الفصل العاشر: النظام الملكي الليبي.. نظرة عامة
قبل الحكم على النظام الملكي الليبي يجب استعراض الظروف والأسس
التي قام عليها.
فقد أنشئت المملكة الليبية المتحدة كدولة مستقلة بقرار من
الجمعية العامة للأمم المتحدة استجابة لرغبات الشعب الليبي،
وكانت قبل الاستقلال مقسمة إلى ثلاثة أقاليم تديرها ثلاث
إدارات عسكرية بريطانية وفرنسية،
بعد تحريرها من الاستعمار الإيطالي في الحرب العالمية الثانية،
وتم تنفيذ قرار الأمم المتحدة هذا بواسظة بريطانيا وفرنسا
وبإشراف مندوب منظمة الأمم المتحدة المستر أدريان بيلت ومجلس
استشاري عينته الأمم المتحدة لمساعدته.
وقد تقرر بعد التشاور مع الأحزاب السياسية القائمة في البلاد
آنذاك ومع زعماء البلاد
إقامة
نظام ملكي اتحادي تحت تاج أمير برقة آنذاك السيد محمد إدريس
السنوسي.
وكانت
السياسة البريطانية تهدف بعد الحرب العالمية الثانية إلى إيجاد
بديل لقواعدها في مصر، التي كانت مضطرة للجلاء عنها نتيجة
لمقاومة الشعب المصري لها، وذلك بإقامة إمارة سنوسية غربي قناة
السويس يحكمها الأمير إدريس السنوسي، ترتبط سياسيًا واقتصاديًا
ببريطانيا مثل إمارات دول الخليج العربية.
وكانت الفكرة في بداية الأمر تقتصر على برقة ولكن بعد فشل
مشروع بيفن ـ سفورزا تقرر تعميمها على كل ليبيا.
دسـتور ضمن الحقوق والحريات.. وركـز السلطات في
يـد الملك
إنشاء النظام الملكي واختيار الملك والنظام الاتحادي قرارات
تمت بدون استفتاء شعبي،
ووضع
الدستور عن طريق جمعية تأسيسية معينة بالتساوي بين الأقاليم
الثلاثة، ولم ينص الدستور على ضرورة المصادقة عليه باستفتاء
عام أو من طرف أول مجلس نيابي منتخب لإعطائه الصبغة الشرعية
الديمقراطية.
ولضمان إقامة هذا النظام الملكي الاتحادي استدعى الأمر اختيار
فئة من السياسيين المعتدلين ترتبط مصلحيًا بهذا النظام،
وتتعاون مع الدول التي كانت تدير البلاد، خاصة في المراحل
الأولى للاستقلال.
ورغم
أن الدستور كان من أحدث الدساتير وأشرف على إعداده أكبر خبراء
القانون الدستوري في العالم، وضمن جميع الحقوق والحريات
والتوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، إلا أن
صدوره من طرف هيئة معينة، وإرساء نظام اتحادي يحدد اختصاص
الاتحاد ويركز السلطات في أيدي الولايات، وينص على إنشاء ثلاث
حكومات لثلاث ولايات، وثلاثة مجالس تشريعية، وثلاثة ولاة
بالتعيين المباشر بأمر ملكي وليس بمرسوم تصدره الحكومة
الاتحادية، ومراعاة المساواة في التمثيل في مجلس الشيوخ المعين
بين الولايات وفي الحكومة والمناصب الهامة والرئيسية،
كل هذا جعل من الناحية الواقعية تركيز السلطات الحقيقية في يد
الملك.
وقد تعززت هذه السلطات بمرور الوقت وأصبحت تقليدًا دستوريًا
للبلاد.
وبعد
حل الأحزاب السياسية، ومنع إنشاء
أي
تنظيم سياسي وتقييد الصحافة، لم يجد الرأي العام الليبي منصة
للتعبير عما كان يجري سوى القيام بالمظاهرات من حين لآخر أو
إنشاء تنظيمات سرية. كان الترشيح والانتخاب لمجلس النواب يجري
على أساس شخصي فردي وقبلي وإقليمي وليس على أساس برنامج حزبي
يعبر عن رغبات فئات الشعب وتطلعاتها وانتماءاتها ومذاهبها.
وكان من بين النواب في المراحل الأولي للاستقلال أفراد معروفين
بانتماءاتهم الحزبية السابقة يكوّنون ما يعرف بالمعارضة آنذاك.
والحقيقة أنه رغم احتكار القرار السياسي، إلا أن البلاد كانت
تتمتع بكثير من الحريات الفردية والاقتصادية وحقوق الإنسان
ومتطلبات الأمن التي لم تكن توجد في بقية دول العالم العربي
آنذاك، وقد أمكن حتى تحدي السلطة أمام القضاء وإصدار أحكام
ضدها.
تاريـخ ليـبـيا
ليبيا لها تاريخ طويل وعرفت بهذا الأسم منذ أيام الأغريق
وتقاسمتها روما وبيزنطة بعد انقسام الإمبراطورية الرومانية
شرقية وغربية، وتوحدت بعد الاحتلال العربي ثم في العهد
العثماني والحكم القرامانلي. وعرفت بطرابلس الغرب من
الإسكندرية حتى تونس وحتى احتلال إيطاليا بعد الحرب العالمية
الأولي التي أعادت إليها اسمها القديم ليبيا. والشعب الليبي
شعب عربي والبربر الذين سكنوا ليبيا قبل الاحتلال العربي
استعربوا بالكامل في ما بعد ـ لغة ودمًا ـ ولم تبق سوى نسبة
ضئيلة منهم في مناطق زوارة وجبل نفوسة حافظوا على لغتهم الخاصة
إلى جانب اللغة العربية.
وقد تعرضت ليبيا إلى ما تعرضت له الشعوب العربية والإسلامية من
الغزو والاحتلال الأوروبي، ومرت بظروف متشابهة كان آخرها سيطرة
الإمبراطورية العثمانية التي ارتبطت بالعالم العربي بسبب
العامل الديني والولاء للخلافة الإسلامية. وقد فشل الحكم
العثماني في مواكبة التطور العلمي والتقدم الحضاري، وفي منافسة
الدول الغربية القوية مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا، التي سيطرت
على مناطق واسعة في العالم وأصبحت تطمع في المناطق الواقعة تحت
الحكم العثماني، ومنها المنطقة العربية الهامة التي تتحكم في
طرق المواصلات بين الشرق والغرب، والتي تخلفت اقتصاديًا
وثقافيًا. وأخذت عوامل الضعف تعصف بالإمبراطورية العثمانية حتى
انهارت في الربع الأول من القرن العشرين أمام القوى الأوروبية،
التي فاقتها تقدمًا وتسليحًا، وساعدها على ذلك قيام القوميات
المختلفة في البلاد الواقعة تحت السيطرة العثمانية بالثورة
ضدها، وظهور زعامات قومية ووطنية عملت على التخلص من السيطرة
العثمانية.
وكان الشعب الليبي هو آخر الشعوب العربية
التى
حافظت على ولائها للإمبراطورية العثمانية والحرب تحت لوائها،
حتى تنازلت تركيا عن ليبيا لإيطاليا نهاية 1912. وسرعان ما
سيطر العامل القومي على الليبيين بفضل ما كان يجري في المشرق
العربي من حركات وطنية وقومية تحررية ضد الحكم العثماني
والاحتلال الأجنبي، وتجلى ذلك في استمرار كفاح الليبيين ضد
الاحتلال الإيطالي بعد تخلي تركيا عنهم. وقد تزعمت هذا الكفاح
في برقة الحركة السنوسية بزعامة السيد أحمد الشريف السنوسي، ثم
الأمير محمد إدريس المهدي السنوسي والشيخ عمر المختار، وقام
زعماء مناطق طرابلس فرادى وجماعات بالوقوف في وجه الاحتلال
الإيطالي.

الشهيد الشيخ عمر المختار
وكان للعامل الديني الدور الأكبر في تولي الحركة السنوسية
الدور القيادي في الجهاد ضد الاحتلال الأجنبي، ولم تكن للعائلة
السنوسية مطامح سياسية لتولي الإمارة والملك في ليبيا إلا بعد
ظهور زعامات سياسية وعروش عربية في المشرق العربي بالتعاون
مع بريطانيا، مما شجع الأمير إدريس السنوسي على تولي قيادة
الحركة السنوسية بعد السيد أحمد الشريف، وقيامه بالتفاوض مع
البريطانيين والإيطاليين لإقامة إمارة في برقة تحت إمارته.
وكان إخلاص القبائل في برقة وولاؤها للعائلة السنوسية قد أعطاه
سندًا قويًا للمطالبة بذلك.
أما في طرابلس فقد كان الخلاف بين زعماء الإقليم وعدم التفافهم
تحت زعامة واحدة قد أضعف الكفاح ضد إيطاليا، وأعطاها فرصة
للتدخل ومناصرة بعضهم ضد بعض، وقد اضطر هؤلاء أخيرًا إلى
مبايعة الأمير إدريس السنوسي لتوحيد البلاد ضد الاحتلال
الإيطالي. ولكن تولي الحزب الفاشيستي بزعامة بينيتو موسوليني
السلطة في إيطاليا سنة 1922 غيّر موازين القوى، وقررت إيطاليا
احتلال ليبيا بالكامل وضمها الى إيطاليا. واستطاعت إيطاليا
السيطرة على كل التراب الليبي بعد استشهاد الشيخ عمر المختار
في سبتمبر 1931.
الاحتلال الإيطالي
مرت ليبيا تحت الحكم الإيطالي بفترة ركود سياسي، واستطاعت
إيطاليا تهجير عشرات الألوف من الإيطاليين إليها، واعتبار
ليبيا جزء من إيطاليا. ورغم الاستبداد والعنف ضد الليبيين فقد
استطاع الليبيون الحفاظ على شخصيتهم الإسلامية العربية، وفشلت
إيطاليا في القضاء على ثقافتهم ولغتهم أو في إقناعهم بقبول
الجنسية الإيطالية مع المحافظة على ديانتهم الإسلامية. كانت
إيطاليا حليفة لبريطانيا وفرنسا في الحرب العالمية الأولى
الأمر الذي مكنها من الاحتفاظ بليبيا كنصيبها من تركة
الإمبراطورية العثمانية التي خسرت الحرب.
وكان من حسن حظ ليبيا أن إيطاليا دخلت الحرب إلى جانب المحور
ضد بريطانيا وفرنسا في الحرب العالمية الثانية، مما ساعد على
فقدان إيطاليا لسيطرتها على ليبيا. واحتلت بريطانيا طرابلس
وبرقة، واحتلت فرنسا فزان، تمهيدًا لتقسيم ليبيا بعد الحرب
بينهما. إلا أن أمريكا أرادت أن تستفيد أيضًا بالحصول على
طرابلس، أو إرجاعها الى إيطاليا تعويضًا لها على ثورتها ضد
موسوليني في المراحل الأخيرة من الحرب، ولدعم الحكومة
الإيطالية اليمينية للوقوف ضد الحزب الشيوعي الإيطالي القوي
الذي كانت تسنده روسيا، ولكن مطالبة روسيا أيضًا بالوصاية على
إقليم طرابلس، ومنعًا للتنافس بين الدول الكبرى أحيل مصير
ليبيا إلى الأمم المتحدة.
السياسة البريطانية وضم ليبيا إلى منطقة نفوذها
في الشرق الأوسط
كانت بريطانيا، وهي تخوض معركة الحياة والموت ضد ألمانيا تفكر
في إمبراطوريتها في الشرق الأوسط، ووجدت أن احتلال ليبيا قد
يساعد على وضع مصر وسوريا وفلسطين ـ وهي الدول التي كان يتوقع
تمردها على الاحتلال الأجنبي ـ بين كفي كماشة قواعدها في
الخليج العربي وليبيا. وفعلاً بعد الحرب أعلنت بريطانيا عن
رغبتها في البقاء في برقة شرقي ليبيا تلبية لوعدها للأمير
إدريس السنوسي بعدم عودة برقة للاستعمار الإيطالي، مقابل
مشاركة جيش التحرير السنوسي في المعركة ضد إيطاليا، بينما
استمرت في المناورات الدبلوماسية دوليًا وفي داخل ليبيا
للاحتفاظ بسيطرتها على كل ليبيا، شمالها وجنوبها. اتبعت
بريطانيا سياسة مخالفة لسياسة إيطاليا في ليبيا فسمحت لليبيين
بحرية التعبير وإنشاء النوادي الاجتماعية والأحزاب السياسية،
مما شجع الحركة القومية والوطنية للمطالبة بالاستقلال والوحدة
والانضمام لجامعة الدول العربية بمقتضى حق تقرير المصير،
والتجاوب مع الاشقاء العرب في كفاحهم القومي من أجل التحرر
والوحدة العربية.
بعد تنازل إيطاليا عن مستعمراتها السابقة في معاهدة الصلح فشلت
الدول الأربع الكبرى، بريطانيا وفرنسا وأمريكا وروسيا، في
الاتفاق على تقرير مصير ليبيا، وتقرر إحالة الموضوع إلى
الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تجدد الخلاف بين الداعين
الى تأييد استقلال ليبيا والدول الاستعمارية الداعية إلى
تقسيمها ووضعها تحت الوصاية. وقد فشل مشروع بيفن ـ سفورزا
لتقسيم ليبيا بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا عند التصويت عليه
بصوت واحد، هو صوت دولة هايتي التي صوت مندوبها (إميل سان لو)
ضد القرار مخالفًا بذلك تعليمات حكومته بتأييد المشروع.
وبفضل معارضة دول الجامعة العربية والدول الإسلامية والآسيوية
وروسيا ورد فعل الشعب الليبي المعارض للقرار، ومساندة بريطانيا
من وراء ستار، رغم أنها كانت إحدى الدولتين المقدمة لمشروع
بيفن ـ سفورزا، رفضت الجمعية العامة للأمم المتحدة المشروع،
ووافقت في 21 نوفمبر 1949 على أن تصبح ليبيا دولة مستقلة ذات
سيادة في موعد لا يتجاوز أول يناير 1952، وإيفاد المستر أدريان
بيلت الهولندي الجنسية مندوبًا للأمم المتحدة يساعده مجلس من
ست دول وأربعة أعضاء ليبيين لمساعدة الشعب الليبي لوضع دستور
الدولة الجديدة، ويطلب من الدول القائمة بالإدارة، بريطانيا
وفرنسا، تنفيذ هذا القرار بإشراف مندوب الأمم المتحدة.
ورغم إجماع الشعب الليبي على المطالبة بالاستقلال والوحدة
أثناء نظر القضية في مؤتمر الصلح ثم في الأمم المتحدة، إلا أن
خلافًا كبيرًا نشب بين زعماء برقة وزعماء طرابلس حول الوضع
الدستوري لإمارة السيد محمد إدريس السنوسي على البلاد، وكذلك
بين زعماء طرابلس في ما بينهم، وكان ذلك قبل وبعد صدور قرار
الأمم المتحدة. واستمر هذا الخلاف خلال فترة الإعداد للاستقلال
ووضع الدستور وتأليف أول حكومة ليبية.
بداية النشاط السياسي الليبي بعد الاحتلال البريطاني
كان النشاط السياسي في ليبيا قد بدأ بعد الاحتلال البريطاني
مباشرة، وتمثل في البداية في إنشاء النوادي الثقافية ثم إنشاء
الأحزاب السياسية، مما شجع عودة المهاجرين الليبيين من الخارج
للمشاركة في المطالبة بالاستقلال والوحدة، وكان على رأس هؤلاء
العائدين الأمير محمد إدريس السنوسي إلى برقة والسيد بشير
السعداوي إلى طرابلس. رجع السيد بشير السعداوي إلى ليبيا في
يناير 1948 على رأس هيئة تحرير ليبيا التي تألفت من بعض زعماء
طرابلس وبرقة، وبدعم من السيد عبدالرحمن عزام باشا أمين عام
جامعة الدول العربية ومصر، وكان الهدف من مجئ هيئة التحرير
تنسيق مواقف زعماء ليبيا في مطالبة اللجنة الرباعية، التي
أرسلتها الأمم المتحدة لتحري رغبات الشعب الليبي، بأمور ثلاثة
والمتمثلة في الوحدة والاستقلال والانضمام إلى الجامعة
العربية.
وقد دب الخلاف بين زعماء برقة وطرابلس حول الإمارة. فزعماء
طرابلس كانوا يرون أن المناداة بالسيد إدريس السنوسي أميرًا
على ليبيا يجب أن تتم بطريقة دستورية عن طريق استفتاء عام،
والمطالبة باستقلال ليبيا الموحدة ورفض أي حل لتقسيم ليبيا
واستقلال جزء معين دون الآخر. أما زعماء برقة فأصروا على
المناداة بإمارة السيد إدريس السنوسي بلا قيد أو شرط، وإنقاذ
ما يمكن إنقاذه، أي استقلال برقة إذا تعذرت الموافقة على
استقلال كل ليبيا، والعمل سويًا مستقبلاً على استقلال بقية
أجزاء ليبيا طرابلس وفزان ووحدتها. إلا أن السيد بشير
السعداوي، ليضمن موافقة برقة ويحول دون الانفصال الذي كان
يشجعه كثير من زعماء برقة، والذي بدأت طلائعه بإعلان حكومة في
برقة دون انتظار تنفيذ استقلال ليبيا، انفرد بقبول مبدأ إمارة
السيد إدريس السنوسي، وعذره في ذلك هو منع تقسيم ليبيا إلى
ثلاث دول قزمية، وأعلن ذلك صراحة، مما أدى إلى خلافه مع
الجامعة العربية وأمينها العام عبدالرحمن عزام باشا وبقية
الأحزاب الطرابلسية.

السيد بشير السعداوي في مهرجان خطابي
بطرابلس سنة 1950
وأنشأ السيد بشير السعداوي بعد ذلك المؤتمر الوطني العام على
أنقاض الجبهة الوطنية المتحدة بعد استقالة السيد سالم المنتصر
من رئاستها، وتأليفه لحزب الاستقلال الذي ساندته ودعمته
إيطاليا وشجعته الجامعة العربية بزعامة عزام باشا، بهدف معارضة
السيد بشير السعداوي والسياسة البريطانية الرامية إلى الاحتفاظ
بسيطرتها على كل ليبيا تحت التاج السنوسي، وربطها بحلف عسكري
وأمني وإبقاء قواتها للحفاظ على ما تبقى لها من نفوذ في الشرق
الأوسط.
ولم يكن زعماء وأحزاب طرابلس، وخاصة حزب الاستقلال، أقل تمسكًا
بمبدأ إمارة السيد إدريس السنوسي من السيد بشير السعداوي،
ولكنهم كانوا أكثر حيطة وحرصًا على ضرورة إقرارها دستوريًا،
وربطها بنظام ديمقراطي نيابي، للحيلولة دون قيام حاكم مطلق في
المستقبل ينفرد بالقرار. وأدى قبول السيد بشير السعداوي
للإمارة بدون قيد أو شرط إلى تحقق ما كانت الأحزاب الطرابلسية
تخشاه، وهو إعلان الدستور عن طريق جمعية تأسيسية معينة،
والموافقة على النظام الفيدرالي، وإعطاء الملك سلطات غير
محدودة، وخلق ولايات شبه مستقلة مرتبطة بالملك رأسا للحد من
سلطة الاتحاد. كما أن بريطانيا عملت بالتشاور مع الأمير إدريس
السنوسي على إزاحة السيد بشير السعداوي نفسه من أي دور في
الحكومة المقبلة، نظرًا لشعبيته التي قد تجعل منه الحاكم
الفعلي المطلق إذا كلف بتشكيل الحكومة.
وكان قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة باستقلال ليبيا بدأية
مرحلة من أهم مراحل الحركة الوطنية في ليبيا وبدأت بريطانيا في
كشف مخطاطاتها. فبعد أن أسست إمارة سنوسية في برقة أخذت تعمل
لتحقيق هدفها الأوسع وهو خلق مملكة في كل ليبيا تحت التاج
السنوسي، وهذا استدعى التدخل في الحركة الوطنية، واختيار
الزعماء ذوي الطموح والمخلصين للسيد إدريس السنوسي ولبريطانيا
لوضع دستور، يضمن سلطة الملك ويحافظ على كيان ولاية برقة
وشخصيتها كوحدة سياسية شبه مستقلة، واختيار حكومة موالية
لتسيير شئون البلاد، والدخول في حلف دفاعي وأمني مع بريطانيا.
وقد لاقت هذه السياسة تأييدًا من أمريكا ومن فرنسا بعد أن
ضمنتا الحصول على امتيازات وتسهيلات عسكرية، الأولى في طرابلس
والثانية في فزان،
بينما لاقت معارضة شديدة من طرف الدول العربية والإسلامية
وإيطاليا والاتحاد السوفيتي والدول الشيوعية الأخرى.
اختيار النظام
الفيدرالي لليبيا
وجدت
بريطانيا في النظام الفيدرالي ضالتها بمساعدة المستر أدريان
بيلت مندوب الأمم المتحدة في ليبيا، فالدستور الفيدرالي يوزع
السلطات بين الولايات، ويمنع سيطرة الحكومة الاتحادية على شئون
البلاد، ويجعل القرارات الهامة خاضعة لموافقة المجالس
التشريعية والتنفيذية في الولايات الثلاث، مما يضعف سلطات
الحكومة الاتحادية، وبمعنى آخر تستطيع ولايتا برقة وفزان، وعدد
سكانهما يقل عن ثلث سكان ليبيا، فرض رأيهما على ولاية طرابلس
التي تضم أغلبية سكان البلاد.
وما أن وضحت هذه السياسة حتى هب الشعب في طرابلس بزعامة السيد
بشير السعداوي ضدها. وقد شعر السيد بشير السعداوي بأن الإدارة
البريطانية خدعته واستغلته لإقامة نظام ملكي فردي يملك فيه
الملك ويحكم، وأبعدته عن المشاركة في سلطة اتخاد القرار، مما
سهل الاستغناء عنه والاستعانة بزعامات أخرى ترتبط بالنظام
الفيدرالي بروابط المصلحة. وكان النظام الفيدرالي المقترح يرمي
إلى تقسيم البلاد الى ثلاث دول شبه مستقلة ترتبط فيدراليًا
برباط ضعيف، ويجعل سلطة القرار الحقيقية في يد الملك. فالملك
وحده يعين رئيس الوزراء والحكومة الاتحادية وكبار المسئولين
دون الرجوع إلى مجلس الأمة، ويعين الولاة ورؤساء وأعضاء
المجالس التنفيذية للولايات بأوامر ملكية دون موافقة الحكومة
الاتحادية ومجلس الأمة والمجالس التشريعية للولايات.
وقد اضطر السيد بشير السعداوي إلى أن يتحول إلى المعارضة،
وأعلن معارضته لتأليف الجمعية الوطنية التأسيسية بالتساوي بين
الولايات وبغير انتخابات، كما عارض اختيار الجمعية الوطنية
التأسيسية للنظام الفيدرالي، رغم أنه هو الذي كلف من طرف مندوب
الأمم المتحدة بتعيين عضو طرابلس في المجلس الاستشاري لمندوب
الأمم المتحدة، وكذلك تعيين أعضاء طرابلس السبعة في لجنة
الواحد والعشرين التي مهدت لإنشاء الجمعية الوطنية التأسيسية،
وذلك اعترافًا بزعامته لولاية طرابلس مثله مثل الأمير إدريس
السنوسي في برقة والسيد أحمد سيف النصر في فزان، وقد أدى تحوله
الى المعارضة إلى تخلي بريطانيا عنه. وأدى الخلاف بين الإدارة
البريطانية والأمير إدريس من جانب والسيد بشير السعداوي من
جانب آخر إلى انشقاق عدد كبير من أعضاء المؤتمر الوطني برئاسة
نائب رئيس المؤتمر مفتي ليبيا الشيخ محمد أبوالأسعاد العالم.
وكان من بين المنشقين عن حزب المؤتمر كبار التجار وكبار موظفي
الإدارة البريطانية من الليبيين وعمداء البلديات ومشايخ
القبائل وأعيان الدواخل الذين يتبعون دائمًا سياسة الإدارة
الحاكمة حماية لمصالحهم. ولكن مع هذا بقت أغلبية جماهير الشعب
في مدينة طرابلس والمدن الكبرى والعمال والشباب والطلاب
والمثقفون مخلصة للمؤتمر الوطني ورئيسه السيد بشير السعداوي.

السيد أحمد سيف النصر
وقد أدى هذا الوضع إلى دخول السيد بشير السعداوي في صراع مع
الإدارة البريطانية ثم مع الحكومة والسلطات الليبية المؤقتة،
وخاصة خلال الانتخابات الأولى التي فاز فيها مرشحوا المؤتمر
الوطني برئاسة السيد السعداوي في مدينة طرابلس، بينما فاز
مرشحوا المنشقين عنه وعن المؤتمر الوطني مع عدد قليل من مرشحي
حزب الاستقلال في دواخل البلاد بمساندة السلطات المحلية، مما
أدى الى قيام مظاهرات في طرابلس متهمة الحكومة بالتدخل. وقد
تطورت هذه المظاهرات إلى اشتباكات مع الشرطة اضطرت معها
الحكومة إلى اتخاد إجراءات صارمة، مما أدي إلى سقوط ضحايا من
المدنيين، وأبعدت السيد بشير السعداوي خارج ليبيا بحجة أنه
سعودي يحمل جواز سفر المملكة العربية السعودية وكذلك أعوانه من
المصريين.
وكانت الجامعة العربية قد عارضت سياسة بريطانيا في ليبيا منذ
البداية، وأرسلت وأيدت السيد بشير السعداوي على رأس هيئة تحرير
ليبيا ليتولى هذه المعارضة داخل ليبيا، والمناداة بالاستقلال
والوحدة والانضمام للجامعة العربية، لكن الجامعة العربية
عارضته وتخلت عنه عندما تعاون مع بريطانيا في قبول إمارة السيد
إدريس السنوسي دون قيد أو شرط. واضطرت الجامعة العربية إلى
التعاون مع حزب الاستقلال وإيطاليا للوقوف في وجه السياسة
البريطانية. ولكن تحول السيد بشير السعداوي بعد ذلك إلى معارضة
السياسة البريطانية من جديد، جعل الجامعة العربية تبارك خطواته
في معارضته لإقرار النظام الفيدرالي وتأليف الجمعية الوطنية
التأسيسية بالتعيين وبالتساوي بين أقاليم ليبيا الثلاثة، بينما
تخلى زعماء حزب الاستقلال بدورهم عن معارضتهم للسياسة
البريطانية وقبلوا المشاركة في دعم النظام الفيدرالي وتعزيز
سلطات الملك رغبة في المشاركة في الحكم.
وتجاوبت جماهير الشعب في طرابلس وحتى في بنغازي ودرنة بزعامة
جمعية عمر المختار لمعارضة النظام الفيدرالي. ورغم معارضة
الشعب العارمة، والجامعة العربية، وبعض أعضاء المجلس الاستشاري
التابع لمندوب الأمم المتحدة، استمرت بريطانيا بالتعاون مع
الملك وزعماء حزب المؤتمر المنشقين عن السيد السعداوي برئاسة
مفتي ليبيا الشيخ محمد أبوالأسعاد العالم، وحزب الاستقلال
بزعامة السيد سالم المنتصر، والمستقلين بزعامة السيد محمود
المنتصر. وكان هؤلاء جميعًا يمثلون الزعامات التقليدية والوجوه
السياسية المعروفة في مناطق طرابلس، لكنهم يفتقدون إلى دعم
وتأييد رجل الشارع الليبي العادي، وقد تم اختيار أعضاء طرابلس
في الجمعية الوطنية التأسيسية منهم.
كما اختيرت شخصيات عرفت بحيادها بين الأحزاب في الماضي لقيادة
أول حكومة مؤقتة في طرابلس برئاسة السيد محمود المنتصر، وهو
مستقل. ولم يكن أعضاء برقة وفزان في الجمعية الوطنية التأسيسية
يعارضون الخطوات التي اتخذتها الجمعية الوطنية التأسيسية فكل
قراراتها، بما فيها الدستور الفيدرالي، وافق عليها الأمير
آنذاك إدريس السنوسي مقدمًا قبل عرضها على الجمعية الوطنية
التأسيسية بالاتفاق مع الإدارات الحاكمة البريطانية والفرنسية
وممثل الأمم المتحدة المستر أدريان بيلت.

17
ديسمبر 1950: شباب جمعية عمر المختار يتقدمون
مظاهرة شعبية في بنغازي للمطالبة بالاستقلال
الكامل لليبيا ووحدة البلاد تحت العرش السنوسي
إن الأسلوب الذي سلكته بريطانيا وسياستها في إضعاف الحركة
الوطنية وتشتيت جبهاتها وإقامة دولة ملكية كغيرها من الإمارات
العربية التي ترعاها بريطانيا في المشرق العربي، كانت تتعارض
مع رغبات أغلبية الشعب الليبي، ومخالفة لقرارات الأمم المتحدة
ومبادىء الديمقراطية، واستطاعت بريطانيا أن تضمن موافقة
فرنسا وأمريكا وكذلك المستر أدريان بيلت مندوب الأمم المتحدة،
الذي اضطر للموافقة على هذه الخطوات حرصًا على تنفيذ قرار
الأمم المتحدة باستقلال ليبيا في موعده المحدد تبريرًا
لموافقته كما يقول.
السيد محمود المنتصر والسيد بشير
السعداوي
أخذ
على السيد محمود المنتصر أنه أبعد الزعيم بشير السعداوي من
ليبيا، ولكن الحقيقة أن السيد محمود المنتصر لم يفكر في مثل
هذا الإجراء بتاتًا، لأنه من طرابلس ويعرف شعبية السعداوي فيها
ولا يستطيع المجازفة بإبعاده، لأن ذلك يعرضه إلى غضب جماهير
الشعب في طرابلس. وحتى البريطانيين أنفسهم الذين ساعدوا في
تقليص نفوذ السيد السعداوي، وعدم أخذ رأيه في تعيين أعضاء
طرابلس في الجمعية التأسيسية وفي تأليف الحكومة المؤقتة، لم
يفكروا في إبعاده تخوفًا من رد الفعل الشعبي لمثل هذا الإجراء،
وكذلك رغبة بريطانيا في إبقائه في المعارضة مهمشًا لاستخدامه
عند الحاجة للتحكم في تصرفات الملك إدريس. ولكن الملك إدريس
اتخذ قرارًا صارمًا من تلقاء نفسه بعد أن شعر بأن السعداوي
أصبح خطرًا عليه، ووصوله إلى الحكم في انتخابات شعبية سيقوي
مركزه، ويجعله يسيطر على شئون البلاد ويهدد سلطات الملك، وربما
يعمل على إلغاء النظام الاتحادي وفرض رأي الأغلبية الطرابلسية
في البرلمان.
ولهذا قرر الملك إبعاد السيد السعداوي في أقرب فرصه.
فحرمه أولاً من دوره في تأليف الحكومة المؤقتة التي كان السيد
بشير السعداوي يتوقع أن يكلف بها، فهو زعيم أغلبية الشعب
الليبي في طرابلس وهو الذي بايع الأمير إدريس السنوسي، كما أنه
كلف من طرف المستر أدريان بيلت مندوب الأمم بمهمة تعيين عضو
طرابلس في المجلس الاستشاري لمندوب الأمم المتحدة وأعضاء
طرابلس في لجنة الواحد والعشرين اعترافًا بمركزه المساوي للسيد
أحمد سيف النصر في فزان والسيد إدريس السنوسي في برقة اللذين
عينا بدورهما أعضاء فزان وبرقة في المجلس الاستشاري ولجنة
الواحد والعشرين.
ولما عارض السيد بشير السعداوي تأليف الجمعية التأسيسية
بالتعيين بدلاً من الانتخاب وبالتساوي بين الولايات الثلاث
بصرف النظر عن حجمها السكاني، سحبت الإدارة البريطانية والأمير
إدريس والمستر أدريان بيلت ممثل الأمم المتحدة ثقتهم في السيد
بشير السعداوي كزعيم لطرابلس، وأسندوا بالتشاور فيما بينهم
مسئولية تعيين أعضاء طرابلس العشرين في الجمعية التأسيسية إلى
سماحة مفتي ليبيا الشيخ محمد أبو الأسعاد العالم بدلاً من
السيد بشير السعداوي.
وقد سنحت للملك إدريس فرصة المظاهرات والأعمال التخريبية
التي قامت بها جماهير المؤتمر الوطني بعد أول انتخابات
برلمانية بإصدار أوامره إلى رئيس حكومته السيد محمود المنتصر
لاتخاذ قرار بإبعاد السيد بشير السعداوي، خاصة وأنه يعلم أنه
يحمل الجنسية السعودية وجواز سفر سعودي. وقد جاءت الوثائق
البريطانية التي نشرت بعد مضي 30 عاماً عليها مؤيدة لما ذكر
أعلاه. فقد جاء في برقيتين من رافانديل المسئول عن السفارة
البريطانية في برقة إلى السفير البريطاني السير أليك كيركبرايد
ما يلي:
FO1021/55
21/2/1952
Ravendale to the Ambassador
قابلت رئيس الوزراء محمود المنتصر في مطار بنينة اليوم بعد
مقابلته للملك وأكد لي أن الملك مصمم بشكل قاطع على نفي زعيم
المعارضة السيد بشير السعداوي حالاً. وكان محمود المنتصر يحاول
عدم اتخاذ مثل هذا القرار لأثاره الخطيرة في ولاية طرابلس التي
يتمتع السعداوي فيها بأغلبية شعبية ولكنه لا خيار له سوى قبول
قرار الملك.
FO1921/55
21/2/1952
Ravendale to the Ambassador
قابلت جلالة الملك إدريس بطلب منه وأبلغني بأن قراره النهائي
هو التخلص من بشير السعداوي وأعوانه غير الليبيين بالنفي حالاً
ويريدك أن تعرف بأنه اتخذ الخطوات التالية وأمر رئيس الوزراء
بتنفيذها:-
- النفي حالاً لزعيم المعارضة بشير السعداوي ومعاونيه غير
الليبيين.
- على الشرطة الليبية بذل جهد أكبر للسيطرة على النظام
بوسائلهم الخاصة.
- طلب تدخل القوات البريطانية في حالة فشل الشرطة الليبية في
إعادة النظام إلى حالته الطبيعية.
رأي المستر أدريان بيلت في النظام
الفيدرالي
كان عذر المستر أدريان بيلت في تأييده للنظام الفيدرالي ـ كما
سمعت منه شخصيًا عندما زرته في جنيف سنة 1965م
ـ أن التوفيق كان مستحيلاً بين الدعوة إلى وحدة البلاد التي
تؤيدها أغلبية الشعب الليبي في طرابلس، ورغبة ولاية برقة في
المحافظة على شخصيتها وكيانها السياسي تحت إمارة السيد إدريس
السنوسي. ورغم أن الأمير إدريس بويع من طرف زعماء طرابلس دون
قيد أو شرط قبل وضع الدستور، إلا أنه استمر في انحيازه إلى
برقة في كل طلباتها أثناء الإعداد للاستقلال.
وقد كان اختيار النظام الفيدرالي الحل العملي لتنفيذ قرار
الأمم المتحدة باستقلال ليبيا في التاريخ الذي حددته الجمعية
العامة للأمم المتحدة وهو أول يناير سنة 1952م.
وكان المستر بيلت يخشى استمرار الخلاف بين زعماء طرابلس،
المنقسمين على أنفسهم، وزعماء برقة بقيادة الأمير إدريس
السنوسي، مما قد يؤدي إلى إعادة موضوع مستقبل ليبيا إلى
الجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك لم يكن في صالح ليبيا، لأن
إعادة القضية الليبية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة قد
يثير موضوع وضعها تحت الوصاية من جديد، وتأجيل البت في
استقلالها، ولهذا كان هدف المستر بيلت هو استقلال ليبيا قبل أي
اعتبار آخر. أما قضية وحدة البلاد فيمكن تحقيقها مستقبلاً. ولا
شك أن هذا العذر كان غير منطقي في ذلك الوقت، فقد كان في
استطاعة المستر بيلت أن يفرض اختيار الجمعية الوطنية التأسيسية
بالانتخاب لوضع الدستور وعرضه على الاستفتاء الشعبي، بدلاً من
تأليف الجمعية الوطنية التأسيسية بالتعيين والموافقة على
الدستور دون الرجوع إلى الشعب، مما يخالف مبادىء الأمم المتحدة
والديمقراطية وحقوق الإنسان.
وحـدة ليـبـيا
إن ما توقعه المستر بيلت لوحدة ليبيا مستقبلاً كان قد تحقق
فعلاً. فمع مرور السنوات تقررت وحدة ليبيا الكاملة بدون
استفتاء شعبي أو مبادرة من مجلس الأمة، بل تحققت باقتراح من
الملك نفسه بعد سيطرته الكاملة على السلطة، وتم ذلك في أواخر
عهد حكومة السيد محمد عثمان الصيد وبداية عهد الدكتور محي
الدين فكيني، وكان ذلك كما قيل بتوصية من أمريكا، خدمة
لشركاتها وتحاشيًا لتطور الخلاف بين ولايتي برقة وطرابلس حول
استغلال الحقول البترولية واستخدام موانئ شحن البترول
المتداخلة على الحدود بين الولايتين.
لا شك أن قرار الوحدة استُقبل بالترحيب على كل المستويات
الشعبية والعربية، لكن الوحدة رغم أنها قررت في الدستور،
وألغيت حكومات الولايات، وقسمت البلاد إلى محافظات، إلا أن
الملك حرص على استمرار ما أرساه النظام الفيدرالي من أسس في
توزيع السلطات، مثل التعيينات المتساوية بين طرابلس وبرقة
لأعضاء مجلس الشيوخ ومجلس الوزراء والمجالس المنبثقة عنه، وفي
المخصصات المالية، وحصر التعيينات في المناصب السيادية مثل
الأمن والدفاع والجيش والخارجية في أياد معينة من ولاية برقة،
مما جعل جماهير الشعب في طرابلس لا تشعر بحصول تغيير في نظام
الحكم الفيدرالي.
الدستور الليـبي
رغم الثغرات التي كانت في الدستور الليبي فقد كان من أحدث
الدساتير الديمقراطية، ولكن تنفيذه كان يحتاج إلى إدارة حديثة
تشرف على انتخابات حرة وترعى الحريات، وحقوق الإنسان، وحفظ
التوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية دون تدخل
من الملك الذي كان من المفروض أن يملك ولا يحكم حسب الدستور.
ولكن الملك وضع كل السلطات في يده عندما بويع من الشعب حتى قبل
وضع الدستور، ثم حل الأحزاب السياسية بعد أول انتخابات نيابية،
ولم تعد للشعب منصات شعبية يبدي فيها رأيه في حكم البلاد،
وأصبحت الانتخابات تجري على أساس فردي وقبلي ومساومات بين
النواب والحكومة، ولا ترتبط ببرامج مسبقة يطالب بها الشعب، ولم
يعد للدستور احترامه الملزم لجميع الأطراف، مما شجع الولايات
على تجاهل اختصاصات وسلطات الاتحاد والانفراد بالسلطة المستمدة
رأسًا من الملك.
وكما أوضحت، وافقت الجمعية الوطنية التأسيسية التي عين أعضاؤها
بالتساوي 20 عضوًا من كل ولاية. وقد عين أعضاء برقة الملك
إدريس وأعضاء طرابلس عينهم مفتي ليبيا بصفته رئيس الفريق
المنشق على المؤتمر الوطني، وقد شمل ضمن من اختارهم بعض أعضاء
من حزب الاستقلال ومن المستقلين، بينما كانت الأغلبية منهم من
أعضاء المؤتمر الوطني المنشقين عن السيد بشير السعداوي، وتم
ذلك بالتشاور مع الإدارة البريطانية والمستر بيلت. أما أعضاء
ولاية فزان فقد عينهم حاكم فزان السيد أحمد سيف النصر بالتشاور
مع الإدارة الفرنسية وموافقتها. ولم يكن في استطاعة أحد من
الأعضاء المعينين في الجمعية الوطنية التأسيسية أن يعارض مشروع الدستور الفيدرالي الذي أعد مقدمًا وعرض عليهم
للموافقة، رغم المناقشة الحامية التى تمت في الجمعية التأسيسية
حوله، ومعارضة الجماهير الشعبية والمؤتمر الوطني برئاسة السيد
بشير السعداوي، والأحزاب الطرابلسية الأخرى، وجمعية عمر
المختار في برقة وممثلي مصر، وباكستان وولاية طرابلس في المجلس
الاستشاري التابع للأمم المتحدة.
لم يعرض الدستور في استفتاء عام كما كان يجب، وإنما فرض على
الشعب دون النص حتى على إمكانية تعديله من أول مجلس نواب
منتخب. كما أن إمكانية تعديله مستقبلاً قيد بشروط لا يمكن
توفرها من الناحية العملية، ومنها موافقة ثلثي مجلس النواب،
وموافقة الولايات الثلاث ومجالسها التشريعية ومجلس الشيوخ
المؤلف بالتساوي بين الولايات. كما حدد الدستور اختصاصات
الاتحاد وترك ما لم ينص عليه للولايات، كما نص على ربط
الولايات رأسًا بالملك الذي أصبح ملكًا على ليبيا وفي نفس
الوقت ملكًا فعليًا لكل من طرابلس وبرقة وفزان يعين
ولاتها ومجالسها التنفيذية ويوافق على تشريعاتها دون موافقة
الحكومة الاتحادية، بل أكثر من ذلك، احتفظ الملك بلقب أمير
برقة مما يمهد الطريق للانفصال في حالة أية معارضة من ولاية
طرابلس للدستور الذي صادقت عليه الجمعية الوطنية التأسيسية.
استقلال ليـبـيا
أعلنت ليبيا استقلالها، وقد تم فعلاً قيام دولة ملكية تحت
التاج السنوسي،
وكان لابد من إرساء دعائم النظام في وجه معارضة شعبية لازالت
قوية يقودها حزب المؤتمر بزعامة السيد بشير السعداوي، الذي كان
في أوج قوته. ولم يكن أمام الحكومة المؤقتة التي ألفها الملك
والجمعية الوطنية التأسيسية من خيار لاستقرار نظام الحكم، سوى
العمل على هزيمة المعارضة المتمثلة في حزب المؤتمر الوطني
برئاسة السيد بشير السعداوي في أول انتخابات نيابية. ولما كان
من الصعب هزيمته في مدينة طرابلس وغيرها من المدن حيث كانت
الجماهير الشعبية واعية لما يخطط لها، كان لا بد من العمل على
هزيمته في الدواخل في ولاية طرابلس، حيث التعصب القبلي
والعشائري لا يزالا على أشدهما، وانعدام الرأي العام فيها،
وقلة عدد المثقفين الواعين، وسهولة تسخير مشايخ القبائل ورجال
الإدارة المحلية للتأثير على المواطنين العاديين والفلاحين
وقبائل البدو للتصويت لمرشحي الحكومة. وهكذا ضمنت الحكومة
أصوات الأغلبية في هذه المناطق، وفازت الشخصيات المحلية
والعناصر المنشقة عن المؤتمر الوطني وبعض أعضاء حزب الاستقلال.
وكما كان متوقعًا انضم نواب طرابلس المنتخبون إلى نواب برقة
وفزان وكونوا أغلبية في مجلس النواب مؤيدة للحكومة المؤقتة.
وكانت المعارضة تتألف من عدد قليل من النواب من بينهم نواب
طرابلس الخمسة الذين فازوا في الانتخابات عن المؤتمر الوطني،
ومن المؤيدين للسعداوي، وهم السادة مصطفي السراج، عبدالعزيز
الزقلعي، محمد الزقعار، مصطفى ميزران والشيخ عبدالرحمن
القلهود.
وقد استُقبلت نتيجة الانتخابات باستياء واحتجاجات شعبية في
طرابلس جرت فيها حوادث شغب واضطرابات عارمة استخدمت الحكومة
فيها العنف للسيطرة عليها وقمعها بالقوة، واتهمت الحكومة عناصر
المؤتمر الوطني بزعامة السيد بشير السعداوي بالقيام بحركة
للإطاحة بالنظام، وقررت على إثر ذلك إبعاد السيد بشير السعداوي
بحجة جنسيته السعودية ومساعديه من المصريين خارج البلاد، كما
تعرض أتباعه الليبيين المقربين في المؤتمر الوطني للسجن.
وبقيام مجلس نيابي موال للحكومة المؤقتة والملك بادرت الحكومة
البريطانية بالتعاون مع الملك للطلب من الحكومة الليبية
الجديدة بتوقيع معاهدة صداقة مع بريطانيا، والدخول في تحالف
معها والموافقة على بقاء القوات البريطانية في ليبيا مقابل
مساعدة مالية لتغطية عجز الميزانية الليبية. وفعلاً تمت مصادقة
البرلمان على المعاهدة البريطانية الليبية والاتفاقية المالية
المرفقة بها. وكذلك تم الاتفاق مع أمريكا لبقاء قواتها في مطار
الملاحة مقابل دعم مالي للتنمية في ليبيا، كما ضمنت مصالح
فرنسا في فزان ومصالح الأقلية الإيطالية في ليبيا.
أسلوب الملك إدريس السنوسي في الحكم
الأسلوب الذي اتبعه الملك في تعيين رؤساء الحكومات والوزراء
وإقالتهم واستبدالهم أحيانًا بخصومهم السياسيين، دون الرجوع
إلى مجلس النواب، شجع التنافس بين الطامحين في الحكم والتباري
في إرضاء الملك وقبول تعليماته وتوجيهاته دون مناقشة. وكان
إلغاء الأحزاب السياسية قد ساعد على عدم وجود سياسيين يعتمدون
على قاعدة شعبية قادرين على الوقوف ضد تدخل الملك وحاشيته،
وإبداء رأيهم بصراحة في شئون البلاد، ومعارضة أية تعليمات لا
تتمشى ورغبات الشعب. ومنع الملك رؤساء الحكومات والوزراء
التكلم باسم الشعب على اعتبار أنه هو الممثل الشرعي الوحيد
للشعب،
وهكذا أصبح هم الحكومات الليبية المتوالية هو إرضاء الملك
وتنفيذ تعليماته.
كانت سياسة الملك تهدف إلى عدم تمكين أي شخص من الوصول إلى
مركز يمكنه من زعامة الشعب كما استطاع السيد بشير السعداوي،
ولهذا ألغى الأحزاب وواصل ترسيخ سلطته، حتى أصبح يعتقد أن من
واجب جميع المسئولين العمل بتعليماته في إدارة شئون البلاد،
ومن واجب مجلس الأمة السير بسياسته في تشريعاته وقراراته.
وأصبح من حقه التدخل في شئون الحكم، وتعيين من يشاء في المناصب
الهامة والحساسة من أهل الثقة، دون مراعاة الخبرة والمعرفة،
وبذلك فقدت هذه المناصب حيادها وهيبتها وفاعليتها واستغلت
للمصالح والأهواء مما عجل بنهاية النظام.
الغريب في السياسة أن غرور السلطة والحكم يسيطر على الحاكم
الذي لا رقابة عليه، حتى الإنسان المتقشف النزية مثل الملك
إدريس لا ينجو من ذلك. ويتداول المحيطون بالملك إدريس قصة أن
الفريق محمود أبو قويطين قال للملك يومًا: "نريد بناء بيوت إلى
جانب القصر للجنود والضباط الذين يحمونك ويحرسونك يا سيدي"،
فتوقف الملك عند كلمة يحمونك ويحرسونك وقاطع أبوقويطين في
الحال وقال له: "والله يا سي محمود مش عارفين مين يحمي من،
أنتم تحموني أو أنا الذي أحرسكم وأحميكم وأسبغ عليكم السلطة
والهيبة".
ورغم تعيين الملك للمقربين منه ومن كان في خدمته في المهجر قبل
الاستقلال في وظائف هامة في الدولة واستمرار رعايته لهم، إلا
أنه لم يعامل كل السياسيين الذين خدموه بإخلاص واحترام كرؤساء
الحكومات والوزراء والموظفين الكبار وكبار ضباط الأمن والجيش
نفس المعاملة. فمعظم الساسة الذين تولوا الحكم والموظفون في
المراكز القيادية وكبار ضباط الأمن والجيش أهملوا بعد خروجهم
من مناصبهم، وتعرض بعضهم إلى ملاحقة خصومهم الذين تولوا الحكم
بعدهم،
وبذلك لم يعد أحد من هؤلاء يشعر بالأمن على نفسه، والولاء
للملك، والنظام والتفت كل منهم إلى أموره ومصالحه الخاصة.
وعند تحليل تصرف الملك في حكم البلاد نجد أنه لم يكن يسمع
نصائح أحد، حتى من حلفائه البريطانيين والأمريكيين في الشئون
الداخلية. فقد كانوا غير راضين عن سياسته، وإصراره على التصرف
حسب تفكيره التقليدي، وتعيينه لغير المؤهلين في المناصب
العامة، مما ساعد على فقدان ثقة الشعب وإضعاف النظام بصفة عامة
وهذا ما كان في رأيهم يهدد المصالح البريطانية والأمريكية
أيضًا إذا تعرض النظام الملكي إلى خطر.
علاقة الملك بعائلته ورغبته في إلغاء النظام الملكي
الوراثي
كان سلوك الملك نحو عائلته موضع استغراب الجميع،
فقد شتت شملهم وجعل منهم أعداء وفقد بذلك سندهم وتأييدهم عند
الحاجة،
وعاش معظم وقته شبه معزول عن الجماهير وكبار معاونيه في ركن
بعيد من الوطن في مدينة طبرق التي تبعد عن مراكز تجمعات السكان
بمئات وآلاف الكيلومترات،
كما كان حائرًا في من يخلفه بعد وفاته.
ورغم أنه قبل على مضض تعيين أخيه السيد محمد الرضا في أول
الاستقلال، وتعيين ابن أخيه الأصغر السيد الحسن الرضا بعد وفاة
أبيه، إلا أنه لم يكن يؤمن بفكرة ولاية العهد لأحد من أسرته
وكان مصممًا على حرمان عائلته من تولي الحكم بعد وفاته، بعد أن
حرمهم من حق المواطن العادي أثناء حياته.
كان الملك قاسيًا على عائلته. فمثلاً،
عند وفاة المرحوم السيد صفي الدين السنوسي
ـ
أحد قادة معركة القرضابية
ـ
في مصر سنة 1967م
أعلم رئيس الوزراء مجلس الوزراء بالخبر، وذكر بأنه استشار
الملك أين يدفن السيد صفي الدين وهو عم الملكة، فسأل الملك
رئيس الوزراء وماذا كانت وصيته؟ فلما ذكر له بأنه أوصى بأن
يدفن في الجغبوب وافق الملك على ذلك، ولكنه أمر بأن يتم الدفن
بدون إجراءات رسمية، وأن لا يشترك الوزراء أو ممثلوا الحكومة
في مراسم الدفن. وعندما ما قيل للملك إن السيد صفي الدين عليه
ديون وأن حالته المالية لا تسمح بدفعها أجاب بأنه له أولاد
ويجب أن يدفعوا ديون والدهم.
كان الملك يفكر في تعديل الدستور ولكنه كان حائرًا بين اختيار
نظام جمهوري أو نظام ملكي لا سلطة فيه للملك. ورغم أنه كان
يحبذ النظام الجمهوري، إلا أنه كان يرغب في المحافظة على
التوازن بين إقليمي طرابلس وبرقة، وضمان تبادل منصب رئيس
الجمهورية بين الأقليمين، وهذا من الصعوبة بمكان في أي نظام
جمهوري يقوم على الانتخاب الحر، مما جعله يتردد في استعجال
تعديل الدستور، رغم أنه كلف المستر أدريان بيلت بدراسة التعديل
وألفت لجنة من كبار القانونيين الدوليين برئاسة المستر بيلت
دون علم أو موافقة الحكومة والبرلمان. وقد درست هذه اللجنة
اقتراحات الملك للتعديل وتقدمت بمشروعين للدستور أحدهما جمهوري
والآخر ملكي مقيد لا سلطة فيه للملك، ولم يتخذ الملك قراره
بشأنهما حتى انتهى الحكم الملكي. وقد تعرضت لذلك الموضوع
بالتفصيل في الفصل الثالث.
وتفكير الملك بتغيير النظام الملكي وتحويله إلى نظام جمهوري
لحرمان العائلة السنوسية من حكم البلاد شئ غريب. ففي عالمنا
العربي يعتمد الحاكم على الولاء العائلي والقبلي في تقوية
حكمه، لأن فقدان مثل هذا الدعم العائلي يشجع أصحاب الطموح في
السلطة للسعي للوصول إليها بشتى الطرق دون خوف. وأعتقد أن هذا
ما حدث في ليبيا، فلم يجد الملك من يقف للدفاع عنه وقت حاجته
إلى من يحمي عرشه، خاصة أنه لم يكن ملكًا شعبيًا على رأس نظام
ديمقراطي يحميه، فقد ألغيت الأحزاب ولم يعد في البلاد أي تنظيم
شعبي له دور فعّال في شئون البلاد.
لم يكن الملك إدريس يعايش مواطنيه كفرد منهم، يشاركهم أفراحهم
وأحزانهم، ويزورهم ويستمع إلى شكواهم وآرائهم، ويلبي طلباتهم
العامة ويعطف على حاجاتهم الخاصة، كما يعمل حكام العرب. كما
أنه لم يكن يشرف مباشرة على الجيش، أو يختلط بضباطه ويجتمع بهم
لمعرفة مشاكلهم وحاجاتهم، كما يعمل ملوك العرب ورؤساؤهم. لقد
فقد الملك ثقة الجميع بما فيهم كبار ضباط الجيش، والعائلة
السنوسية، وكل السياسيين الذين خدموا البلاد والنظام والملك ثم
وضعوا (على الرف) دون تقدير أو رعاية أو حماية بعد خروجهم من
الحكم.
ردود
الفعل لرغبة الملك في تغيير نظام الحكم
لم
يكن تفكير الملك بتغيير النظام الملكي إلى نظام جمهوري أو ملكي
دستوري راجعًا إلى تجاوب مع رغبات شعبية أو حبًا في
الديمقراطية، بل كان مبنيًا على رغبة الملك في حرمان العائلة
السنوسية من حكم البلاد أو لعب أي دور فيه بعد وفاته. أثار
موضوع رغبة الملك في تغيير النظام رد فعل معارض من أنصار
النظام الملكي المقربين، بينما لم يعرف الشعب بشئ مما يجري في
الخفاء، ولو أعلن ذلك رسميًا لقامت المظاهرات في برقة تأييدًا
للنظام الملكي. كان كل شئ يجري في الخفاء حول رغبة الملك في
تغيير النظام وسط تكهنات دولية ووطنية حول مستقبل النظام. حتى
الذين شاركوا في إعداد المشاريع الخاصة بالتغيير كانوا لا
يعرفون ماذا يريد الملك في قرارة نفسه. وكان كذلك سفراء
بريطانيا وأمريكا، أقرب الناس إلى الملك، لا يعرفون ماذا يريد
الملك، مما زاد من حيرتهم جميعًا.

الملك إدريس السنوسي
أسهبت الصحف البريطانية والأمريكية في الكتابة عن العوائق
التي تقف في وجه استمرارية النظام الملكي في ليبيا، حتى أن بعض
أعضاء البرلمان البريطاني حذر الحكومة من استمرار بريطانيا في
دعم النظام القائم في ليبيا وعارضوا تسليح الجيش الليبي
بالدبابات الحديثة آنذاك، حتى لا تقع في أيدي معادية للغرب في
حالة قيام حركة ضد النظام في ليبيا.
ولم تستطع الدول الحليفة التدخل لفرض رأيها على الملك لحماية
عرشه لأنه كان واثقًا من نفسه، وإخلاص الشعب له، وسيطرته على
الأمور حتى في غيابه، وكان يغضب لسماع أية معارضة حتى في شكل
مناشير توزع ضده.
وكان يعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية غير مخلصة له وأنها
تعامله بصداقة حرصًا على مصالحها في ليبيا، وأنها لن تتردد في
التضحية به لتأييد أية حركة ناجحة ضده، كما فعلت في مصر
والعراق واليمن. وكان بالعكس يثق ببريطانيا ثقة عمياء، ويتمسك
بعلاقاته معها، ولم تتزعزع هذه الثقة حتى بعد تغير السياسة
البريطانية بقدوم حزب العمال إلى الحكم، الذي لم يعط الأنظمة
الملكية التقليدية أية أهمية تذكر، بل بالعكس كان يؤيد الحركات
الاشتراكية في العالم وفي المناطق الخاضعة للنفوذ البريطاني
على وجه الخصوص. وكانت حكومة العمال لا تعطي النظام الملكي في
ليبيا اهتمامًا، رغم ضخامة مصالحها فيها وسعيها لضمان الصفقات
التجارية المتزايدة نتيجة لبدء تصدير البترول.
أما الولايات المتحدة الأمريكية فكانت تعرف جيدًا أن الملك لا
يثق فيها، ولكنها كانت تعتمد على بريطانيا في التعامل مع
النظام الليبي، وكانت تؤيد بريطانيا لإعداد ولي العهد لحكم
ليبيا بعد وفاة الملك. وكانت تتشاور في هذا الشأن مع الدول
الأخرى الصديقة التي لها مصالح في ليبيا مثل فرنسا وإيطاليا
وتونس والمغرب، لأن الأخطار التي قد تعرض ليبيا للخطر قد تعرض
مصالح هذه الدول للخطر، خاصة أن الاتحاد السوفيتي كان قوة عظمي
تنافس النفوذ الأمريكي، وأن النفوذ الناصري واستقلال الجزائر
وسيرها في الركب الناصري يعرض المنطقة إلى سيطرة الاتحاد
السوفيتي. وفي ضوء هذه الصورة لما يجري في ليبيا كانت أمريكا
تعطي مستقبل ليبيا اهتمامًا متزايدًا للمحافظة على مصالحها
ودورها في المنطقة في حالة قيام بديل للنظام القائم في ليبيا.
لذلك اتجهت مخابراتها إلى الوضع الداخلي في ليبيا، والبحث عن
زعامات في صفوف المعارضة والجيش لتتولى الحكم في حالة انهيار
النظام الملكي.
وكانت السفارة الأمريكية تفتح أبوابها سرًا وعلانية لرجال
المعارضة وضباط الجيش وزعماء التنظيمات العمالية والنقابية،
وحتى لأفراد الشعب العاديين، لمعرفة ما يجري في صفوف الشعب.
وكان رؤساء الحكومات الليبية الملكية المتعاقبة في ذلك العهد،
رغم عدم رغبتهم في إثارة المشاكل مع أمريكا، يعبرون عن قلقهم
من هذا السلوك الأمريكي المشبوه خلال حديثهم مع سفراء بريطانيا
في ليبيا. وقد سجل سفراء بريطانيا في ليبيا هذا في تقاريرهم
إلى الحكومة البريطانية. كانت بريطانيا وأمريكا تتابعان حركة
التغيير في الرأي العام الليبي، وأصبح واضحًا لهما أن جيلاً
جديدًا قد بدأ في الظهور، وأن الجيل القديم من السياسيين قد
أصبح عاجزًا عن السيطرة على البلاد وتقديم الحلول للمشاكل
الناتجة عن تطور الاقتصاد بعد اكتشاف البترول وتطور الوضع
الثقافي والاجتماعي للشعب. ورغم استعانة النظام بالشباب
المتعلم للقيام ببعض المهام الفنية على المستوى الوزاري
والإداري، إلا أن الوضع أصبح يستدعي تغييرًا جوهريًا.
ولم يكن الملك بغائب عما يجري في ليبيا وما يسعى إليه حلفاء
ليبيا الأجانب، ولهذا بادر بدوره إلى إدخال الشباب في أواخر
حكمه، وتعيين عناصر شابة متعلمة في مراكز هامة على المستوى
الوزاري وضمن كبار الموظفين، ولكنه عمل على الإبقاء على بعض
العناصر القديمة المخلصة في الحكومة للسيطرة على وزارات الدفاع
والداخلية والمالية والخارجية. وقد استقبلت الدوائر الغربية
هذا التغيير والتحول نحو الشباب بترحيب كبير لأن ذلك في رأيها
سيساعد على الاستقرار وضمان مصالحها. ولهذا سارعت بعض السفارات
الأجنبية إلى التقرب من هذه الصفوة الشابة الجديدة لمعرفة
سياساتها وتوطيد علاقاتها بها خدمة لمصالحها، مما أثار مخاوف
الملك وكذلك الجيل القديم الذي لا زال يسيطر على المناصب
القيادية المهمة، وضمن الحاشية الملكية ذات النفوذ الكبير
ورجال القبائل في برقة الذين لهم وضع خاص.
وفعلاً
خرجت زعامات شابة استطاعت إقناع الملك باستحداث إصلاحات حديثة
مثل تعيين السيد عبدالحميد البكوش رئيسًا للحكومة، الذي استطاع
بذكائه أن يستفيد من هذا التغيير والاتجاه نحو الشباب. وتجاوب
الملك معه ورحب البريطانيون والأمريكيون به، وسارعوا إلى
تأييده أثناء توليه الحكومة. ولكن السيد عبدالحميد البكوش في
رأيي كانت تنقصه صفات التروي والإلمام بالتركيبة السكانية في
ليبيا، فقد اندفع في سياسة التغيير والارتباط بالغرب،
والابتعاد عن العرب ومشاكلهم والدعوة الناصرية القوية،
والتركيز على مشاكل ليبيا الاقتصادية والاجتماعية، ورفع مستوى
المعيشة لسكانها، ومناداته بـ"الشخصية
الليبية"،
والتقدم والقضاء على التخلف، واللحاق بالركب الحضاري. كان
يدافع عن رأيه وسياسته بأن ليبيا يجب أن تكون متقدمة قوية
لتفيد العرب، لأنها في وضعها آنذاك لا تستطيع تقديم أي شئ، لكن
سياسته في التقرب من الغرب أثارت الشكوك لدى الجماهير الشعبية
حول مصداقيته. فالرأي العام في ليبيا كان
قوميًا
ناصريًا
ولا يقبل التضحية بعروبته من أجل فوائد اقتصادية وثقافية لا
تعرف أهدافها الحقيقية.
تصرفات الملك تثير الحيرة
إن الدارس لتصرفات الملك يقع في حيرة من أمره،
هل كان تصرفه نتيجة لعدم انجابه وليًا للعهد أو أن كراهيته
لعائلته هو سبب انعزاله والبعد عن حياة البذخ الذي عرف به
الحكام العرب، وكذلك الادعاء بسوء صحته المبالغ فيه، فقد كان
يتمتع بصحة جيدة، وعاش حتى الثمانينات. كانت تصرفات الملك
غريبة وكانت مصدر قلق لرؤساء حكوماته، فكان أحيانًا يتظاهر
بقبول النصيحة واقترحاتهم ثم يغير رأيه. ولم يستقر رأيه في
اختيار رؤساء حكوماته، فمثلاً عين في أول فترة الاستقلال السيد
مصطفى بن حليم ثم الدكتور محي الدين فكيني مما يدل على رغبته
في الاستعانة بالشباب المؤهلين جامعيًا لتسيير أمور البلاد،
ولكنه سرعان ما تخلص منهما وعاد للساسة المخضرمين مثل السادة
محمد عثمان الصيد ومحمود المنتصر وحسين مازق وعبدالقادر
البدري، ثم غير رأيه وعاد للشباب المؤهل واختار السيد
عبدالحميد البكوش، ولكنه سرعان ما تخلص منه وعاد مرة ثانية
للإداريين المخضرمين فعين السيد ونيس القذافي.
كان الملك إدريس حريصًا على صحته وأحيانًا يتظاهر بأنه
لا يريد الخوض في شئون الحكومة ليبتعد عن مقابلة المسئولين،
حتى رؤساء حكوماته قلما يتمكنون من مقابلته لشهور،
أما وزرائه فلا يراهم إلا يوم حلف اليمين بمناسبة تعيينهم أو
في المناسبات العامة من بعيد. وكان يصدر أوامره لرؤساء وزرائه
عن طريق سكرتيره الخاص. ولا أذكر أنه استدعى مجموعة من الوزراء
أو وزيرًا بمفرده لمعرفة رأيهم في أمر هام أو دعاهم إلى الغذاء
معه لمناقشة مسائل تهم البلاد وشئون وزاراتهم، حتى رؤساء
حكوماته لا يراهم إلا نادرًا. وفي نفس الوقت كان حريصًا على
مقابلة مستشاري وشيوخ ولاية برقة واستقبال سفراء بريطانيا
وأمريكا وكبار موظفي سفارتيهما وعائلاتهم وكبار الزوار من
الدولتين، وكان يدعوهم للغذاء معه وبحضور الملكة أحيانًا، وكان
اتصاله بهم دائمًا رأسًا وليس عن طريق وزارة الخارجية كما جرى
عليه العرف الدبلوماسي.
وقد تعرض سفراء بريطانيا وأمريكا في تقاريرهم العديدة التى
بعثوا بها إلى حكوماتهم في تلك الفترة والتي نشرت بعد رفع
السرية عنها بمرور 30 عاما عن أحداث العهد الملكي، وسياسات
الحكومات الليبية والملك، وحتى حياة الملك الخاصة والعائلية
وعلاقاته وحاشيته، وما يجري في القصر الملكي من أحداث وأسماء
من يخدم في القصر وجنسياتهم ونشاطهم بشئ من التفصيل. كما
تعرضوا أيضًا إلى الحياة الخاصة لكل رؤساء الحكومات وكبار
المسئولين الليبيين بشئ من التفصيل، بما في ذلك ما يشاع عنهم
بين الناس حول سلوكهم ونسبهم وعلاقاتهم الخاصة والرسمية مع
بعضهم البعض ومع الآخرين. وأستطيع أن أقول، بعد الإطلاع على
بعض هذه التقارير وفي ضوء ما أعرف، أن تقارير السفيرين
البريطاني السير
رودريك
ساريل والأمريكي المستر ديفيد نيوسوم عما كان يجري من أحداث في
العهد الملكي السابق وسياسة الحكومات المتعاقبة وردود فعل
السياسة الأمريكية والبريطانية حولها تعبر بوضوح عن حقيقة
الواقع الذي كنا نعيشه في تلك الفترة، وهو ما حاولت أنا بدوري
في هذه الذكريات التعرض له باختصار، بعد انتهاء العهد الملكي
مباشرة سنة 1970م
وقبل الإطلاع على هذه التقارير أخيرًا.
المستر ديفيد نيوسوم والسير رودريك ساريل
المستر ديفيد نيوسوم كان سفيرًا للولايات المتحدة الأمريكية في
ليبيا من أكتوبر 1965 إلى يونيو 1969م،
وعايش فترات أربعة رؤساء حكومات في النظام الملكي السابق، وكان
مقربًا منهم ومن الملك يزورهم باستمرار في مكاتبهم وبيوتهم،
ويدعى إلى القصر في فترات متتالية للغذاء والعشاء مع الملك
والمسئولين الليبيين، والاستراحة في طبرق هو وعائلته وبعض
معاونيه. لقد لعب ديفيد نيوسوم دورًا هامًا في الحياة السياسية
الليبية مستغلاً نفوذ بلاده القوي، وقد حظي بمثل ما حظي به
السير رودريك ساريل السفير البريطاني الذي يعتبر في ليبيا من
العائلة، سواء من رؤساء الحكومات والوزراء أو الملك.
كانت الأبواب مفتوحة أمام هذين السفيرين والأذان تصغي لما
يقولان، وهذا ليس مبالغة، فقد
انعكس
هذا في تقاريرهما إلى حكومتيهما التي نشرت بعد مضي فترة الثلاثين
عامًا عليها، وقد تم نقلهما معًا من ليبيا قبل الفاتح من
سبتمبر 1969م
بفترة وجيزة بعد قضاء عدة سنوات كسفيرين لبلديهما في ليبيا.
ورغم هذه العلاقات الوطيدة للسفيرين مع المسئولين الليبيين لم
يكن السفير الأمريكي أو السفير البريطاني يتدخلان في القرارات
السياسية، فقد كان الملك يحكم ويقرر ما يراه دون الرجوع إلي
السفيرين أو إلى أي أحد ليبيًا كان أو أجنبيًا ولم يكن يومًا
عميلاً لأي دولة أجنبية. أما رؤساء الحكومات فكانوا يتخذون
قرارتهم حسب رؤيتهم للأمور واجتهادهم، أما قراراتهم الهامة
فتكون وفق تعليمات الملك دون الرجوع إلى أحد آخر، ولا اعتقد أن
أحدًا منهم كان عميلاً لأي دولة أجنبية. وكانت علاقتي بنيوسم
وساريل رسمية فلا يزوراني في بيتي ولا يتبادلان معي الأحاديث
في غير المعاملات الرسمية العادية.

السفير الأمريكي ديفيد نيوسم
زارني ديفيد نيوسوم للوداع في مكتبي عندما تقرر نقله من ليبيا،
كما زار بقية المسئولين في الحكومة. وقد أثار معي مواضيع هامة
لم يكن يتناولها معي في مقابلاته العادية، وأمطرني بأسئلة
عديدة عن النظام الملكي وسياسة الملك والحكومة وموقف الشعب من
الحكومة وموقف ضباط الجيش. وقد فؤجئت بهذه الأسئلة الغريبة
التي تعتبر شئونًا داخلية لا علاقة له بها، رغم أنه قدمها بشكل
ودي دبلوماسي. وقد حاولت أن أكون دبلوماسيًا بدوري وبادلته
الحديث في ما كنت أعتقده أنه لا يمس سياسة الدولة، رغم أني كنت
أعرف أن كثيرًا من المسئولين الليبيين يصارحونه بكل ما يعرفون،
وتجلى هذا في تقاريره إلى الحكومة الأمريكية التي نشرت أخيرًا
بعد أن رفعت السرية عنها. وكنت أعرف أنه من أخطر الدبلوماسيين
الأمريكيين، يخفي وراءة أسرارًا كثيرة عن ليبيا
والليبيين، لكثرة اتصالاته وانتشار رجال مخابراته بين فئات
المواطنين والمسئولين وكان يرسم وينفذ مخططات وسياسات حكومته
ليس في ليبيا فحسب بل في منطقة الشمال الإفريقي.
بدأ السفير نيوسم حديثه معي بالكلام عن علاقته الوطيدة مع
الرئيس نيكسون وأنه عائد إلى وزارة الخارجية لتولي مناصب
تنفيذية في إدارته. وأنه صديق لنيكسون منذ أن كان الأخير
نائبًا للرئيس أيزنهاور، وكان نيكسون يتصل به هاتفيًا في مكتبه
لأخذ رأيه في بعض الأمور، مما أحرجه مع رؤسائه وزملائه في
وزارة الخارجية. كان ملخص ما قلته له في الإجابة عن أسئلته
العديدة، أن الشعب الليبي بدأ يشعر بالأمان والرضا لتوفر
الرخاء الذي بدأ يعم مختلف طبقات الشعب بفضل دخول البترول، وأن
الجفوة بين الحكومة والشعب أخذت تزول مما يبعث على الاستقرار
والأمن،
وأن الشئ الوحيد الذي يضايق الشعب والحكومة هو موقف أمريكا
المؤيد لإسرائيل، ومعاداتها للرئيس عبدالناصر، مما جعل موقف
الحكومات العربية الصديقة لأمريكا ومنها ليبيا في موقف حرج مع
شعوبها،
وأني آمل أن يستطيع بعلاقاته الوطيدة مع الرئيس نيكسون أن
يقنعه بإجبار إسرائيل بالجلاء عن الأراضي التي احتلتها سنة
1967م،
والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في الاستقلال والسيادة على
أراضية، وفي ذلك خدمة لأمريكا ومصالحها في العالم العربي وخدمة
للأنظمة العربية التي ترغب في المحافظة على علاقات صداقة
وتعاون مع أمريكا، وحفاظًا على الأمن في المنطقة لتتفرغ
لتنميتها الاقتصادية والسير نحو الديمقراطية، ولا يمكن إيقاف
الرئيس عبدالناصر من إثارة الشعوب العربية ضد الحكومات
المتعاونة مع الغرب، إلا إذا تم الجلاء عن الأراضي المحتلة
والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.
كان جواب السفير الأمريكي غريبًا فقد قال لي إن أمريكا تدخلت
سنة 1956م
وأجبرت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على الجلاء عن كل الأراضي
التي أحتلها مقابل وعد من الرئيس عبدالناصر بعدم اللجوء إلى
القوة في حل القضية الفلسطينية،
ولكن الرئيس عبدالناصر استمر في استعمال القوة ثم أغلق المضايق
البحرية أمام التجارة الإسرائيلية في البحر الأحمر وبدأ في
الإعداد للهجوم على إسرائيل سنة 1967م.
ولهذا عندما احتلت إسرائيل كل فلسطين وبعض أراضي الدول
العربية، قررت أمريكا عدم التدخل وإجبار إسرائيل على الجلاء
كما فعلت في الماضي، واشترطت أن يتم مثل هذا الجلاء عن طريق
المفاوضات الثنائية بين طرفي النزاع للوصول إلى حل يقبله
الطرفان، ولن تقدم أمريكا في المستقبل على فرض حل معين على
إسرائيل لا ترضاه مهما كانت الضغوط العربية عليها.

1971- ديفيد نيوسم
بعد أن صار مساعداً لوزير الخارجية الأمريكي للشئون الإفريقية في
لقاء مع
الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة
وأما بالنسبة لأمن ليبيا ومواقف ضباط الجيش الليبي فقد قلت له
رغم وجود خلافات بين ضباط الجيش الليبي فلا أعتقد أن تقدم
مجموعة بالانقلاب على النظام، لأن القوات المسلحة الليبية لا
تخضع لقيادة واحدة ويصعب حصول إجماع بينها. وقد حاول أن يدخل
في بعض التفاصيل التي يعرفها عن الوضع داخل الجيش وموقف الملك
ومستقبل النظام الملكي ووضع ولي العهد، ولكني حرصت على عدم
الخوض في مثل هذه الأمور. وقد ودعته طالبًا منه أن يكون صوتًا
مؤيدًا ومساندًا لقضية فلسطين والجلاء عن الأراضي العربية
المحتلة، فهو أعرف من غيره بين المسئولين الأمريكيين بالوضع
العربي، ورد فعل الشعوب العربية ضد السياسة الأمريكية غير
المحايدة بين العرب وإسرائيل، وتأثير مثل هذا الموقف على
الأنظمة العربية الصديقة لأمريكا. وقد وعد بأن يكون خير رسول
للقضايا العربية لدى الإدارة الأمريكية.
علاقة الملك بالملوك والرؤساء العرب
كانت علاقة الملك إدريس بالرؤساء العرب غير مستقرة أو واضحة.
فمثلاً كان يظهر صداقة قوية للرئيس عبدالناصر ويلبي كل طلباته،
وفي نفس الوقت يصدر تعليماته السرية إلى رؤساء حكوماته ويحذرهم
من الرئيس عبدالناصر وسياسته التوسعية نحو ليبيا ورفض حتى
زيارته لليبيا. كما أن علاقته مع السيد أحمد بن بلة كانت وثيقة
قبل استقلال الجزائر وبعده ولكنها تغيرت حالما توطدت علاقات
الرئيس بن بلة بالرئيس عبدالناصر. وكان لا يشعر بود أو تقارب
للرئيس التونسي الحبيب بورقيبة ربما بسبب عزله للباي، ولا لملك
المغرب الحسن الثاني ولا للعائلات الحاكمة في السعودية ودول
الخليج والعراق بعد الثورة ولا لسوريا، ولكنه كان يعطف على
الملك حسين ملك الأردن، وغضب كثيرًا عندما قتل الملك فيصل ملك
العراق وولي عهده، ورفض الاعتراف بحكومة العراق الثورية وحكومة
اليمن بعد التغيير لفترة من الزمن.
إضافة خاصة للمؤلف
وقبل أن أنهي هذا الجزء الأول من ذكرياتي أود أن أضيف إلى أنه
بعد الفاتح من سبتمبر
1969م
وعملي بشركات النفط أعطيت والدي ووالدتي اهتمامًا خاصًا. فقد
عشت إلى جوارهما
بعد أن فرقتنا سنوات الدراسة والعمل في السفارات وفي البيضاء.
فقد سهرت على صحتهما وتمكنت من السفر معهما
للعلاج في بريطانيا. وكان مدراء شركة شل
وأوكسيدنتال الذين كنت أعمل معهم يشكون من طول الوقت الذي
احتجته لهذا الغرض، رغم تفهمهم
لمشاعري وواجباتي العائلية.
في سنة 1976م
مرضت والدتي إثر وقوعها في البيت، فأدخلتها مستشفى شركات النفط
بطرابلس على حسابنا الخاص. وقد انتقلت إلى رحمة الله
في اليوم الذي كنت أستعد فيه للسفر بها إلى بريطانيا للعلاج.
وقد كان لوفاتها وقعًا
أليمًا في نفسي غيّر مجرى حياتي. فقد كانت رحمها الله قريبة
إلى قلبي وأحظى منها
بحب خاص وجارف، وكانت دائمًا دعمًا لي في مواصلة دراستي وتقديم
المساعدة لأحقق هدفي
في إتمام دراستي الثانوية والجامعية بعيدًا عنها في طرابلس ثم
في القاهرة.
ووفاة الوالدة شجعني على العمل في الخارج مع الأمم المتحدة
بعيدًا عن الوطن.
وبعد وفاة الوالدة انتقل والدي إلى بيتي المجاور للإقامة معي
ولم يعد يستطيع
حتى زيارة حجرة نومه التي تذكره بزوجته التي قضى معها العمر
كله قريبًا منها، لم
يتركها لحظة، حتى الإقامة معها في المستشفى قبل وفاتها. وبعد
شهرين تقريبًا أصيب
الوالد بمرض في كليتية وشخص الأطباء مرضه بوجود التهاب في
الكلية، وقد أخذ إلى لندن وتقرر
إجراء عملية جراحية له في
"لندن
كلينك" بعد أن
أثبتت التحاليل وجود ورم سرطاني في الكلية
اليمنى. وأخضع للعلاج بالأشعة لفترة من الزمن، ولم يكن الوضع
المالي والظروف
الاستثنائية التي كنا نعيشها تسمح لنا بالاستمرار في علاجه في
الخارج.
رجع الوالد
إلى طرابلس، وقبلت في هذه الفترة عرض الأمم المتحدة للعمل معها
واضطررت إلى مغادرة
طرابلس، ولم يكن في مقدوري أخذه معي إلى جنيف، وتركت الوالد في
رعاية الإخوة الهادي
وعبد العظيم. ولكن أخي علي، الذي عين سفيرًا في كوبا في تلك
الفترة، رجع إلى طرابلس
وتزوج وأخذ الوالد ليعيش معه في كوبا ويرعى علاجه لفترة. والأخ
علي أفضاله على العائلة لا
يمكن حصرها. وبعد فترة رجع الوالد إلى طرابلس، كأنها تناديه،
لينتقل إلى رحمة الله في نهاية سنة 1978م
ويدفن في مقبرة سيدي منيدر إلى جانب أفراد العائلة.
وخلال عملي في الأمم المتحدة مرض أخي الدكتور المهندس أحمد
السني المنتصر،
الذي كان يدرس الهندسة في جامعة برلين في أغسطس 1984م،
فأسرعت إليه، وقد كنت في جنيف
أستعد للسفر إلى مؤتمر الأمم المتحدة للسكان الذي كان سيعقد في
مدينة المكسيك في
الأول سبتمبر من نفس السنة. وقد صدمت بنتائج الفحص الطبي الذي
أجري على أخي أحمد في مستشفى جامعة
برلين، فقد أخبرني الأستاذ بالجامعة الدكتور الذي أجرى العملية
بوجود ورم سرطاني
متضخم في البنكرياس وأنه لا أمل في حياته وهو يعطيه أسابيع
للبقاء على قيد الحياة. نزل هذا الخبر كالصاعقة عليّ. وجاء بعض
الإخوة من طرابلس إلى برلين، وسافرت بدوري إلى
المكسيك لحضور مؤتمر السكان وأنا في دوامة من الألم والضياع.
وبعد رجوعي أسرعت إلى
برلين وبقيت معه بقية أيامه في المستشفى حتى فاضت روحه إلى
بارئها ونقل جثمانه إلى
طرابلس ليدفن في مقبرة سيدي منيدر بجانب أبويه.
وأنا أكتب هذه الإضافة إلى ذكرياتي في لندن في الأسبوع
الأول من نوفمبر 2007م
وصلني خبر أليم من طرابلس وهو وفاة أخي الهادي السني المنتصر
بعد مرض عضال طويل
في طرابلس. وكان قد قضى كل حياته بعد دراسته للقانون في جامعة
دمشق محررًا للعقود
بطرابلس. ترك رحمه الله أرملته وولدين وأربع بنات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
لبعض الصور التاريخية
- المواقع الإلكترونية: ليبيا الباكور، ناصر، أم السراية،
ليبيا المستقبل، مكتوب، الصياد،
واحات اليمامة، الأمم المتحدة.
- الهادي إبراهيم المشيرقي: ذكرياتي في نصف
قرن من الأحداث الاجتماعية والسياسية، منشورات مركز جهاد
الليبيين للدراسات التاريخية، سلسلة الوثائق التاريخية (7)
1980.
- الهادي إبراهيم المشيرقي: مشاهداتى في بلاد الهند، المطبعة
الليبية، طرابلس
ـ
ليبيا، 1967م.
- جميل عارف: صفحات من المذكرات السرية
لأول أمين عام للجامعة العربية.. عبدالرحمن عزام - الجزء الأول
- المكتب المصرى الحديث، 1977.
- "الملك إدريس عاهل ليبيا:
حياته وعصره"، تأليف إيريك دي كاندول، مانشستر 1989. ترجمة
محمد القزيري ونشر
محمد عبده بن غلبون.
Epstein, E. Dossier: The
Secret History of Armand Hammer. Random
House: New York, 1996
The Society for Libyan
Studies. Seventh Annual Report (1975-76). London
الفصل السابق
الرئيسية
|