، وبعد ذلك أويت إلى فراشي.  

___________________________________

       الفصل التالي   الفصل السابق   الرئيسية
 
 

للأعلى