|
الفصل التاسع: أحـداث
ومنجزات هامـة
كما أوضحت في المقدمة، إنني عندما كتبت هذه الذكريات لم يكن
هدفي استعراض تاريخ النظام الملكي،
ولهذا حرصت على التركيز على المواقف السياسية لرؤساء الحكومات
ودور الملك في تسيير أمور الدولة والعلاقات بينه وبين رؤساء
الحكومات وكبار المسئولين، وعلاقات المسئولين مع بعضهم البعض
وتنازع الخلافات والاختصاصات في تسيير أمور البلاد. وقد وجدت
أن الصورة الكاملة للعهد الملكي لا تتم دون التعرض باختصار
لبعض المجالات والأحداث
الهامة ومواقف الحكومات المتعاقبة منها.
الانتخابات
تعرضت في الفصول السابقة لمجرى انتخابات سنة 1964/1965م
باختصار، إلا أنني لم أتعرض لانتخابات سنة 1960م
لأنني كنت دبلوماسيًا في السفارة الليبية في لندن، ولم أتعرض
كذلك لانتخابات سنة 1952 و1956م
لوجودي في مصر للدراسة. أما بالنسبة لانتخابات سنة 1965م،
فرغم أني كنت في ليبيا وفي مدينة البيضاء مع رئيس الوزراء
آنذاك السيد حسين مازق، إلا أنه لم يكن بإمكاني معرفة الكثير
عنها لتعامله مباشرة مع وزير الداخلية آنذاك السيد فاضل الأمير
ومحافظي ومدراء أمن المناطق، ولم يصدر تعليمات مكتوبة عن
طريقي، لكن بعض الأخبار كانت تصلني
عن طريق السيد فاضل الأمير وزير الداخلية عن طريق التقارير
العامة المكتوبة، وشكاوى المرشحين التي كانت تصل رئاسة مجلس
الوزراء والتي كنت أحيلها بدوري إلى رئيس الوزراء، وقد تعرضت
إليها في الفصل الرابع.
تسليح الجيش الليبي
كان موضوع تسليح الجيش الليبي يحوز اهتمام كل رؤساء الحكومات
المتعاقبة في الفترة ما بين سنة 1964م
والفاتح من سبتمبر سنة 1969م.
موقف حكومة السيد محمود المنتصر من تسليح الجيش
في
سنة 1964م
اعترض الملك إدريس على محاولة وزير الدفاع آنذاك السيد سيف
النصر عبدالجليل تسليح الجيش الليبي بأسلحة حديثة وثقيلة أثناء
حكومة السيد محمود المنتصر، مما دفع الملك إدريس إلى إقالة
السيد سيف النصر عبدالجليل وزير الدفاع من منصبه، وعين بدله
السيد
عبدالسلام بسيكري
وزيرًا للدفاع. وكان سفر السيد سيف النصر عبدالجليل المتكرر
إلى مصر، وإقامته الطويلة في القاهرة، وعلاقاته الخاصة
والمشبوهة ببعض أعضاء السفارة المصرية في ليبيا عاملاً هامًا
للاستغناء عنه.

السيد سيف النصر عبدالجليل
تسليح الجيش في عهدي حسين مازق وعبدالقادر البدري
بعد استقالة حكومة السيد محمود المنتصر اقتصرت الحكومات
المتتالية على تسليح الجيش الليبي وقوة دفاع برقة بالأسلحة
التقليدية، وكانت السفارة البريطانية ترسل عروضًا لشركات
بريطانية وكاتولوجات لأسلحة ثقيلة وصاروخية إلى رئيس الوزراء
السيد حسين مازق. وكانت هذه العروض تسلم إلى وزير الدولة لشئون
رئاسة مجلس الوزراء آنذاك السيد سليمان الجربي، لدراستها
وإعداد قوائم بها وتقديرات لتكاليفها،
إلا أن الوقت
لم يسمح للسيد حسين مازق وكذلك للسيد عبدالقادر البدري اتخاذ
قرار بشأنها.
وكان
الملك قد أبدى موافقته للسفير البريطاني على هذه الأسلحة وكلف
الحكومة بدراستها واتخاذ قرار بشأنها.
ويظهر أن السيدين حسين مازق وعبدالقادر البدري كانا غير
موافقين على تسليح الجيش بأسلحة ثقيلة خوفًا من الإخلال
بالتوازن بين الجيش وقوة دفاع برقة الذي كانا يصران على
المحافظة عليه.
ورغم الاجتماعات العديدة التي كان يعقدها رئيس الوزراء مع كبار
ضباط الجيش لدراسة عروض هذه الأسلحة، كانت توصية السيدين حسين
مازق وعبدالقادر البدري للملك برفضها لارتفاع تكاليفها، وعدم
توفر العناصر الفنية المتخصصة في الجيش لاستيعابها،
كما كانا يشكان في تصرفات بعض الضباط في الجيش وتذمر كثير منهم.
وكان اللواء نوري الصديق
بن إسماعيل
رئيس أركان الجيش كثير الشكوى من تصرفات العقيد عبدالعزير
الشلحي وتدخلاته في شئون الضباط وتسليح الجيش، كما كان يشكو
اللواء السنوسي الأطيوش من قبله. ورغم أن الملك كان يؤمن
بضرورة وجود توازن بين قوات الجيش وقوة دفاع برقة في الحصول
على أحدث الأسلحة الحديثة، إلا أنه تحت إلحاح السفير البريطاني
لإقناعه بفائدة نظام الصواريخ الدفاعي ضد أي اعتداء محتمل من
مصر أو الجزائر وافق على تسليح الجيش أخيرًا. وكان العقيد
عبدالعزيز الشلحي وهو موضع ثقة الملك يؤيد ويدافع عن قبول
العروض البريطانية لتسليح الجيش.

اللواء نوري الصديق بن إسماعيل
السيد عبدالحميد البكوش وقرار تسليح الجيش الليبي
بقي موضوع تسليح الجيش دون قرار حاسم، حتى جاء السيد عبدالحميد
البكوش رئيسًا للوزراء، وكانت علاقاته وطيدة مع العقيد
عبدالعزيز الشلحي وعلى اتصال
به رأسًا، كما أن السيد البكوش كان يحظى بثقة وصداقة السفير
البريطاني السير
رودريك
ساريل. وحال استلامه لمنصب رئيس الوزراء بدأ في الإسراع في
البت في موضوع تسليح الجيش. وكان اللواء نوري الصديق بن
إسماعيل ينتقد السيد البكوش بدوره لمساعدته العقيد عبدالعزير
الشلحي والتعامل معه من وراء ظهره لإنجاز صفقة الأسلحة
الصاروخية والثقيلة. وقد اجتمع السيد عبدالحميد البكوش بضباط
الجيش في مدينة بنغازي، وأوضح لهم رأيه في ضرورة تقوية وسائل
الدفاع عن ليبيا، وأفهمهم أن الخطر الخارجي الذي يهدد ليبيا لن
يأتي من الشمال، أي أوروبا وأمريكا، وإنما من جيران ليبيا
ويقصد مصر والجزائر، ولهذا لابد من إقامة نظام دفاع جوي
وصاروخي يعتمد على التقنية المتقدمة، وليس على القوة البشرية،
لأن ليبيا بلد قليل السكان بالنسبة لجيرانه، ومساحتها واسعة
يصعب الدفاع عنها بالأسلحة التقليدية.
وفي يوم الاحتفال بافتتاح ميناء الزويتينة البترولي سنة 1968م
الذي حضره
الملك، استدعى السيد عبدالحميد البكوش مجلس الوزراء في اجتماع
عاجل بعد
الاحتفال مباشرة، وأعلم المجلس بأنه نظرًا لحاجة البلاد إلى
سلاح دفاعي يعتمد على التقنية الفنية العالية، تقرر تسليح
الجيش بشبكة من الرادار والصواريخ الدفاعية لتغطية معظم
المناطق الليبية الشمالية والجنوبية، وأضاف بأن هذه الصواريخ
المتحركة التى وقع الأختيار عليها تعمل على مدى 500 كيلومتر،
وأن لجنة من ضباط الجيش قامت بدراسة عرض بريطاني دراسة دقيقة،
ووافقت على نظام دفاعي يحقق هذا الغرض. وتكلم بعد ذلك وزير
الدفاع السيد حامد العبيدي وأكد كلام رئيس الوزراء، وأضاف بأن
النظام الصاروخي المقترح، يعتبر من أحدث الأسلحة ولا يوجد له
مثيل في دول المنطقة سوى لدى دول حلف الأطلسي، بالإضافة إلى
رغبة وزارة الدفاع في الاستمرار في تسليح الجيش بالأسلحة
التقليدية الأخرى مثل الدبابات البريطانية والطائرات
الأمريكية.
![hammerapril1968[1].jpg - 25.03 Kb](http://september69.com/images/stories/suni/hammerapril1968[1].jpg)
الملك إدريس
في افتتاح ميناء الزويتية البترولي في أبريل 1968 ويظهر على
يمين الملك السيد عبدالحميد البكوش رئيس الوزراء وعلى
يساره المستر آرماند هامر رئيس شركة أكسيدنتال وخلفهما باللباس المدني العقيد عبدالعزيز الشلحي
وقد تساءل
بعض الوزراء ومنهم وزير التخطيط الدكتور علي أحمد عتيقة عن
تأثير مثل هذا المشروع على مشاريع التنمية الاقتصادية
والاجتماعية التي يجب أن تكون لها الأولوية في تقديرات
الميزانية، فمشاريع الدفاع الحديثة باهظة التكاليف،
خاصة أن ليبيا ملتزمة بدفع ثلاثين مليون جنية ليبي، أي ما
يساوي تسعين مليون دولار أمريكي سنويًا لدعم الدول المجاورة
لإسرائيل طوال فترة الخطة الخماسية للتنمية. كما طلب وزير
المالية السيد الهادي القعود ضرورة معرفة تكاليف المشروع قبل
الالتزام بأي عقد، وأضاف بأن مصروفات وزارة الدفاع الحالية
تزيد على مخصصاتها في الميزانية العامة، وأية نفقات
إضافية
يجب الموافقة على تخصيص أموال لها قبل تنفيذها. كما تساءل وزير
السياحة السيد معتوق آدم عن سبب عرض موضوع هذه الأسلحة الهام
بصفة مستعجلة على المجلس، وهل الغرض من ذلك هو مجرد عرضه
للمعلومية بعد أن تمت الموافقة عليه.

الدكتور على عتيقة
وأوضح رئيس الوزراء بأن هدفه من عرض الموضوع على المجلس هو أخذ
رأيه نظرًا لأهميته، رغم سريته، بعد أن تمت دراسته الفنية من
قبل لجنة عسكرية متخصصة من كبار ضباط الجيش الليبي، وأكد
الخبراء الأجانب من بريطانيين وأمريكيين على أن الضباط
الليبيين على درجة عالية من الكفاءة والخبرة لا تقل عن كفاءة
وخبرة ضباط حلف الأطلسي، وطالب مجلس الوزراء بأن يثق في ضباط
الجيش الليبي. كما أوضح أن المشروع قد حظي بموافقة الملك وهو
الآن قيد التنفيذ، وأنه كان حريصًا على عرضه على مجلس الوزراء
وأخذ رأيه في الموضوع، حتى لا يفاجأ أعضاء مجلس الوزراء عند
إذاعة خبر الموافقة عليه في الإذاعة.
وكان رأيي أن الموضوع ليس إجراءًا
روتينيًا عاديًا يمكن لرئيس الوزراء بالتشاور مع وزير الدفاع
اتخاذ
قرار فيه دون الحصول على موافقة مسبقة من مجلس الوزراء،
فالموضوع يتعلق بتسليح الجيش بأسلحة ضخمة متطورة بتكاليف
باهظة، والناس في ليبيا أصبحوا يشكون في المشاريع والصفقات
الكبيرة، وأخشى أن إعلان هذا المشروع فجأة سيفتح مجالاً
للإشاعات والأقاويل وتهم الفساد وهو الشئ الذي حرصت هذه
الحكومة على محاربته،
كما
يجب إعطاء وقت كاف لدراسته من طرف اللجان الفنية ومجلس الوزراء
وإحاطة الرأي العام عن تفاصيله لتقبل مثل هذا القرار الخطير.
كان رد رئيس الوزراء بأنه إذا تخوفنا من ما يقال في الشارع من
إشاعات عن الفساد، فلن تستطيع الحكومة عمل أي شئ يعود بفائدة
على البلاد، وإن الحكومة يجب أن تنطلق من قناعتها بسلامة
القرارات والإجراءات التي تتخذها. وأنهى الجلسة عند هذا الحد
مؤكدًا بأنه سيطلع المجلس على مزيد من التفاصيل في الجلسات
القادمة.
وخرج الوزراء غير مقتنعين بإجابة رئيس الوزراء وعرض الموضوع
عليهم بهذه الصورة المستعجلة، رغم تسليمهم بأن الحكومة ملتزمة
أمام مجلس الأمة بتسليح الجيش بأسلحة حديثة، كما أن اختيار نوع
السلاح هو عادة من اختصاص وزير الدفاع ومساعديه في الجيش. وبعد
هذه الجلسة أعلن رئيس الوزراء في مؤتمر صحفي موافقة الحكومة
على تسليح الجيش الليبي بشبكة من الصواريخ والرادارات. وبعد
فترة أعلن توقيع عقد الشراء وعقد المساندة مع الشركات
البريطانية بإشراف الحكومة البريطانية، دون عرض المزيد من
المعلومات على مجلس الوزراء حول الموضوع والاعتمادات المالية
لتغطية تكاليف المشروع، بالإضافة إلى العقود السابقة لشراء
دبابات وطائرات وسفن حربية التي سبق وأن وافقت عليها حكومة
السيد حسين مازق ووزير الدفاع آنذاك السيد أبوسيف ياسين. وبرر
وزير الدفاع السيد حامد العبيدي عدم تقديم العقود لموافقة مجلس
الوزراء، بأن عقود التسليح سرية وتتناول الصواريخ ومواقعها،
والدبابات والطائرات وقدرتها وكفاءتها وتكاليفها، وتاريخ
التعاقد وتاريخ التسليم والانتهاء من إنشاء المنشأت لها، كلها
معلومات تعتبر أسرارًا عسكرية.

السيد أبوسيف ياسين
تسليح الجيش في عهد السيد ونيس القذافي
استمر تنفيذ مشروع التسليح في سرية في عهد حكومة السيد ونيس
القذافي. وكانت لجنة تسليح الجيش التي ألفها وزير الدفاع تجتمع
وتوافق على العقود وترسل البعثات التدريبية ووفود التفاوض مع
الشركات المعنية في بريطانيا، وطلبت اللجنة استعارة المستر بيت
هارديكر المستشار المالي والاقتصادي لرئيس مجلس الوزراء
للاستعانة به في أعمالها، ودراسة العقود وتمشيها مع القوانين
المالية والجمركية المعمول بها في ليبيا.
وكنت عن طريق المستر بيت هارديكر أعرف ما يجري في اللجنة.
وأذكر أنه أخبرني بأنه أستطاع تخفيض تكاليف العقود، لأن
الشركات البريطانية المتعاقد معها وضعت تقديرات مبالغ فيها
لعدم إلمامها بمستوى المرتبات في ليبيا ومستوى المعيشة فيها،
كما حرص على مراجعة أسعار الأسلحة والمعدات التي تطلبها
الشركات ومقارنتها بالأسعار المعروفة عالميًا وفي بريطانيا.
إن تفاصيل هذا المشروع وأسعار الأسلحة الصاروخية وخدمات
التدريب يتعذر ذكرها في هذه الذكريات، خاصة أنها لم تكن معروفة
لدينا
آنذاك
عندما بدأ تنفيذ المشروع. وفي السنوات الأخيرة نشرت تقارير
مفصلة عن مشروع
التسليح
في ملفات الحكومة البريطانية التي رفع عنها الحجر بعد مضي فترة
30 عامًا عليها، وتتضمن مراسلات وزارة الدفاع وتقارير السفير
البريطاني ومراسلات الحكومة البريطانية مع وزارتي الخارجية
والدفاع الليبيتين، والشركات المتعاقدة مع ليبيا، ومراسلات هذه
الشركات مع ليبيا. وأنصح من يريد معرفة المزيد عن الموضوع
الرجوع إلى هذه الوثائق البريطانية في دار الوثائق البريطانية
في منطقة كيو جاردن بلندن.
البـترول
أنشطة البترول ودور وزارة البترول في السنوات الأولى للتنقيب
والاكتشافات موضوع شائك طويل ويحتاج إلى مجال أوسع من هذه
الذكريات. وفي الفترة الأخيرة للعهد الملكي الليبي السابق
توليت منصب وزير البترول بالوكالة لفترة قصيرة وعرفت بعض
المشاكل التي ترافق عادة منح الامتيازات البترولية والتي
سأحاول تلخيصها فيما يلي باختصار.
الإمتيازات التي أعطيت في عهد السيد حسين مازق
عرضت على شركات البترول العالمية وبعض الشركات المستقلة في
مايو 1965 مناطق للتنقيب عن البترول، وقد
تقدمت هذه الشركات بعروضها وقد درست هذه العروض من طرف ما سمى آنذاك
بالمجلس الأعلى لشئون البترول، وقد رفض هذا المجلس بعضها لعدم
توفر الشروط المطلوبة.
فقد كانت بعض الشركات صاحبة هذه العروض لا تتمتع بسمعة مالية
طيبة، وبعضها على ما قيل شركات جديدة أنشئت خصيصًا للمشاركة في
العطاءات التي أعلنتها الحكومة الليبية لامتيازات عقود
البترول.
وقد
علقت على عملية فتح امتيازات جديدة كثير من الصحف الغربية
والعربية آنذاك. وكان هناك خلاف بين وزير البترول الأستاذ فؤاد
الكعبازي الذى كان مساندًا من بعض أفراد الحاشية الملكية، وبين
كبار موظفي وزارة البترول وأعضاء المجلس الأعلى لشئون البترول.
وقد أدى هذا الخلاف في النهاية إلى استقالة الأستاذ فؤاد
الكعبازي من منصبه كوزير للبترول في أبريل 1967 واستبداله
بالسيد خليفة موسى وكيل وزارة البترول بالوكالة، بالإضافة
إلى عمله الرئيسي في وزارة المالية كوكيل للوزارة لشئون
الجمارك.
ورغم أن رئيس الوزراء آنذاك السيد حسين مازق كان لا يتفق مع
وزير البترول الأستاذ فؤاد الكعبازي حول مجرى عروض شركات
البترول، لكن يظهر أنه لم يستطع إقناع الملك بإخراجه من وزارة
البترول في أول تعديل له للوزارة، ولكن رئيس الوزراء استطاع
إخراجه بعد ذلك بعد أن تمت الموافقة على عقود الامتياز للتنقيب
عن البترول. وقد عرضت على مجلس الوزراء قرارات المجلس الأعلى
لشئون البترول حول العطاءات المقدمة ووافق عليها
وأضيفت شركات أخرى دون عرضها على المجلس الأعلي لشئون البترول،
وعلى
إثر ذلك استقال ثلاثة من أعضاء المجلس وهم السادة د. على
عتيقة، سالم عميش وإبراهيم الفقيه حسن.
السيد فؤاد الكعبازي
ومن الإشاعات التى صاحبت هذه العروض، أن الملك أمر رئيس
الوزراء السيد حسين مازق بالموافقة على عرض شركة أوكسيدنتال،
التى يملكها الأمريكي آرماند هامر، لأنها تقدم مزايا ترمي إلى
تخصيص نسبة 5 بالمائة من أرباحها لتنمية منطقة الكفرة، رغم أن
المجلس الأعلى لشئون البترول لم يوافق على هذا العرض لعدم
أهلية الشركة المذكورة التي تنقصها الخبرة والأهلية المالية
للقيام بعمليات التنقيب والإنتاج وتصدير البترول، كما أنه
يشتبه بعلاقاتها مع أحد أفراد الحاشية الملكية. بالإضافة إلى
أن مجلس الوزراء لم يكن موافقًا بالإجماع على قرار منح بعض
الامتيازات بسبب معارضة بعض الوزراء لها.
كان رئيس الوزراء وبعض الوزراء وكبار المسئولين في الدولة
يبررون مواقفهم، في المجالس الخاصة، بأن الملك نفسه أصدر
تعليماته بالموافقة على بعض العروض، بما فيها عرض شركة
أوكسيدنتال. وقد وصلت بعض هذه الأقوال إلى مسامع الملك، مما
جعله يأمر سكرتيره بإصدار بيان بنفي هذه الإشاعات والتأكيد بأن
الملك لم يتدخل إطلاقًا في عروض شركات البترول ولكنه نصح
الحكومة بالموافقة على العقود التي تقدم ميزات وخدمات إضافية
من أرباحها للبلاد، وكان يقصد بذلك شركة أوكسيدنتال.
وقد جاء البيان تأييدًا ضمنيًا للإشاعات بأن بعض العقود أعطيت
بأمر الملك دون مراعاة لنتيجة العطاءات. عقب هذا البيان صدر
مرسوم ملكي بتعديل الوزارة وخروج بعض الوزراء.

السيد خليفة موسى
المستر آرماند هامر
رئيس مجلس إدارة شركة أوكسيدنتال للبترول
آرماند هامر
(1898-1990م)
ابن مهاجر من الاتحاد السوفيتي وكان من أذكى وأخطر الشخصيات
العالمية في الأنشطة السياسية والتجارية العالمية، وقد سخر
ثروته لبناء سمعته الشخصية. وربط آرماند هامر علاقاته مع
الزعماء السوفيت منذ أيام لينين، وكانت علاقاته وثيقة بالبيت
الأبيض والكونجرس في أمريكا. وقد ساعد على إزدهار التجارة بين
روسيا وأمريكا، ولعب أدوارًا هامة وسرية ومخابراتية بين روسيا
وأمريكا، كما اكتسب صداقة ملوك ورؤساء الدول العربية
البترولية. كان نشاطه في ليبيا أهم مصادر ثروته الكبيرة، وقد
استطاع الحصول على امتيازات بترولية مهمة، وأصبحت شركة
أوكسيدنتال إحدى أكبر الشركات البترولية المصدرة للنفط الليبي،
واستفادت ببلايين الدولارات من تصدير البترول الليبي وتكريره
وبيعه.

لقاء هامر بزعيم الحزب الشيوعي السوفيتي نيكيتا خروتشوف
توثقت علاقات هامر بالملك إدريس عندما تقدم للحصول على
امتيازات بترولية في ليبيا، واستطاع بدعم من بعض أفراد الحاشية
الملكية إقناع الملك إدريس بأنه في حالة حصوله على امتيازات
بترولية في ليبيا، فإنه سيخصص 5% من أرباح شركته لتمويل مشروع
زراعي كبير في الكفرة مركز الحركة السنوسية القريبة إلى قلب
الملك. وفعلاً أوصى الملك بإرساء العطاء على شركة أوكسيدنتال
كما أوضحت. وهنا لا أريد الدخول في نشاط هامر البترولي
وعلاقاته مع كثير من المسئولين الليبيين ولكني سأتعرض إلى لقاء
لي معه.
دعاني المستر هامر في إحدى زياراته إلى ليبيا، وكنت وزيرًا
للبترول بالوكالة، لمرافقته في زيارته لمشروع شركته الزراعي في
الكفرة. وسافرنا برفقة زوجته في إحدى الطائرات العادية لشركة
أوكسيدنتال، لأن طائرته النفاثة الصغيرة لا تستطيع الهبوط في
الكفرة. وأتيحت ليّ الفرصة للتعرف على هذا الشخص الغريب
الأطوار. كان طوال الرحلة يتكلم عن نجاحاته وعلاقاته، ودوره في
القضاء على احتكار الشركات البترولية الكبرى للأنشطة البترولية
وخاصة في ليبيا. وعندما سألته عن سر نجاحه كرجل أعمال ذكي
ومميز قال لا شك أن هناك مبالغة في مقدرتي الشخصية، ولكني رجل
عملي في طريقة تسيير أعمالي، فمثلاً عندما وقعت عقد التنقيب عن
البترول مع الحكومة الليبية، مررت في طريقي إلى أمريكا على
زيورخ في سويسرا وحصلت من إحدى البنوك على قرض بالمبلغ المقرر
صرفه في ليبيا للتنقيب وفق العقد بضمان العقد نفسه، لهذا لم
أدفع شيئا من جيبي، وكانت العملية بالنسبة لي عبارة عن رحلة
ترفيهية من أمريكا إلى ليبيا ثم أوروبا، وهكذا تتم كل عملياتي
التجارية وتوطيد علاقاتي مع الجميع.
وكان في بعض الأحيان يغفو وينام واعتذرت زوجته لسلوكه هذا،
وقالت إن زوجها لا ينام في حجرة نومه كما يفعل الناس، بل
يستغني عن ذلك بغفوة النوم هذه أثناء سفره اليومي وتنقلاته
بالسيارة والطائرة وفي مكتبه أحيانًا. كان هامر ملمًا بتفاصيل
النشاط البترولي في ليبيا ودور المسئولين الليبيين فيه. وأذكر
أننا تعرضنا للحديث عن السيد خليفة موسى وزير البترول آنذاك،
والذي كان مسافرًا في مهمة رسمية، فقال إن خليفة موسى رجل ذكي
ويعرف مسئولياته جيدًا، ونصحني بالاستمرار في علاقاتي مع السيد
خليفة للتفرغ للنشاط البترولي لتولي مسئوليات كبيرة مستقبلاً
في هذا المجال البترولي الذي يميز ليبيا عن غيرها من دول
المنطقة، بالإضافة إلى مركزها الاستراتيجي الممتاز بين الشرق
والغرب والشمال والجنوب. وقد دعاني إلى زيارة أمريكا والإطلاع
على نشاط شركة أوكسيدنتال في لوس أنجلس وبيكرسفيلد.
كان مشروع أوكسيدنتال الزراعي في الكفرة في بدايته، وكان يديره
في تلك الفترة شخص أمريكي مشهور من العاملين في هذا المجال،
وكما قال لي المستر هامر أن هذا الشخص يعتبر من أثرياء أمريكا،
لكنه حريص على العمل بنفسه في مشاريع شركته، ولا تهمه مشقة
الحياة في الصحراء مع مساعديه وعماله. وكانت آلات المياه تروي
مساحة كبيرة خضراء وسط الصحراء، مزروعة بنباتات خاصة لتقوية
التربة لتكون صالحة للزراعة. وقد تفقدنا الأعمال الجارية،
والتخطيط للمستقبل، والمرافق العامة التي أعدت للموظفين
والعمال. وأذكر أنه أثناء عودتنا إلى طرابلس قابلت الطائرة
عاصفة قوية على خليج سرت ومرت بفراغات هوائية كبيرة جعلت
الطائرة ترتفع وتهبط بشكل لم نستطع فيه حفظ توازننا داخلها،
ومع كل هذا لم يظهر على وجه المستر هامر أي شعور بالانزعاج
لأنه أدمن ركوب الطائرات طوال حياته.
وفي زيارة أخرى له إلى ليبيا كان في البيضاء، وكنت مسافرًا مع
بعض الوزراء
إلى بنغازي ومنها إلى طرابلس كالعادة دائما في نهاية الأسبوع،
وكنا نستعمل طائرات صغيرة للخطوط الليبية من مطار لبرق إلى
مطار بنغازي، لنأخذ طائرة الخطوط
الجوية
الليبية النفاثة إلى طرابلس. وفي مطار لبرق وجدنا المستر هامر
يستعد للسفر
بطائرته النفاثة الصغيرة إلى طرابلس ومنها إلى أمريكا عن طريق
أوروبا. ولما كان
عددنا ثلاثة فقط فقد عرض علينا السفر معه بطائرته إلى طرابلس
بدلاً من ركوب
طائرة الخطوط الليبية، فقبلنا العرض لأنه أسرع لنا بمواصلة
السفر رأسًا إلى طرابلس.
وبعد أن استقر بنا المقام في طائرة المستر هامر وغادرت طائرة
الخطوط الليبية مطار
لبرق، جاء قائد الطائرة وهمس في أذن المستر هامر، فظهر على وجه
الأخير الانزعاج وشعر بالحرج، وقال بأسف ظاهر إنه يأسف لوجود
خلل ميكانيكي في الطائرة ولا يمكنها الطيران إلا بعد وصول قطع
الغيار اللازمة لها من باريس بطائرة خاصة، واقترح أن يأتي لنا
بإحدى طائرات شركة أوكسيدنتال العادية المستعملة في الحقول
وذلك لأخذنا
إلى بنغازي لنلحق بطائرة الخطوط الليبية الذاهبة إلى طرابلس.
وفعلاً تم ذلك وودعنا وبقي المستر هامر مع طائرته التي لم
تستطع الطيران إلا في صباح اليوم التالي بعد وصول قطع الغيار
من باريس.

كان هامر عراب (godfather)
الأمير
تشارلز ولي عهد بريطانيا في مراسم تعميد الأمير
عقود مشاركة بترولية مع الشركات الفرنسية
بعد زيارة السيد عبدالحميد البكوش لفرنسا في إبريل 1968
منحت عقود امتياز بترولية مشاركة لشركتي ( ألف أكتين وإيراب )
الفرنسيتين، مما أثار مخاوف أمريكية وبريطانية لفقدان
احتكارهما للتنقيب وإنتاج البترول في ليبيا، كما دارت حولها
بعض الإشاعات حول الرشوة والفساد.
عقود المشاركة مع شركات البترول سنة 1968
استحدثت عقود
المشاركة بعد إنشاء المؤسسة الليبية العامة للبترول التي بدأ التفكير
فيها منذ عهد حكومة السيد محمود المنتصر، وصدر قانون بإنشائها
سنة 1968 في عهد حكومة السيد البكوش. وبناء على اقتراح لوزير
البترول السيد خليفة موسى ثم طرح بعض المناطق التي استرجعت من
شركات البترول في مناقصة عالمية، وطلب من الشركات التقدم
بعروضها للدخول في مشاركة مع الحكومة ممثلة بالمؤسسة الليبية
العامة
للبترول.
وقد تقدمت عدة شركات بعروضها التي عرضت على مجلس إدارة مؤسسة البترول
فوافق عليها باستثناء عرض شركة
"شباكوا"
الأمريكية الذي رفضه المجلس لعدم توفر الشروط المطلوبة. وكانت
بعض الشركات الأخرى التي تقدمت بعروضها هي من الشركات الكبرى
المعروفة ومعظمها لها نشاط سابق بليبيا. وقد حصل انقسام في
مجلس إدارة مؤسسة البترول بصدد قراره بشأن شركة شاباكو المذكورة فرفض
عرضها عدد من أعضاء المجلس أذكر منهم السيدين مصطفى رشيد
الكيخيا وشكري غانم.
وقد عرض وزير البترول قرار مجلس إدارة مؤسسة البترول على مجلس
الوزراء، واقترح إضافة عرض شركة
"شباكوا"،
وقال إنه بالرغم أن عرض شركة
"شباكوا"
لم يوافق عليه مجلس إدارة مؤسسة البترول، إلا أنه رغبة في إعطاء هذه
الشركة فرصة أخرى، فقد طلب منها التعهد بشروط تتعلق بالأسباب
التي رفض العقد من أجلها وهي الأهلية المالية ولكونها شركة
جديدة ليست لها الخبرة المطلوبة، واشترط عليها تقديم ضمان مالي
من مصرف عالمي موثوق به، والتعهد بعدم التنازل عن امتيازها
لشركة أخرى، وذلك ضمانًا لعدم المتاجرة وبيع امتيازها
لإحدى
الشركات العاملة في البلاد. وقد وافقت الشركة على كل هذه
الشروط. ولهذا اقترح وزير البترول على مجلس الوزراء بصفته
السلطة العليا المختصة بالموافقة على عرض الشركة، رغم معارضة
مجلس إدارة المؤسسة الليبية العامة للبترول.
وقد أيد رئيس الوزراء رأي وزير البترول. وكان واضحًا لدى أعضاء
مجلس الوزراء أن وزير البترول ورئيس مجلس الوزراء واقعان تحت
ضغط من الحاشية الملكية. وكان وزير البترول رغم تقدمه باقتراح
الموافقة غير متحمس لعرض الشركة المذكورة. وقد وافق مجلس
الوزراء على عقود المشاركة الأخرى التي وافق عليها مجلس إدارة مؤسسة
البترول وكذلك على عقد شركة
"شباكوا"
بالشروط التي ذكرها وزير البترول. وقد رفض مجلس الوزراء عرض
شركة إسو للبترول بقبول امتيازات لبعض المناطق المعروضة دون
التقيد بمبدأ المشاركة، الذي لا يتمشى مع سياستها الدولية، رغم
تقدمها بامتيازات إضافية مغرية بإنشاء صناعات بتروكيميائية
كبرى في ليبيا. والمعروف أن منظمة الأوبك اعتمدت مبدأ
المشاركة، إلا أنها تركت الباب مفتوحًا لعقود الامتياز
التقليدية.
أحيل قرار مجلس الوزراء بالموافقة على عقود البترول على وزارة
البترول، التي حولته بدورها على المؤسسة الليبية العامة للبترول
لتنفيذه، وإعداد العقود للتوقيع عليها وإصدارها وفقًا لقانون
البترول.
وقام رئيس مجلس إدارة المؤسسة السيد محمد الجروشي بالموافقة على العقود
وتوقيعها نيابة عن المؤسسة، وأحالها على وزير البترول آنذاك
السيد خليفه موسى للتصديق عليها وإصدارها حسب القانون.
وفعلاً صدّق السيد خليفة موسى ووقع كل العقود التي وافق عليها
مجلس الوزراء باستثناء العقد مع شركة
"شباكوا"
المشار
إليه
أعلاه نظرًا لإدخال تعديل عليه بالاتفاق بين الشركة ورئيس
مجلس إدارة المؤسسة الليبية العامة للبترول، يعطي الشركة معاملة خاصة في التقيد
بالمشاركة مما لا يتمشي مع قرار مجلس الوزراء. ومن المصادفات
أنه أسندت لي مهام وزير البترول بالوكالة في هذه الفترة، عندما
ذهب السيد خليفة موسى الوزير الأصلي لوزارة البترول في إجازته
السنوية.
 بشير المنتصر والسيد خليفة موسى وزير البترول (في وسط
الصورة) والسيد إبراهيم الهنقاري وكيل وزارة البترول
في يوم 31 اغسطس 1969 عرض علي وكيل وزارة البترول السيد
إبراهيم الهنقاري والوكيل المساعد السيد عيسى البعباع عقد شركة
"شباكوا"
المشار
إليه
للتوقيع، وذكرا لي بأن ممثل الشركة يصر على توقيع العقد أسوة
بغيره من العقود التي وافق عليها مجلس الوزراء، وأنه مسافر إلى
أمريكا ويرغب في أخذ العقد معه موقعًا. وقد اعتراني الشك في
الموضوع فسألت السيدين إبراهيم الهنقاري وعيسى البعباع عن سبب
عدم توقيع السيد خليفة موسى وزير البترول الأصلي على العقد
أسوة بغيره من العقود التي وافق عليها مجلس الوزراء، فكان
جوابهما بأن العقد مع شركة
"شباكوا"
يتضمن بنودًا استثنائية تعفي الشركة من الدخول في مشاركة مع
الحكومة، وهو استثناء غير وارد في قرار مجلس الوزراء ولم يذكر
في العقود مع الشركات الأخرى، وأن السيد خليفة موسى أمر بحفظ
العقد إلى حين عودته لدراسته مع رئيس مجلس إدارة المؤسسة الليبية العامة للبترول،
والسبب في عرضه عليّ اليوم هو أن القصر الملكي في طبرق اتصل
بهما وطلب منهما تقديم العقد إليّ للتوقيع.
وفوجئت بعد ذلك برسالة من ممثل شركة
"شباكوا"
يعلمني فيها بأنه إذا لم يتم التصديق اليوم على عقد شركته
الموقع من طرف رئيس مجلس إدارة المؤسسة الليبية العامة للبترول، فإن شركته ستلجأ إلى القضاء
والمطالبة بالتعويض عن أي تأخير. كما استلمت مكالمة هاتفية
بهذا
المعنى من القصر الملكي من إحدى سيدات الحاشية الملكية بحجة أن
مدير الشركة اتصل بها وطلب منها التوسط لدي، وقد أوضحت لها
ظروف العقد والصعوبات التى تواجه توقيعه ورفضي التوقيع على
العقد حتى يعدل وفق قرار مجلس الوزراء.
وعلى الفور طلبت من السادة إبراهيم الهنقاري وكيل وزارة
البترول، والسيد عيسى البعباع الوكيل المساعد، والسيد سهيل
السعداوي نائب رئيس مجلس إدارة المؤسسة الليبية العامة للبترول، الذي صادف وجوده في
الوزارة، دراسة عقد الشركة المشار إليه أعلاه وتقديم تقرير
مكتوب إليّ حالاً. وفعلاً تقدموا بتقرير مفصل فحواه بأن العقد
مخالف لقرار مجلس الوزراء لأنه تضمن استثناءات غير واردة في
القرار. وعلى الفور طلبت من السيد عيسى القبلاوي الوكيل
المساعد إعداد رسالة إلى رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة
الليبية للبترول وإعادة العقد إليه
لتعديله وفقًا لقرار مجلس الوزراء، وعلى أن يتضمن
أيضًا
الشروط الإضافية التي التزم بها وزير البترول أمام مجلس
الوزراء بالنسبة لشركة
"شباكوا"
وتقديمه من جديد للتوقيع والمصادقة عليه من وزير البترول،
كما طلبت منه إرسال رسالة مستعجلة تسلم في حينها إلى ممثل
الشركة بهذا المعنى، والإعراب له عن أسفي لعدم إمكاني توقيع
العقد حتى يتم تعديله ليتمشى مع قرار مجلس الوزراء.
كما أخبرت السيد ونيس القذافي
رئيس الوزراء بما اتخذته من إجراءات ولفت نظره إلى مخالفة رئيس
مجلس إدارة المؤسسة الليبية العامة للبترول لتوقيعه على عقد شركة "شباكوا"
بما لا يتمشى وقرار مجلس الوزراء، وقد وافقني رئيس الوزراء على
الإجراء الذي اتخذته، ووعد بالنظر في وضع رئيس مجلس إدارة المؤسسة الذي
كثرت الشكوى منه وخلافاته مع مجلس إدارة مؤسسة البترول ومع كبار
الموظفين في الوزارة. وقد أحضر لي السيد عيسى القبلاوي
الرسالتين المشار إليهما أعلاه، إلى كل من رئيس مجلس إدارة المؤسسة
الليبية العامة للبترول وإلى ممثل شركة "شباكوا"،
فوقعتهما في مكتب وزير الخارجية في نفس اليوم، رغم انشغالي مع
السيد عبدالهادي بوطالب الوزير المغربي الذي كان في زيارة
رسمية إلى ليبيا لتسليم دعوة الملك الحسن الثاني ملك المغرب
إلى الملك إدريس لحضور مؤتمر القمة الذي كان سيعقد في الرباط
في سبتمبر.
وقد
سررت عندما كنت في المعتقل عندما أذيع قرار إلغاء العقد مع
شركة "شباكوا"
من طرف الحكومة التي ألفت بعد قيام الثورة، استنادًا على
رسالتي التي أرسلتها إلى ممثل الشركة المشار إليها أعلاه. وما
أثار غضبي أن وزير البترول الأصلي السيد خليفة موسى لم يعلمني
مسبقًا بالمشكلة قبل سفره في إجازة. وقد قابلته بعد ذلك في
روما وأثرت معه الموضوع ولمته على عدم إعلامي قبل سفره
بتفاصيل المشكلة مع شركة "شباكوا".
زيارات بعض الشخصيات العربية والأجنبية
أود في هذه المرحلة من الذكريات سرد ملخص للزيارات التي قامت
بها بعض الشخصيات العربية والأجنبية لليبيا.
السيد حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة
قام السيد حسين الشافعي بزيارة إلى ليبيا أواخر 1967 رافقه
فيها السيد عصام الدين حسونه وزير العدل المصري، وقد أسندت لي
مهمة مرافقته أثناء الزيارة. كان في استقبال السيد الشافعي في
المطار الدكتور أحمد البشتي وزير الخارجية نيابة عن الملك وأنا
نيابة عن رئيس الوزراء السيد عبدالحميد البكوش. قابل رئيس
الوزراء بمكتبه السيد الشافعي وبرفقته وزير العدل المصري
والسفير المصري في ليبيا، وكنت حاضرًا لهذه المقابلة. وذكر
السيد الشافعي خلال المقابلة بأنه جاء إلى ليبيا حاملاً رسالة
إلى الملك إدريس من الرئيس عبدالناصر، وفي نفس الوقت سيشرح
للمسئولين الليبيين الحالة العسكرية على الجبهة الغربية مع
إسرائيل. وأضاف بأن الجمهورية العربية المتحدة تقوم بإعداد
قواتها المسلحة على أسس جديدة لتجنب ما حدث في نكسة 1967م،
كما ذكر بأن مساعي الحل السلمي لازالت جارية، ولكن لابد من
الاستعداد لمعركة قادمة مع إسرائيل لاسترداد الأرض التي
احتلتها إسرائيل سنة 67 مع الإعداد للمعركة جيدًا.

في يسار الصورة السفير المصري
السيد صلاح بدر
ثم
السيد عبدالحميد
البكوش (وجهه
غير ظاهر)،
تحت العلم من اليسار السيد
حسين
الشافعي ثم وزير العدل المصري
السيد عصام
الدين حسونة ثم بشير المنتصر،
على اليمين اثنان
من
مستشاري السفارة المصرية
قدم السيد الشافعي شرحًا وافيًا للاتصالات الجارية مع الولايات
المتحدة الأمريكية والوضع العربي. واستمع بعد ذلك إلى تعليق
رئيس الوزراء السيد البكوش الذي أكد له حرص ليبيا على تأييد
الجهود والمساعي العربية لاسترداد الأراضي العربية المحتلة،
وتأكيد حق الشعب الفلسطيني في استقلاله واسترداد أراضيه
المغتصبة، كما أن ليبيا تتفهم مشاكل الدول المجاورة لإسرائيل
وحقها في إستعادة أراضيها بالأسلوب الذي تراه مناسبًا لها،
ولكن الدول العربية غير المجاورة لإسرائيل ومن بينها ليبيا
ليست في حاجة إلى التفاوض مع إسرائيل أو الاعتراف بقرار مجلس
الأمن رقم 242.
كما قابل السيد الشافعي بعد ذلك الملك إدريس وحضر المقابلة عن
الجانب الليبي رئيس الوزراء، وجرى الحديث مع الملك على نفس
النهج الذي جرى عند مقابلته لرئيس الوزراء، مع التأكيد على
مشاركة ليبيا في الجهود الجارية لتقوية الجبهات العربية مع
إسرائيل. ولم تثر أثناء المقابلة مسائل المساعدات المالية،
خاصة وأن ليبيا ملتزمة حسب مؤتمر القمة في الخرطوم بدفع ثلاثين
مليون جنية ليبي للدول المواجهة لإسرائيل.
وقد سنحت لي فرصة مرافقة السيد الشافعي ومناقشته حول الوضع
العربي ودور الكفاح العربي من أجل تحرير الأراضي العربية
المحتلة. وكان الشافعي واثقًا كل الثقة من مقدرة الأمة العربية
على الصمود، ويرى أن العرب يجب أن يواجهوا حملة التشكيك التي
يروجها الغرب للنيل من إرادة الأمة العربية بدعوى التخلف
العلمي والتكنولوجي حتى يفقدوا الثقة بأنفسهم. كما لاحظت على
الشافعي تدينه العميق، واستخدامه للآيات القرآنية في أحاديثه،
وكان على جانب كبير من المعرفة بالفنون والنهضة الثقافية
العربية، بالإضافة إلى تحليلاته السياسية الثرية. وكنا قد
أعددنا له برنامجًا حافلاً مليئًا بزيارات المتاحف والمدن
الأثرية في وخارج العاصمة طرابلس.

بشير السني المنتصر في رفقة السيد حسين الشافعي نائب الرئيس عبدالناصر أثناء
زيارته الرسمية
إلى ليبيا ويظهر معهما في الصورة السيد علي لاغة محافظ الزاوية
كان رئيس الوزراء السيد عبدالحميد البكوش غير متحمس لهذه
الزيارة، لأن برنامجه السياسي لا يركز على الاهتمام بالتضامن
العربي أو القضية الفلسطينية، بل كان منصبًا على تقوية التعاون
مع الغرب وخاصة مع أمريكا وبريطانيا وفرنسا، مع تركيزه في
المجال العربي على التعاون مع دول المغرب العربي، ويظهر أن مصر
كانت تعرف ذلك كما فهمت من سياق الحديث مع السيد الشافعي. كان
رئيس الوزراء ووزير الداخلية السيد أحمد عون سوف غير مرتاحين
للزيارة تخوفًا من احتمال قيام استقبالات شعبية في المدن
الليبية يصعب التحكم فيها، فقد كان أغلب الشعب الليبي متحمسًا
قوميًا ويكن حبًا وإخلاصًا منقطع النظير للرئيس عبدالناصر
والترحيب بنائبه كان من تحصيل الحاصل.
اتخذ وزير الداخلية السيد أحمد عون سوف احتياطات أمنية خاصة
وخاصة في مدينة طرابلس، وأصر على حصر تحركات الشافعي في نطاق
ضيق. وقد سببت هذه الإجراءات الأمنية إحراجًا كبيرًا لي بصفة
خاصة لأني كنت الوزير المرافق، ومن واجبي الحرص على راحته
ورغباته كضيف على البلاد. وكان رئيس الوزراء يؤيد وزير
الداخلية في تحفظاته وكانا يحذراني بأني سأكون مسئولاً عن أية
حوادث شغب أو مظاهرات قد تحدث أثناء الزيارة.
وقد طلب مني رئيس الوزراء تعديل برنامج الزيارة وإلغاء زيارة
السيد الشافعي لمدينة ترهونة لحضور الاحتفال الشعبي المقرر
إقامته هناك للحفاوة بالضيف الكبير، وذلك بعد سماعه خبر
الاستعدادات الكبرى، واحتمال تجمع جماهير شعبية كبيرة من
المناطق المجاورة ومن معظم أنحاء البلاد. بالإضافة إلى ذلك أن
وزير الداخلية أخبر رئيس الوزراء البكوش بأن السيد أبوبكر
نعامة، الوزير السابق وعضو مجلس النواب، يريد استغلال الفرصة
لإقامة احتفالات ضخمة لتقوية نفوذه في المنطقة وتأكيد زعامته
أمام ممثل الرئيس عبدالناصر، وكان السيد البكوش على علاقة غير
ودية مع السيد أبو بكر نعامة.
وفعلاً تم إلغاء الزيارة إلى ترهونة واستبدالها بمدينة الخمس
ولبدة، وعدل البرنامج وفقًا لذلك. وقد حدث بعد ذلك أن أبلغ
السفير المصري مدير إدارة المراسم بوزارة الخارجية الليبية،
وكان بالمصادفة أخي السفير علي السني المنتصر، بأن السيد
الشافعي يشعر بألم في ساقه ويود الراحة في طرابلس يوم الجمعة
إذا أمكن، كما أبدى رغبته في أداء صلاة الجمعة في مسجد أحمد
باشا القرامانلي الواقع في وسط مدينة طرابلس.
وقبل بدء الحفلة التى أقيمت على شرف السيد الشافعي في فندق
الودان ناقشت طلب السيد الشافعي بالصلاة في مسجد أحمد باشا مع
رئيس الوزراء بحضور وزير الداخلية، فعارضا الاثنان ذلك بحجة أن
وجوده في المسجد سيشجع الجماهير في طرابلس للتجمهر والتظاهر
تحية للرئيس عبدالناصر مما يعرض الأمن للخطر، وأصرا على أن
يصلي السيد الشافعي صلاة الجمعة في المسجد المركزي لمدينة
الخمس الواقعة على بعد 100 كم شرقي مدينة طرابلس بعد زيارته
لمدينة لبدة الأثرية المجاورة لمدينة الخمس، وتناول طعام
الغذاء في فندق الخمس والرجوع إلى فندق الودان بطرابلس الذي
يقيم فيه الضيف. وقد طلبت من مدير المراسم بوزارة الخارجية
إبلاغ السفير المصري بعدم إمكانية تعديل برنامج الزيارة
والصلاة في مسجد الخمس بدلاً من مسجد أحمد باشا في طرابلس.
وهكذا ذهبنا في اليوم التالي في موكب كبير إلى مدينة الخمس،
فوجدناها تعج بالجماهير هاتفة للرئيس جمال عبدالناصر والوحدة
العربية، وقد استغربنا كيف سمعت الجماهير بالزيارة غير
المعلنة، وعرفنا بعد ذلك أن الجماهير التي كانت تنتظر الضيف في
ترهونة علمت بتغيير زيارته إلى الخمس فاتجهت إليها.
وبعد صلاة الجمعة وتناول الغذاء عدنا إلى طرابلس. وكان الشافعي
رائعًا وفهم ما كان يجري وراء الكواليس، وقال لي إنه سعيد
بزيارة ليبيا، وتمكنه من زيارة مدينة لبدة التاريخية ومشاهدة
أثارها العظيمة، وتأثر بالحفاوة والترحيب التي أبدتها جماهير
الخمس والمدن الأخرى التي مررنا بها. وكانت الجماهير في طرابلس
تتجمع وتظهر ترحيبها بالضيف كلما تحرك موكبه في المدينة دون
تنظيم أو إعداد مسبق. وعند مغادرته عائدًا لمصر ودع بنفس
المراسم التي استُقبل بها وأعرب عن تقديره لترحيب الملك ورئيس
الوزراء به وشكرني على مرافقتي له طوال فترة الزيارة، كما شكر
المرافقين الآخرين من وزارة الخارجية ورجال الأمن.

بشير المنتصر برفقة السيد حسين الشافعي
أثناء زيارته لمتحف السراي الحمراء بطرابلس
كانت زيارة السيد الشافعي فرصة لي للتعرف عليه، وقد سر كثيرًا
عندما أخبرته بأني درست العلوم السياسية في جامعة القاهرة
وقضيت خمس سنوات في الدراسة بمصر من سنة 1951م
ولغاية سنة 1956م،
بالإضافة إلى عملي بالسفارة الليبية في القاهرة طوال سنة 1962م،
كما ذكرته بأني كنت ضمن الطلبة العرب الذين دعيوا من طرف أعضاء
مجلس ثورة 23 يوليو بعد قيلمها بفترة وجيزة.
وكان من المصادفة أن الرئيس عبدالناصر ألقى خطابًا هامًا أثناء
وجود السيد الشافعي في ليبيا، ولما أخبرته بأني سمعت الخطاب
استفسر مني عن فحواه، وكان حسب ما فهمت يتوقع تغييرًا أو خبرًا
هامًا. وفعلاً بعد عودته من زيارة ليبيا تم استبداله بالسيد
أنور السادات كنائب أول لرئيس الجمهورية. هذا كما فهمت من
حديثه مع وزير العدل في السيارة التي كانت تضمنا معًا، بأنهما
غير راضيين عن سياسة وتصرفات الرئيس عبدالناصر وأعوانه وكانا
ينتقدان الوضع السائد في مصر بصفة عامة.
زيارة
السيد محمود رياض وزير الخارجية المصري
زار
ليبيا بعد السيد حسين الشافعي السيد محمود رياض وزير خارجية
الجمهورية العربية المتحدة وأعد له استقبال رسمي وقابل الملك
إدريس.
وقد حضرت مقابلته مع رئيس الوزراء السيد عبدالحميد البكوش.
وقد بدأ حديثه بسرد تفاصيل اتصالاته المكثفة في أمريكا التي
قضى فيها فترة بعد حرب 1967، وقابل فيها العديد من الوزراء
وأعضاء الكونغرس. وأوضح أنه فشل في مساعيه في الحصول على أي
تأييد أمريكي أو وعد لإلغاء أثار العدوان لحرب 1967م
بإجبار إسرائيل على الجلاء عن الأراضي المحتلة. وأضاف بأن
المسئولين في وزارة الخارجية الأمريكية يعرفون ويتفهمون الموقف
العربي في النزاع الإسرائيلي العربي وكانوا صرحاء معه، وأوضحوا
له بأن أعضاء الكونغرس والبيت الأبيض يسيران بتوجيه من اللوبي
اليهودي الداعم لإسرائيل والذي يمثل النفوذ المالي والإعلامي
في الولايات المتحدة، كما يمثل الصوت اليهودي في الانتخابات
الأمريكية وخاصة في المدن الكبرى مثل نيويورك ولوس انجلوس
وكذلك بقية المدن التي لليهود فيها نفوذ مالي وإعلامي رغم ضآلة
نسبتهم العددية، كما أن تساوي الأصوات في الانتخابات بين
الديمقراطيين والجمهوريين جعل للصوت اليهودي أهمية خاصة، بينما
لم يكن للعرب والمسلمين تنظيم مماثل يؤثر على هذا الحزب أو
ذاك.

السيد محمود رياض
كان السيد محمود رياض فاقدًا للأمل في أمريكا وشدد على ضرورة
التعاون العربي، وقال إن الجمهورية العربية المتحدة تحاول
تقوية دفاعاتها بكل إمكانياتها ولكن على العرب تقوية كل
الجبهات الشرقية والشمالية، وذكر بأن العرب في حاجة إلى طيارين
أكثر من حاجتهم إلى طائرات، فالطائرات يمكن تعويضها في وقت
قصير لكن الطيارون يحتاجون إلى وقت طويل للإعداد والتدريب.
واستفسر السيد رياض من رئيس الوزراء السيد عبدالحميد البكوش عن
موقف ليبيا من الصراع العربي الإسرائيلي.
وكان جواب السيد البكوش حذرًا وأوضح بأن ليبيا تتفهم موقف
الدول العربية المجاورة لإسرائيل في مساعيها من أجل استرداد
أراضيها، وليبيا تدعم الفلسطينيين لتحرير أراضيهم وممارسة حق
تقرير مصيرهم بكل الوسائل المتاحة، وأن ليبيا كانت ولازالت
مستعدة للمساهمة بما لديها من إمكانيات عسكرية ومالية.
أما فيما يخص الحل السلمي فإن ليبيا رغم أنها تؤيد الدول
المتضررة المجاورة لإسرائيل في اتخاد أي إجراء تراه يتمشى
ومصالحها بما في ذلك قبول قرار مجلس الأمن رقم 242 وتنفيذه
بدون المساس بحق الشعب الفلسطيني في فلسطين، إلا أن ليبيا لا
ترى ضرورة لاعتراف باقي الدول العربية بإسرائيل.
وهنا علق السيد محمود رياض قائلاً إن الدول العربية لا زالت
تسير على نهج سياستها السابقة والمغالاة في مطالبها كلامًا لا
فعلاً، فقد كان العرب ينادون برمي اليهود في البحر وتحرير كل
شبر من فلسطين، وكانت النتيجة دخولهم في ثلاثة حروب خسروا فيها
فلسطين كلها وبعض أجزاء من الدول العربية المجاورة، والآن رغم
أن قرار مجلس الأمن القاضي بانسحاب إسرائيل من أراض عربية
احتلتها إسرائيل في حرب 1967 مقابل سلام دائم معها والذي يقضي
في نفس الوقت قبول إسرائيل كدولة بحدودها في 5 يونية 1967، إلا
أن الزعماء العرب لازالوا يرددون كلامًا غير محدد حول حقوق
الشعب الفلسطيني في تحرير كل أراضيه. وكان يشير ضمنًا إلى
جواب السيد عبدالحميد البكوش حول موقف ليبيا، وأضاف أن مثل
التصريحات ترجعنا إلى الدخول في متاهات نعجز فيها عن حل
المشكلة الفلسطينية. ولم يجب السيد عبدالحميد البكوش صراحة عن
ما يحاول السيد محمود رياض الحصول عليه، وهو مدى قبول ليبيا
صراحة قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي قبلته مصر والأردن.
كان هدف زيارة السيد محمود رياض للدول العربية ومنها ليبيا كما
فهمت هو إقناع الدول العربية غير المجاورة لإسرائيل بنبذ سياسة
ذات الوجهين التي تتبعها الحكومات العربية، وإصرارها على عدم
مصارحة شعوبها بقبول إسرائيل في حدودها يوم 5 يونية 1967م،
وفقًا لقرار مجلس الأمن المشار إليه أعلاه. وكانت الدول
العربية غير المجاورة لإسرائيل وخاصة السعودية والعراق وليبيا
غير مستعدة أو مضطرة لقبول قرار مجلس الأمن رقم 242 والاعتراف
بإسرائيل، مع ترك الحرية للدول المجاورة لإسرائيل لانتهاج
السياسة التي تراها مناسبة لاسترجاع أراضيها دون المساس بحق
الشعب الفلسطيني في أراضيه.
زيارة السيد حسن صبري الخولي مبعوث الرئيس
عبدالناصر الخاص إلى ليبيا سنة 1969م
يظهر أن زيارتي السيدين حسين الشافعي ومحمود رياض كانتا مقدمة
لزيارة السيد حسن صبري الخولي الهامة. استُقبل السيد حسن
الخولي رسميًا من طرف السيد فتحي الخوجة كبير التشريفات
الملكية مبعوثًا من الملك، وأنا نيابة عن رئيس الوزراء السيد
ونيس القذافي، والعقيد عبدالعزيز الشلحي بصفته الشخصية،
فالخولي تربطه بعائلة الشلحي علاقات خاصة منذ أيام السيد
البوصيري الشلحي وعلاقته الوثيقة بالرئيس عبدالناصر.
هذا وقد قابل السيد الخولي الملك وتناول معه الغذاء الذي حضره
رئيس الوزراء السيد ونيس القذافي والعقيد عبدالعزيز الشلحي.
وقد علمت بعد الغذاء من رئيس الوزراء أن الهدف من الزيارة هو
الحصول على مساعدة مالية إضافية لتغطية صفقة شراء طائرات
عمودية من إيطاليا،
لأن السوفيت الذين يزودون مصر بالأسلحة لا يملكون مثل هذا
السلاح، وليس لدى مصر نقد أجنبي لذلك،
وقد وافق الملك على هذا الطلب كما وافق عليه مجلس الوزراء.
وبعدها
اجتمع رئيس الوزراء السيد ونيس القذافي بمكتبه وبحضوري مع
السيد حسن الخولي وأبلغه موافقة الحكومة الليبية على دفع مبلغ
عشرة ملايين جنية ليبي (30 مليون دولار) على دفعتين حسب طلب
الجمهورية العربية المتحدة، وبالطبع كان القرار بأمر من الملك.
وأذكر أن السيد حسن الخولي استقبل القرار بسرور بالغ كأنه لم
يكن يتوقع نجاح مهمته بهذه السرعة، وقال للسيد ونيس القذافي
بأن التاريخ سيسجل لليبيا هذا العمل الجليل لأنها بهذا المبلغ
ستمكن الجيش المصري من أن يتحول من جيش راجل (بري) إلى جيش
طائر (جوي).
وأضاف السيد الخولي بأن التاريخ سيسجل لليبيا بكل فخر واعتزاز
مدى المساعدات التي قدمتها وتقدمها ليبيا للصمود العربي في وجه
الصهيونية والاستعمار، وأشاد بصفة خاصة بموقف الملك إدريس من
القضايا العربية، وأضاف بأن الجمهورية العربية المتحدة ترغب في
إظهار حسن نيتها وتطلب من ليبيا أن تدفع فواتير شراء الطائرات
العمودية رأسًا إلى مصانع الطائرات العمودية في إيطاليا دون
تدخل مصر.
ولكن رئيس الوزراء السيد ونيس القذافي رفض هذا العرض قائلاً إن
ليبيا تثق في الشقيقة مصر وسيحول المبلغ رأسًا إلى الحكومة
المصرية وهي حرة لإتمام عملية الشراء حسب إجراءاتها المالية.
وطلب السيد الخولي بعد ذلك موافقة ليبيا على أن يطلق الجيش
المصري على فرقة الطائرات العمودية التي سيتم شراؤها اسم ليبيا
ووضع شعار الجيش الليبي عليها إظهارًا لمدى مشاركة ليبيا في
المعركة المصيرية القادمة مع إسرائيل.
ورأى السيد ونيس القذافي إحالة القرار في هذا الشأن إلى قيادة
الجيش الليبي للبت في هذا الموضوع، وقال إن هدف الحكومة
الليبية هو مشاركة الجمهورية العربية المتحدة في عبء المعركة
ولا تريد جزاءًا ولا شكورًا لأنها تعتبر ذلك واجبًا عربيًا ولو
توفرت لدى ليبيا قوات عسكرية قوية لما ترددت في المشاركة
الفعالة في المعركة.
وقد
تقرر بعد ذلك دفع المبلغ على دفعتين وسمح لمصر شراء بجزء من
المبلغ أسلحة أخرى غير الطائرات العمودية، كما اعتذرت ليبيا عن
قبول اقتراح السيد الخولي بإطلاق اسم ليبيا على فرقة الطائرات
العمودية في الجيش المصري وكذلك وضع شعار الجيش الليبي عليها.
ومن الصدف أن السيدة أم كلثوم كانت تحي حفلاتها في ليبيا أثناء
زيارة السيد حسن الخولي وقد دعي السيد ونيس القذافي من طرف السيد عبدالله عابد
السنوسي الذي كان يشرف على زيارة السيدة أم كلثوم لحضور حفلتها
التي أقيمت في طرابلس،
وقد تردد السيد ونيس القذافي في أول الأمر في حضور الحفلة ولكن
حضور مندوب الرئيس عبدالناصر السيد حسن الخولي اضطره إلى
حضورها، وأصر على مرافقتي له والجلوس إلى جانبه حتى نهاية
الحفلة.
زيارة السيد صالح مهدي عماش نائب رئيس الوزراء
العراقي 1968م
زار ليبيا في هذة الفترة السيد صالح مهدي عماش نائب رئيس
الوزراء العراقي يرافقه وزير التربية العراقي بدون دعوة رسمية،
وعلمنا بقدومهما بعد دخول طائرتهم الأجواء الليبية.
واستقبلتهما
في المطار نيابة عن رئيس الوزراء السيد ونيس القذافي، ولم
يتمكنا من مقابلة الملك ولكنهما قابلا رئيس الوزراء بمكتبه.
وقد حضرت هذه المقابلة حيث قدم السيد عماش شرحًا للوضع في
العراق والخسائر التي تكبدها الجيش العراقي في حرب 1967، حيث
فقد عددًا كبيرًا من طائراته ودباباته قبل وصول الجيش العراقي
إلى جبهة القتال. كما ذكر بأن دخل العراق من البترول قد تضاءل
بسبب الصراع بين شركات البترول الأجنبية، ولما كان العراق لم
يشمله الدعم العربي الذي قرره مؤتمر الخرطوم للدول المجاورة
لإسرائيل، ولهذا فإنهم يأملون في الحصول على دعم مالي من ليبيا
لتسليح الجيش العراقي وتقوية الجبهة الشرقية في الصراع العربي
الإسرائيلي.
إلا أن
رئيس الوزراء السيد ونيس القذافي
اعتذر
بعدم مقدرة ليبيا في الوقت الحاضر على تلبية طلب العراق، وأضاف
بأن ليبيا ملتزمة بالدعم العربي للدول المتضررة المجاورة
لإسرائيل والمقرر في قمة الخرطوم، كما أنها ساهمت في دعم
الجبهة الغربية مع الجمهورية العربية المتحدة. وأشار إلى
التزام الحكومة الليبية بمشاريع خطة التنمية لحاجة البلاد
الملحة إلى بناء مرافقها العامة، وافتقار الشعب إلى كثير من
الخدمات لفقر البلاد قبل اكتشاف البترول، وعجز الحكومة عن
تمويل أية مشاريع تنموية في الماضي، كما أن الاستعمار الإيطالي
حرم الشعب الليبي من كل مقومات الحياة الكريمة،
بالإضافة إلى أسعار البترول المتدنية. وقد أبدى السيد عماش
تفهمًا لظروف ليبيا الحاضرة وقال إن الوفد العراقي جاء بحسن
نية، وبرسالة نبيلة لخدمة الأمة العربية، ولم يشعر العراق
بالحرج لطلب الدعم من دولة عربية مثل ليبيا
لتجهيز
الجيش العراقي، فهو جيش العرب جميعًا وحصنهم المنيع ضد
الاستعمار والصهيونية.
السيد عماش شخصية فريدة ويحب اللهو والسمر، وفهمت منه أنه يرغب
في السهر ليلاً، خاصة أن برنامج زيارته كان متعبًا ويشمل السفر
والتنقل جوًا داخل ليبيا. فرغم أن العاصمتين في ليبيا هما
طرابلس وبنغازي إلا أن رئيس الوزراء يستقبل زواره عادة في
مدينة البيضاء والملك يستقبل زواره في مدينة طبرق، بينما يقيم
الضيوف في طرابلس، ولهذا كان برنامج كبار الزوار يستدعي تنقلهم
بين طرابلس وبنغازي والبيضاء وطبرق، وتوضع برامج استقبالات
رسمية في كل منها. ويقيم كبار الزوار عادة في فندق الودان في
طرابلس وقد يستريحون في فندق البرينيتشي في بنغازي لبضع ساعات
أثناء سفرهم من وإلى طرابلس والبيضاء وطبرق.
زيارة السيد
محسن العيني رئيس الوزراء اليمني
زار السيد محسن العيني رئيس وزراء اليمن ليبيا وكنت في
استقباله في المطار نيابة عن رئيس الوزراء السيد عبدالحميد
البكوش. لم أكن أعرف السيد العيني شخصيًا ولهذا سألني ونحن في
السيارة عن منصبي في الحكومة، وقد ارتاح عندما عرف أني على
مستوى وزير، وكان كما شعرت يتوقع أن يستقبله رئيس الوزراء في
المطار حسب البروتوكول. شرحت له أوضاع ليبيا ونظام الاستقبالات
الرسمية فيها لوجود رئاسة مجلس الوزراء في البيضاء، والملك في
طبرق.
كما سألني
أيضًا
عن السيد منصور رشيد الكيخيا الذي كان زميله في الدراسة في
مصر.
وبعد
قضاء ليلته في طرابلس سافرنا في اليوم التالي معًا إلى البيضاء
حيث استُقبل في مطار البيضاء من طرف رئيس الوزراء.

السيد محسن العيني
(2004)
ونظرًا لشعوري بعدم رضا السيد العيني على مستوى استقباله في
طرابلس اقترحت على السيد عبدالحميد البكوش رئيس الوزراء
استقباله رسميًا في مطار البيضاء بدلاً من استقباله في مكتبه
كما كان معدًا في البرنامج المعد له.
وعمل
رئيس الوزراء بما اقترحته عليه، رغم أن السيد البكوش كان كما
ذكرت غير متحمس لزوار ليبيا من العرب، كما أنه يعرف أن هدف
زياراتهم كان دائمًا لطلب الدعم المالي، خاصة بعد أن أصبحت
ليبيا دولة منتجة للبترول، رغم أن سعر برميل البترول آنذاك كان
لا يتعدى دولارًا واحدًا.
وأعتقد أن السيد العيني لم يكن راضيًا عن زيارته فهو لم يستقبل
بحفاوة من طرف الملك، كما أن السيد عبدالحميد البكوش لا يعرف
المجاملة، خاصة عندما يواجه بطلبات مالية.
والشيء الذي لم يكن يعجبني في الزوار العرب هو أن كبار
المسئولين العرب يطلبون الزيارة دون إعطاء وقت للإعداد لها في
متسع من الوقت، ويطلبون مقابلة الملك ورئيس الوزراء دون أن
يعلنوا عن الغرض من زيارتهم، مما يضع المسئولين الليبيين في
حرج، بما فيهم الملك، الذي كان لا يريد أن يواجه بطلبات ورغبات
من رؤساء دول تضطره لاتخاد قرار فوري في مواضيع هي من اختصاص
الحكومة.
لكن الزوار العرب يحبذون التوجه بطلبات بلدانهم باسم رؤساء
دولهم إلى الملك مباشرة، لأنهم يؤمنون بأن قرار الموافقة على
مثل هذه الطلبات لا يتخد إلا على هذا المستوى العالي، كما هو
الحال في بلادهم.
زيارة السيد عبدالعزيز بوتفليقة سنة 1967م
وأذكر
خلال هذه الفترة زار ليبيا السيد عبدالعزيز بوتفليقة ومبعوث
الرئيس الجزائري السيد هواري بومدين (اسمه الحقيقي محمد
إبراهيم بوخروبة)، وقد جاء إلى البيضاء وقابل السيد حسين مازق
في
مكتبه، وقد دعاه هذا الأخير إلى غذاء خاص في منزله لم يكن في
برنامج الزيارة، وطلب
مني أن أكون معهما على الغذاء الذي لم يحضره أحد من الخارجية.
وقد كان السيد
بوتفليقة شابًا قريبًا من الرئيس أبومدين. وقد استعرض أثناء
الغذاء العلاقات
الليبية الجزائرية والعلاقات العربية بصراحة مع السيد حسين
مازق، الذي كان معجبًا به وبآرائه الوطنية والقومية الوحدوية.
وكان
في حديثه يستعين بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وسيرة
الخلفاء الراشدين في سياق
سلس غير متكلف مما دل على تعليمه الديني الرصين رغم دراسته
الفرنسية.
استعرض السيد بوتفليقة بوضوح
التخطيط الاستعماري للعالم العربي، والخلافات العربية، وسياسة
حكومة الجزائر في السعي
لتحقيق الوحدة المغربية والتضامن العربي البعيد عن التدخلات
الداخلية. وقد كلفة
السيد حسين مازق بحمل تحياته إلى الرئيس هواري بومدين وبأن
ليبيا ملكًا وحكومة
وشعبًا حريصة على تقوية العلاقات بين البلدين الشقيقين، وتوحيد
مواقفهما على المستوى
العربي والإسلامي ودول عدم الانحياز، وبذل كل ما في استطاعتهما
لدعم الشعب الفلسطيني
من أجل تحقيق حريته واستقلاله بعيدًا عن المساومات الدولية
والإقليمية.

الرئيس هواري بومدين
زيارة الرئيس التركي جودت
صوناي سنة 1968
كان الرئيس التركي هو رئيس الدولة الوحيد غير العربي الذي زار
ليبيا في هذة الفترة من 27 يناير إلى 2 فبراير 1968،
وقد جاء الملك إلى طرابلس حيث كان في استقباله ووداعه.
وجرت
للرئيس التركي استقبالات كبيرة.
وأذكر أنه كانت قد وصلت في هذه الفترة إلى ميناء طرابلس سيارة
"كاديلاك" مصفحة ضد الرصاص التي كانت الحكومات السابقة قد أوصت
بصناعتها لاستعمال الملك، وقد قمت مع السيد فتحي الخوجة،
كبير التشريفات الملكية،
بعرضها على الملك والملكة في بيتهما الخاص في سواني بن يادم
بطرابلس، إلا أن الملك لم تعجبه السيارة المفتوحة، وذكر لنا
بأنه يفضل استقبال الرئيس التركي في سيارته الخاصة "الرولس
رويس"، أما السيارة الجديدة فتوجه إليّ مخاطبًا: "انتم يا
حكومة استعملوها للضيوف الأجانب".

مراسم استقبال الرئيس
التركي جودت صوناي بمطار طرابلس ويظهر في الصورة
بالإضافة للملك إدريس السادة الحسن الرضا ولي العهد
ومحمود المنتصر رئيس الديوان الملكي (على الشمال) وفتحى الخوجة كبير
التشريفات الملكية (على اليمين)
 بشير المنتصر مع الأستاذ منصور الكيخيا (الثاني من اليمين) ويظهر في يسار الصورة شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي
أثناء حفل العشاء الذى أقامه الملك إدريس على شرف رئيس
الجمهورية التركية جودت صوناي
زيارة الملك حسين ملك الأردن
زار الملك حسين ليبيا سنة 1967 ولم أكن على إطلاع على ما جرى
خلالها من مباحثات بينه وبين الملك لأني كنت في إجازة خارج
ليبيا.
أما زيارته الثانية التي تمت في نفس السنة فقد وافق الملك فيها
على تقديم مساعدة للأردن قيمتها خمسة ملايين جنيه ليبي لشراء
أسلحة صاروخية دفاعية، بالرغم من أن طلب الأردن كان أكثر من
ذلك بكثير. كان الملك
إدريس
يحب الملك حسين وأخيه الأمير حسن وكان يرحب بأي زيارة لهما.

الملك إدريس في استقبال الملك حسين ويظهر خلف
الملك الأمير الحسن الرضا ولي العهد والعقيد
عبدالله عبدالكريم مرافق الملك
المساعدات الليبية
بلغت المساعدات الرسمية الليبية للدول العربية المتضررة من
العدوان الإسرائيلي والتي وافقت عليها الحكومة نتيجة هذه
الزيارات العديدة خلال الفترة 67-69 أكثر من 75 مليون جنية
ليبي، بما في ذلك الدعم العربي المقرر في قمة الخرطوم وهو 30
مليون جنية ليبي سنويًا، بالإضافة إلى المساعدات الشعبية من
نقدية وعينية وما لدى الجيش الليبي من أسلحة متوفرة وعتاد
ومعدات التي قدمت في شكل هبات ومساعدات.
وفي
هذه الفترة تلقت ليبيا طلبات عديدة للمساعدة في شكل مساعدات
نقدية أو قروض من كل من تونس والمغرب والسودان والعراق واليمن
الشعبية ولكن ليبيا اعتذرت عن تلبية هذه الطلبات باستثناء
تونس. كما تلقت ليبيا طلبات للمساعدة من حركة اريتريا فقدمت
لها المساعدات عن طريق الجامعة الإسلامية ودفعت لها تكاليف
إصلاح سفينة شحن كانت سوريا قد تبرعت بها لاريتريا.
كما قدمت ليبيا مساعدات لتشاد والنيجر في ميادين بناء المساجد
والمدارس الحديثة وفي المجال الزراعي والمواصلات وتوفير وسائل
النقل.
كما أن ليبيا التزمت بقبول اللاجئين المسلمين من تشاد، بما
فيهم زعيم الطوارق وأولاده في مناطق الحدود مع تشاد وحددت لهم
مرتبات ومساعدات.
وكان
هناك جدل حول هذه المساعدات فيرى البعض أنه من الواجب تقديم
هذه المساعدات للمعارضة التشادية ودعمها بالمال والسلاح، ولكن
البعض كان يرى أن مثل هذه المساعدات تجر ليبيا إلى مشاكل مع
فرنسا والدول المجاورة.
ولهذا استقر الرأي على تحسين العلاقات مع تشاد في ميادين
التعاون المختلفة المتعلقة بالمسلمين كبناء المساجد والمدارس،
وفي نفس الوقت السماح لزعيم الثوار ورجاله بالالتجاء إلى
الأراضي الليبية بشرط ألا يهاجموا تشاد من داخل الحدود الليبية
وأن تكون المساعدات المقدمة لهم سرية.
وحاولت حكومة تشاد الوصول مع زعيم الثوار الموجود في ليبيا إلى
اتفاق وتعهد الرئيس التشادي فرانسوا تومبلباي بعدم التعرض له
إذا رجع إلى بلاده، ولكنه رفض هذا العرض وبقى هو وأبناؤه في
حركة تمرد على الحدود الليبية التشادية.
وفي العلاقات مع تشاد أذكر أن وزيرًا تشاديًا، من أصل فرنسي،
زار ليبيا لدراسة إمكانية تصدير البترول التشادي مستقبلاً عن
طريق ليبيا،
وكانت عمليات التنقيب الفرنسية عن البترول في تشاد تجري على
قدم وساق بعد اكتشاف ليبيا للبترول،
وقد أعربنا له على استعداد ليبيا لدراسة الموضوع عندما يكتشف
البترول في تشاد.
هذا كما أمر الملك بتقديم مساعدات إلى ملك ألبانيا لرعاية
أنصاره الموجودين خارج وطنهم لمساعدتهم للعودة إلى بلادهم وذلك
بصفته ملكًا مسلمًا في صراع مع الحكم الشيوعي في بلاده. كما
أمر بمساعدة المسلمين في يوغوسلافيا في مجال حاجاتهم الدينية
كبناء المساجد والمدارس.
وامتدت هذه المساعدات لتشمل المساهمة في مشاريع الجاليات
الإسلامية الثقافية في الدول الأوروبية والأمريكية، بما في ذلك
بناء مراكز إسلامية في روما ولندن، كما فتح الباب أمام الطلاب
الإفريقيين المسلمين للدراسة في جامعة السيد محمد بن علي
السنوسي الإسلامية والجامعات والمعاهد الليبية.
مساعدات ليبيا لمنظمة التحرير الفلسطينية
أما بشأن منظمة التحرير الفلسطينية ومنظمة فتح الفلسطينية فإن
ليبيا كانت تقدم المساعدات لهما قبل عدوان 1967م
وضاعفت من مساعداتها لهما بعد ذلك، غير أن التركيز كان على
فتح، خاصة بعد انضمام السيد ياسر عرفات إلى منظمة التحرير
وأصبحت المنظمتان شبه موحدة.
وكان موضوع المساعدات قد أوقف في فترة حكومة السيد عبدالحميد
البكوش بسبب الخلاف الذي نشأ حول زعامة منظمة التحرير
الفلسطينية واتجهت المنظمات الشعبية إلى توجيه مساعداتها إلى
منظمة فتح، إلا أنه في عهد حكومة السيد ونيس القذافي أعيدت
المساعدات الرسمية والشعبية التي أوقفت بعد استجلاء الموقف بين
المنظمتين.
وكان
رئيس الحكومة السيد ونيس القذافي متحمسًا مع السيد ياسر عرفات
ومنظمة فتح ولم يرفض لها طلبًا سوى الإذن لها بالتدريب في
معسكرات الجيش الليبي، إذ رفض الملك السماح بذلك.
ياسر عرفات يزور ليبيا زار
السيد ياسر عرفات ليبيا وقدم إلى البيضاء لمقابلة السيد ونيس
القذافي رئيس الوزراء،
وأذكر أنه لما وصل إلى مكتب رئيس الوزراء كان
|